تقرير العراق

جرف الصخر المُحتل

 أعاد عدنان الجنابي شيخ عموم عشيرة الجنابيين ملف قضاء جرف الصخر إلى واجهة الأضواء مرة أخري خلال كلمته في مؤتمر صحفي في 12 أغسطس الحالي، بوصفه لما حصل في القضاء بأنه احتلال وليس تحرير.

ويبدو أن كلمة “احتلال” التي وردت في ظل ازمة ” نزوح وتهجير” اجباري لعراقيين سنة من مناطقهم، تسببت في إثارة غضب الأحزاب والمليشيات الشيعية الحاكمة في العراق التي تسمي نفسها “مقاومة”، ربما لأن الوضع في جرف الصخر يتشابه إلى حد كبير مع ما يحدث في غزة.

وقد سبق أن أصدر أعضاء في مجلس محافظة بابل يمثلون ائتلاف دولة القانون الشيعي برئاسة نوري المالكي وعلى لسان “أحلام راشد” عضو المجلس قرارا بمقاضاة أي جهة سياسية أو فرد يطالب بعودة المهجرين.

لذلك تعتبر منطقة جرف الصخر، من أكثر المناطق العراقية إثارة للجدل والأسئلة منذ أحداث المواجهات مع تنظيم داعش 2014.

موقع جرف الصخر وأهميتها

تقع جرف الصخر شمال محافظة بابل، بالقرب من نهر الفرات، وتتميز بأراضٍ زراعية وبساتين نخيل،. وتكمن أهميتها في موقعها الجغرافي شمال محافظة بابل، على مسافة تقارب 60 كيلومترًا جنوب غرب بغداد، وقربها من مناطق حزام بغداد والأنبار وكربلاء، وموقعها الاستراتيجي الذي يربط مناطق وسط العراق بغربه وجنوبه.

 وجل سكانها فلاحون يعتمدون بدرجة كبيرة على زراعة النخيل والفاكهة والبذور. وتشير مصادر صحفية إلى أن غالبية سكانها قبل أحداث 2014 كانوا من عشائرعربية سنية، ولا سيما الجنابيين. وتختلف التقديرات المنشورة حول عدد السكان؛ إذ تذكر إحصائية قديمة لوزارة الهجرة نحو 140 الف نسمة، بينما تذكر مصادر السلطة الجديدة بعد 2003 نحو 50 الف نسمة.

سيطرة تنظيم داعش ومعركة 2014

منذ أن سيطر تنظيم داعش على جرف الصخر في ظروف غامضة نتيجة انسحاب القوات العراقية في أبريل 2014 أصبحت المنطقة جزءًا من ساحات القتال المحيطة ببغداد، وبعد  أشهر قررت الحكومة حشد القوات العراقية مرة أخرى، بمشاركة مليشيا الحشد الشعبي وبدعم جوي للتحالف الدولي، نفذت عملية عسكرية لاستعادة المنطقة، وفي 24 أكتوبر أعلنت القوات العراقية استعادة جرف الصخر من تنظيم داعش.

وبعد انتهاء العمليات العسكرية، حاولت السلطات المحلية تغيير اسم المنطقة من جرف الصخر إلى جرف النصر، إلا أن الاسم الجديد رفضه سكان المنطقة وغالبية العراقيين السنة، ولم يلقَ قبولا إلا في نطاق إعلامي وسياسي ضيق.

ورغم خروج تنظيم داعش، لم تعد المنطقة إلى وضعها المدني السابق، واستمر منع عودة  سكانها. وتذكر بيانات نقلتها وسائل إعلام عراقية عام 2023 عن وزارة الهجرة وجود أكثر من 7,500 عائلة كانت مسجلة ضمن نازحي المنطقة المرتبطة بجرف الصخر.

وفي يونيو 2026 أفادت تقارير عراقية بأن ملف عودة السكان لا يزال عالقًا، وأن أعداد النازحين من جرف الصخر والمناطق المجاورة تُقدّر بأكثر من 100 ألف شخص وفق تقديرات سياسية وبرلمانية، ومازال القرار الأمني والسياسي بيد الفصائل المسلحة التي تعيق إغلاق هذا الملف وإنهاء المعاناة الإنسانية لإلاف العوائل النازحة إما لأسباب ديموغرافية طائفية تتعلق بإعادة تصفية المناطق المختلطة في العراق بعد 2003 لصالح المكون الشيعي، أو لاعتبارات عسكرية وأمنية يحددها الحرس الثوري الإيراني.

قرار حصر السلاح في العراق بيد من ؟

العلاقة بين ملفي نازحي جرف الصخر وملف سلاح الفصائل الشيعية في العراق تبدو ظاهريا مضمونة بخطة الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، لاستعادة سيطرة الدولة على قضاء جرف الصخر من المليشيات المسلحة وإفراغه من مخازن السلاح ومعسكرات التدريب، تمهيداً لإعادة أهله المهجرين إلى بيوتهم ومزارعهم، حيث يقضي نحو 180 ألف من أبناء القضاء حالة نزوح منذ 12عام رغم الوعود الحكومية المتعاقبة بإعادتهم، وتزامنها مع الموعد النهائي الذي منحته الحكومة للفصائل المسلحة بتسليم اسلحتها في 30 سبتمبر.

وهذا ما يفسر سبب إعلان محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة «بدر» الشيعية بقيادة هادي العامري، عن رفض منظمته خطة الحكومة لنزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق  وأنهم لن يسمحوا لرئيس الوزراء بهذا التعامل مع “المقاومة”، وفي بيانه المنشور في 14 أغسطس على حسابه في X، حذِّر من أن فتح ملف نزع السلاح بهذه الطريقة قد يقود إلى توترات وفتنة” داخلية.

ومع تمسك رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي بخطة حصر السلاح بتأييد “الإطار التنسيقي” وهي الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان، صعدت كتائب حزب الله العراقية لهجتها ضد الزيدي بانتقاد حاد وسخرية، ببيان قالت فيه : “لقد صبرنا لأكثر من مئة يوم على العنتريات الفارغة لرئيس الحكومة المكلّف الشاب علي الزيدي ووضعت شروطا على الحكومة من أجل تحقيق ما وصفته “تنظيم السلاح”.

وفي خضم هذا الجدل العنيف، تذكر العراقيون تصرح إياد علاوي خلال مؤتمر صحفي عقده في محافظة بابل في 3 مايو 2017 أنه تحدث مع القائدين في “الحشد الشعبي” هادي العامري، وأبو مهدي المهندس، بخصوص “جرف الصخر”، لكن أحدهما أبلغه أن إيران هي المسؤولة عن الملف.

وأضاف علاوي، وكان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية العراقي حينها، أن شخصية عراقية زارت إيران وهناك ابلغته القيادة الإيرانية إن ملف جرف الصخر حُول إلى شخص يعيش في لبنان، في إشارة إلي حسن نصرالله قائد حزب الله اللبناني.

الحضور العسكري والسيطرة على المنطقة

بعد استعادة جرف الصخر، أصبحت المنطقة ذات طابع أمني وعسكري شديد الحساسية. وتشير تقارير الصحفية إلى أن المنطقة بكاملها تخضع لسيطرة المليشيات المسلحة بشكل كامل وأبرزها حزب الله العراقي، إضافة إلى عناصر أمنية وعسكرية إيرانية.

وظلت المنطقة مغلقة بشكل كامل أمام وسائل الإعلام واللجان الحكومية والبرلمان والقيادات العسكرية والأمنية العليا، حتى قرر علي الزيدي رئيس الحكومة العراقية تكليف لجنة تضم ممثلين عن وزارات الداخلية والزراعة والعدل، وهيئة الحشد الشعبي، ومديرية الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، وممثلين عن محافظة بابل، بزيارة منطقة جرف الصخر وإعداد تقرير خاص عنها، وقد أكدت التقارير الصحفية الخاصة، كالزمان وشفق نيوز، وصول اللجنة الحكومية في 18أغسطس إلى بعض القرى المحيطة بجرف الصخر، ولم يتأكد لنا حتى موعد إعداد هذا التقرير من مصادر رسمية حصول اللجنة الحكومية على الموافقة بالدخول الفعلي للمنطقة العسكرية المغلقة.

ويبدو أن الفيتو الإيراني صارم جداً في منع اقتراب أي شخصية من المنطقة كما يمنع عودة النازحين إلى قراهم لسنوات، كما أكد ذلك معن الجبوري مستشار وزارة الدفاع العراقي السابق في لقاء مع قناة الحرة، وكل المعلومات المتوفرة للحكومات المعنية بالملف العراقي، أوما يتداول عبر وسائل الإعلام بشأنها لا سيما الخاصة بالطائرات المسيرة، ومعسكرات ومخازن للسلاح ومنظومات للدفاع الجوي، هي حصيلة ما توفره وسائل الاستطلاع الجوي وأجهزة المخابرات من مصادرها في الداخل.

هل يستطيع الزيدي تنفيذ خطته ومواجهة إيران وميلشياتها في الداخل ؟

مع وجود الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي إضافة إلي دعم الإطار التنسيقي وهي الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان ودعم الجيش والقوات الأمنية الرسمية، وبالحسابات السياسية الظاهرية, نعم يستطيع علي الزيدي المضي في خطة حصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المرتبطة بإيران ومكافحة الفساد.

 إلا أن الواقع بحساباته السياسية في البرلمان ، أو العسكرية في الميدان، ترجح وجود عدد من العوائق الكبيرة التي تحول دون نجاح الزيدي في تنفيذ خطته عملياً، وفي مقدمتها بل وأخطرها على خطته وربما على حياته شخصيا هي:

  • إيران وميليشياتها في العراق مثل كتائب حزب الله” و”سيد الشهداء” و”النجباء”،
  • مدى استمرار قيادات الإطار في دعمهم لشخص الزيدي ولخطته إذا ما تضاربت مصالحهم الشخصية مع خطة الزيدي وسياسته الاصلاحية كما توصف في بغداد.
  • التركيبة الطائفية للجيش والأمن علي الأقل في المستويات القيادية مما يجعل عملية العصيان والانقلاب خيارات واردة.
  • شخصية الزيدي نفسه التي تفتقر إلي القوة، وخبرته السياسية والحزبية المحدودة، وهناك أحاديث كثيرة في الوسط الإعلامي عن تورطه هو شخصيا في قضايا فساد سابقة، وأنه مرشح لرئاسة الحكومة من قِبل نوري المالكي الذي لا يخفى فساده عن أي مواطن عراقي.
الدولة العراق
إبراهيم الهطلاني

إبراهيم الهطلاني

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات