دخلت أزمة سحب وإسقاط الجنسية في الكويت مرحلة حساسة مع استمرار الإجراءات الحكومية رغم ما تعرضت له الكويت من قصف إيراني عنيف منذ 28 فبراير الماضي ولم تراعي الظروف الطارئة في البلاد.
لقد انتقل الموضوع من كونه ملف قانوني يتعلق بالتزوير والازدواجية إلى مسألة سياسية واجتماعية تمس مفهوم المواطنة والعلاقة بين الدولة والمجتمع. ويفتح ذلك سؤالًا أكبر: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر سياسة سحب الجنسيات على استقرار نظام حكم آل صباح؟ تؤكد الحكومة الكويتية أن الحملة تستهدف حماية الهوية الوطنية ومواجهة التزوير والحصول على الجنسية بطرق غير قانونية. هذه الأسباب أعلنتها اللجنة العليا لتحقيق الجنسية في قرارات متتالية خلال 2025 و2026. في يناير 2025، أعلنت اللجنة سحب الجنسية من 5,838 حالة، بينها 5,706 حالات مرتبطة بالمادة الثامنة. واستمر سحب الجنسية خلال 2026 لأسباب تتعلق بالازدواجية والتزوير والغش والمصلحة العليا للدولة. لكن، مع اتساع العملية، يتطلب الأمر قراءة تتجاوز الجانب القانوني فقط، الجنسية الكويتية ليست مجرد وثيقة، بل هي أساس للحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وإعادة تعريف من هو المواطن ومن يفقد هذه الصفة يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على التوازن الاجتماعي والسياسي للدولة.
تزداد حساسية الملف بالنظر إلى الطبيعة الديموغرافية والجغرافية للكويت. فهي دولة صغيرة في منطقة مضطربة، وبجوارها إيران التي هي أكبر منها بكثير من حيث المساحة والسكان والقدرات العسكرية. ولديها مشروع أيدلوجي توسعي. لذا، فإن الكتلة السكانية الوطنية تمثل موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية والعسكرية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل تحتاج الكويت، نظرًا لموقعها الجغرافي والتحديات الأمنية التي تحيط بها، إلى تقليص عدد المواطنين أو إلى زيادة قاعدتها السكانية الوطنية؟ تجربة الغزو العراقي عام 1990 تقدم درسًا مهمًا. كشفت الحرب أن صغر حجم الدولة وقلة عدد السكانية،قد يجعلها أكثر عرضة للأطماع العسكرية الكبرى. لذلك، فإن بناء مجتمع قوي ومتنامي، قادر على دعم الدولة ومؤسسات الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وهذا لا يعني أن الدولة يجب أن تمنح الجنسية بصورة غير منضبطة. فهذا حق الكويت في حماية نظام الجنسية ومواجهة التزوير والازدواجية.

بل يعني ضرورة أن تترافق عملية التصحيح القانوني مع سياسة سكانية وطنية للحفاظ على تماسك عناصر المجتمع وتوسيع شبكة مصالحه مع الدولة، بدل أن يؤدي سحب الجنسية بشكل واسع إلى تقلصها.
أما بشأن استقرار حكم آل صباح، فالقضية تحمل وجهين متناقضين. من جهة، قد تعزز الحملة سلطة الدولة إذا استطاعت الحكومة إقناع المجتمع بأن الإجراءات تستهدف التزوير وحماية الهوية الوطنية، وليس معاقبة الخصوم السياسيين. السلطات حاولت تعزيز هذا الإطار من خلال إنشاء آلية للتظلمات، كما أعادت في أبريل 2026 صياغة قانون الجنسية لتوازن بين حماية النسيج الوطني والاعتبارات الإنسانية.
لكن من جهة أخرى، استمرار سحب الجنسيات بأعداد كبيرة قد يصبح عامل ضغط على النظام إذا نشأ شعور واسع بأن الجنسية أصبحت غير مستقرة أو أن سلطة سحبها أصبحت شاملة بشكل يصعب التنبؤ به. وهذا الاحتمال يزداد عندما تشمل القرارات أشخاصًا معروفين في المجتمع أو ممن ارتبط حصولهم على الجنسية بما يسمى «الأعمال الجليلة».

كما أن التعديل التشريعي لعام 2026، الذي نص صراحة على اعتبار مسائل الجنسية من أعمال السيادة وعدم خضوعها للمراجعة القضائية، يوسع هامش السلطة التنفيذية بصورة تعسفية في هذا الملف.
وتكمن المخاطرة السياسية في أن تتحول الجنسية من أداة لحماية الدولة إلى مصدر للتوتر بين الدولة وبعض مكونات المجتمع. فاستقرار حكم آل صباح لا يعتمد فقط على قوة السلطة، وإنما أيضًا على استمرار الثقة المتبادلة بينها وبين المجتمع الكويتي.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أمير الكويت الشيخ مشعل آل الصباح ليس فقط في تحديد من يستحق الجنسية، وإنما وضع استراتيجية متكاملة تجيب عن سؤالين متلازمين: كيف تحمي الكويت جنسيتها؟ وكيف تزيد في الوقت ذاته قوتها البشرية الوطنية؟
فالسياسة الأكثر استقرارًا للكويت قد لا تكون في تقليص عدد المواطنين، وإنما في بناء قاعدة بشرية أكبر وأكثر تعليمًا وتأهيلًا وقدرة على دعم ومؤازرة الدولة والاقتصاد والجيش.
وفي المحصلة، فإن أزمة الجنسية تشكل اختباراً لأمير الكويت . فإذا نجحت السلطة في تحقيق التوازن بين سيادة الدولة والعدالة القانونية والأمن الديموغرافي، فقد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة تنظيم قانون الجنسية على أسس أكثر استقرارًا. أما إذا استمرت عملية السحب دون استراتيجية سكانية وسياسية موازية، فقد تصبح القضية مصدرًا لتآكل الثقة بين القواعد الشعبية والنظام الحاكم في الكويت، تُفتح معها كل الاحتمالات السياسية والأمنية، وقد يكون النقاش حول مستقبل العلاقة بين المواطن ونظام الحكم أقلها خطراً.
