يربط الرأي العام العالمي اليوم الخليج العربي في أغلب الأحيان بناقلات النفط ومضيق هرمز والأزمات الإقليمية. غير أن الأهمية الجغرافية السياسية لهذا الخليج لم تبدأ مع النفط، ولا هي محصورة بالتوترات الراهنة. فمنذ نحو قرنين من الزمن، تظل حقيقة واحدة ثابتة في حسابات السياسة الخارجية للدول الكبرى: من يسيطر على الخليج العربي، يسيطر أيضاً على أهم بوابة بحرية بين المحيط الهندي والشرق الأوسط.
ثمة جغرافيات تتغيّر فيها الدول والأعلام، وتنتهي فيها الحروب، لكن الصراع لا ينتهي أبداً. والخليج العربي هو نموذج لمثل هذه الجغرافيا. فرغم أن إمبراطوريات وقوى كبرى مختلفة توجّهت إلى هذه المنطقة عبر التاريخ بذرائع متباينة، يبقى العنصر الثابت في الواقع هو التفوّق الاستراتيجي الذي تمنحه هذه الجغرافيا.
في القرن التاسع عشر، كان معنى الخليج العربي واضحاً بالنسبة إلى الإمبراطورية البريطانية: إنه طريق الهند. فلندن، لتأمين الملاحة البحرية المؤدية إلى أكبر مستعمراتها، جعلت من الخليج جزءاً لا يتجزأ من حزام الأمن الإمبراطوري. لذلك لم يُنظر إلى البصرة كميناء أو مركز تجاري فحسب، بل بوصفها إحدى الركائز الأساسية للاستراتيجية البريطانية العالمية.
أما الدولة العثمانية فكانت تنظر إلى الجغرافيا نفسها بعين مختلفة. كان الخليج العربي بوابتها البحرية المتجهة نحو الشرق. والتجارة والشحن العسكري والسيطرة الإدارية التي كانت تُدار عبر البصرة، كانت تعزز الروابط بين الإمبراطورية وولاياتها الشرقية. لهذا السبب، لم يكن الصراع على النفوذ في الخليج مجرد خلاف إقليمي بين بريطانيا والدولة العثمانية، بل كان بداية تنافس أوسع سيؤثر في مستقبل السياسة العالمية.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، نقل الصعود الألماني هذا التوازن إلى مرحلة جديدة. فقد كان مشروع خط سكة حديد بغداد يهدف إلى إنشاء ممر بري يمتد من برلين إلى الخليج العربي. وكان هذا المشروع، في ظاهره، استثماراً في النقل، لكنه في حقيقته كان تحدياً استراتيجياً موجّهاً إلى التفوّق البريطاني العالمي القائم على القوة البحرية.
ولم يضع اكتشاف النفط حداً لهذا الصراع، بل نقله إلى بعد جديد. فمصير الخليج العربي لم يبدأ مع النفط؛ إذ لم يكن النفط سوى مرحلة جديدة من صراع مستمر منذ قرنين. ومع تزايد الدور الحاسم لمصادر الطاقة في الاقتصاد العالمي، تضاعفت القيمة الجغرافية السياسية للخليج.
وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأ ميزان القوى العالمي يتغيّر. فقد تراجع الثقل البريطاني في المنطقة تدريجياً، فيما تولّت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً أكثر بروزاً في الخليج. وهكذا، وعلى الرغم من تغيّر الفاعلين، بقي الخليج العربي في صميم الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى.
واليوم، فإن كل تطوّر يحدث حول مضيق هرمز لا يؤثر في دول المنطقة وحدها، بل يمسّ مباشرة أسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي بأسره. تنامي احتياجات الصين من الطاقة، وسياسات الأمن البحري للولايات المتحدة، وسعي أوروبا إلى تأمين إمدادات الطاقة، وتنافس القوى الإقليمية — كلها عوامل تُظهر لماذا لا يزال الخليج في مركز السياسة العالمية.
تتغيّر الدول، وتتغيّر الأساليب، وتتغيّر التحالفات، لكن حكم الجغرافيا لا يتغيّر بسهولة. فهذه المياه التي كان يُخاض من أجل تأمينها الصراع بالأمس، لا تزال اليوم تحافظ على أهميتها في صميم ممرات الطاقة والتجارة البحرية والتنافس على القوة. الفاعلون هم من يتغيّرون؛ أما الثابت فهو الثقل الاستراتيجي للخليج العربي.