رأي العراق

النجف وصناعة التحولات الجيوسياسية : من فتوى أسقطت عرشًا إلى فتوى أشعلت ثورة

ليس كل ما يصنع السياسة في الشرق الأوسط يُقاس بعدد الجنود، ولا بما تخزنه الدول من عتادٍ وسلاح. فثمة قوى لا تحكم إقليمًا، ولا ترفع رايةً، ولا تجلس إلى موائد التفاوض، ومع ذلك لا يستقيم لحاكمٍ حكمه، ولا لمحتلٍّ احتلاله، ما لم يحسب لها ألف حساب. ومن هذا الطراز النادر كانت حوزة النجف؛ مدينةٌ صغيرة في الفرات الأوسط، ما إن يصدر عنها سطرٌ واحد حتى تهتزّ له العروش، وتضطرب له الإدارات، وتُعاد على ضوئه قراءة الخرائط.
تقع النجف في الفرات الأوسط جنوبي العراق، وتُعدّ من أقدس مدن الشيعة في العالم بعد كربلاء. وفيها تنهض أعرق حوزة علمية شيعية، يتخرج منها كبار المجتهدين الذين يقلدهم ملايين المسلمين الشيعة في إيران والعراق ولبنان ودول الخليج العربي وأنحاء المعمورة. من هذه المدينة المتواضعة العمران، ومن غير أن تحمل سلاحًا أو تجيّش جيشًا، صنعت الحوزة الحدث السياسي في المنطقة منذ ما ينوف على القرن.
وحين نروم فهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص، فلا مندوحة لنا من العودة إلى الوراء، وإعادة النظر في مجريات الأحداث التاريخية من حيث تشابك القوى السياسية بالمرجعيات الدينية، وما خلّفه ذلك التشابك من آثار في جيوسياسة اللحظة الراهنة. فالحاضر في هذه المنطقة لا يُقرأ بمعزلٍ عن ذاكرته، والخرائط التي نراها اليوم إنما هي رواسب صراعاتٍ قديمة لم تُطوَ صفحتها بعد.
وخير شاهدٍ على ذلك أن فتوى واحدة كانت كافية لإسقاط عرشٍ في طهران سنة 1909، وأن فتوى أخرى كانت كافية لتحريك خمسين ألف مقاتل في وجه الاحتلال البريطاني في العراق. وبين الفتويين، وعلى امتداد عقدٍ ونصف من الزمان، رسمت الحوزة خطًّا سياسيًّا لم يكن يخفى على شاهٍ ولا على مندوبٍ سامٍ: لا شرعية بغير رضا حوزة النجف، أو على أقل تقدير سكوتها.
الجبهة الإيرانية: تغيير العرش بفتوى
حين أفتى مراجع النجف سنة 1909، وفي مقدمتهم الخراساني والمازندراني والنائيني، بوجوب خلع محمد علي شاه، لم تكن تلك فتوى دينية بمعناها المجرد، بل كانت أمرًا سياسيًّا نافذًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. حتى تنصيب أحمد شاه، وهو ابن الثانية عشرة، خلفًا على العرش، لم يكتسب شرعيته إلا بموافقة النجف، وأُنيط بالمجتهدين أن يراقبوا مطابقة قوانين المجلس لأحكام الشريعة. لم تكن الحوزة يومئذٍ جهةً تُقرّ أو ترفض فحسب؛ بل كانت، في حقيقة الأمر، الإرادة التأسيسية ذاتها.
غير أن حدود هذه القوة إنما رسمتها الشقوق الداخلية للحوزة نفسها. فقد وصف كاظم اليزدي والشيخ فضل الله النوري المشروطة بأنها صورةٌ غربية وبدعةٌ مخالفة للشريعة، وأصدرا في ذلك فتاوى مضادة. وانتهى النوري إلى حبل المشنقة، بيد أن هذا الانقسام لم يوقف مسار الثورة ولم يردّها على أعقابها. أما وفاة الخراساني سنة 1911 فقد أوهنت الحركة وأضعفت زخمها، فاغتنم القاجاريون هذا الفراغ وتراجعوا بالبلاد خطوةً إلى الوراء.
واللافت للنظر أن الطريق الذي سلكه رضا خان بعد عقدٍ من الزمان يستحق وقفةً خاصة. فقد جعل كسب رضا العلماء أولويةً في حساباته للوصول إلى السلطة، حتى إنه تخلّى عن فكرة الجمهورية العلمانية إثر اعتراض الكاشاني الشديد عليها. فكل طامحٍ إلى السلطة كان يدرك، بفطرة السياسي لا بوعظ الفقيه، أنه لا يمكن إقامة نظامٍ جديد من غير موافقة النجف.
الجبهة العراقية: الحوزة ذاتها والاتجاه المعاكس
وفي تلك السنوات عينها، انفتحت جبهة أخرى في الجنوب. فبعد سقوط البصرة بيد الإنجليز، أصدر مجتهدو النجف وكربلاء، بقيادة كاظم اليزدي مجددًا، فتوى الجهاد، ودعوا العشائر إلى حمل السلاح إلى جانب العثمانيين في وجه الإنجليز. وقد أظهرت التعبئة التي شهدتها معركة الشعيبة سنة 1915، بمشاركة خمسين ألفًا من أبناء العشائر، أن الحوزة لا تملك القدرة على التعبئة السياسية داخل الحدود الإيرانية وحدها، بل على مستوى المنطقة بأسرها.
غير أن ههنا تناقضًا يستوقف الباحث: فاليزدي الذي عارض المشروطة في إيران بحجة أنها تقليدٌ للغرب، أعلن بعد سنواتٍ قليلة الجهاد على الاحتلال البريطاني في العراق؛ ثم في مسار الاستفتاء بين سنتي 1918 و1919، أيّد في بادئ الأمر الإدارة البريطانية بذريعة أن الشعب جاهل وأن البيروقراطية العربية ستقود البلاد إلى الفوضى. وهذه المواقف الثلاثة المتباينة للشخص الواحد تكشف أن النجف لم تكن كتلةً صمّاء تُدار من مركزٍ واحد، بل كانت مركز قوةٍ متعدد الأصوات، براغماتيًّا في تقديره، يتشكل وفق الحسابات السياسية المحلية وموازين اللحظة.
وكان ردّ الإنجليز على ذلك استراتيجيًّا بدوره. فقد لاحظت إدارة ويلسون أن المعارضة لا تطلّ برأسها إلا في المدن المقدسة، أي النجف وكربلاء والكاظمية، فصمّمت الاستفتاء على نحوٍ يمنح الحكم المباشر مظهر الرضا الطوعي، أكثر مما كان سعيًا حقيقيًّا إلى تمثيلٍ صادق. وحين طالب بيانٌ جُمع في بغداد صراحةً بدولةٍ عربية واحدة من الموصل إلى الخليج يرأسها ملكٌ مسلم، نفى ويلسون المعارضين البريطانيين المعروفين، وعدّ رأي الأوساط الدينية غير ممثلٍ للطبقة المثقفة، وقدّم مذكرةً موقّعة من عشرين شخصًا فقط في الموصل بوصفها رأي المدينة بأكملها. وكانت النتيجة معروفةً سلفًا، لكن هذا التلاعب لم يُطفئ الاستياء المكبوت، وإنما أجّله ليعود أشدّ اشتعالًا.
وانفجر الانعكاس السياسي الحقيقي للحوزة اعتبارًا من صيف 1919. ففي نيسان (أبريل) من تلك السنة، طلب آية الله محمد تقي الشيرازي من كربلاء دعمًا من الممثل الأمريكي في طهران لإقامة دولةٍ عربية مستقلة؛ ثم بعث برسالةٍ نقدية من أربع عشرة مادة إلى ويلسون نفسه، أبلغه فيها أن العراقيين يريدون دولةً إسلامية عربية مستقلة، بملكٍ مسلم ومجلسٍ وطني. وكان ردّ الإنجليز، مجددًا، هو النفي؛ فردّ آيات الله بمذكرة احتجاجٍ شديدة اللهجة إلى الإدارة المدنية في آب (أغسطس) 1919. وفي الفترة عينها، أخذت تظهر في شوارع بغداد لافتاتٌ كُتب عليها أن الوصاية والانتداب كليهما عبودية، وتأسست منظماتٌ جديدة مرتبطة بالتشيّع مثل جمعية الشبيبة الجعفرية. عندئذٍ لم يعد محور النجف وكربلاء مرجعيةً للفتوى وحسب، بل غدا فاعلًا سياسيًّا يمارس الدبلوماسية مباشرةً ويخاطب العواصم من فوق رؤوس الولاة.
وبلغ هذا التراكم ذروته في صيف 1920 بفتوى
تمامًا كما جرى في النموذج القاجاري. فحين تأكّد الانتداب البريطاني في سان ريمو، اندلعت في أيار وحزيران من سنة 1920 اجتماعاتٌ مشتركة بين الشيعة والسنة في بغداد، وتجمعاتٌ حاشدة في جامع الحيدرخانة. ولم يُخمد إرسال ويلسون قوةً إلى كربلاء ونفيه المحرّضين إلى البحرين نار الغضب، بل زادها اضطرامًا. وحين رُدّت وساطة الشيرازي السلمية، أصدر في الثالث عشر من تموز (يوليو) 1920 فتوى تُشرعن المقاومة المسلحة في وجه الإنجليز؛ وكما فجّرت فتوى علماء النجف سنة 1909 ثورةً على محمد علي شاه، فجّرت هذه الفتوى العشائر، وسرعان ما امتدت الثورة من منطقة الفرات الأوسط إلى بغداد. ولما توفي الشيرازي في السابع عشر من آب (أغسطس) 1920، خلفه الأصفهاني، في تكرارٍ لما شهدته النجف من هزّةٍ عند فقدان الخراساني سنة 1911. وعلى الرغم من إخماد الثورة في الخريف، بخسائر بلغت ألفين وخمسمئة من الجانب البريطاني وثمانية آلاف وخمسمئة من جانب العشائر، فإن هذه الفتوى وما أطلقته من مقاومة هي التي أرغمت بريطانيا على التخلي عن الحكم المباشر، والانتقال إلى وصايةٍ غير مباشرة تحت غطاء الحكومة العربية.
القاسم المشترك والحقيقة المشتركة بين الجبهتين هي هذه لم يستطع لا البلاط القاجاري ولا الإدارة البريطانية أن يبني شرعيةً من غير موافقة النجف، أو على أقل تقدير سكوتها. فالحوزة أسقطت في مرةٍ سلالةً حاكمة، وحرّكت في أخرى جيشًا من خمسين ألف مقاتل في وجه احتلال، وشاركت في ثالثةٍ في إضفاء شرعيةٍ مؤقتة على ذلك الاحتلال بعينه؛ لكنها في كل مرةٍ حاولوا فيها إسكاتها ردّت بالنفي، وحين نُفيت ردّت بتنظيماتٍ جديدة.
إن الفتوى التي أسقطت محمد علي شاه سنة 1909، وفتوى الشيرازي التي شرعنت المقاومة المسلحة على الإنجليز سنة 1920، ليستا إلا تكرارًا للانعكاس المؤسسي ذاته، بفارق أحد عشر عامًا، أمام سلالتين مختلفتين ومحتلَّين مختلفين؛ وفي الحالتين هزّت وفاة المجتهد الرائد الحركة، وفي الحالتين عوّضت الحوزة خسارتها بتولي مرجعٍ جديد زمام الأمر. وهذا التعدد ليس ضعفًا كما قد يُظنّ لأول وهلة، بل هو بالعكس قوةٌ ناشئة من تشابك السلطة الدينية بالحسابات السياسية؛ قوةٌ لا تزال، بعد قرنٍ من الزمان، حاضرةً في معادلات المنطقة السياسية إلى يومنا هذا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس عمّن يملك النفط أو يسيطر على الممرات، بل عمّن يملك القدرة على منح الشرعية أو حجبها. فمن قرأ خريطة النفوذ في هذه المنطقة ولم يقرأ معها ميزان الشرعية، فقد قرأ نصفها وغابت عنه سائر معانيه
الدولة العراق
أحمد مرادلي

أحمد مرادلي

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات