تقرير البحرين

الطموح الشيعي في البحرين: خيارات المنامة بين الأمن والاحتواء

تمثل البحرين الحالة الأكثر حساسية في الحسابات الإيرانية داخل الخليج. فصغر مساحة المملكة، وقربها الجغرافي من إيران، ووجود قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي فيها، إلى جانب التركيبة الطائفية للمجتمع البحريني، تجعل أي اضطراب داخلي ذا قيمة استراتيجية كبيرة بالنسبة لطهران.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الحرب الإقليمية المستمرة منذ فبراير 2026. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على البحرين حتى تحقق مكسبًا استراتيجيًا؛ يكفي أن تتمكن من رفع تكلفة التحالف البحريني مع الولايات المتحدة، وإرباك الأمن الداخلي، وتعميق الانقسام بين الدولة وقطاعات من المجتمع الشيعي.

وتوجد أدلة موثقة على أن إيران قدمت خلال السنوات السابقة أسلحة وتدريبًا ودعمًا لجماعات شيعية مسلحة بحرينية، بينها «سرايا الأشتر» و«سرايا المختار»، وفق بيانات الحكومة البحرينية وتقارير وزارة الخارجية الأمريكية.

لكن التعامل مع الملف يحتاج إلى تمييز أساسي بين المعارضة الشيعية البحرينية ذات المطالب السياسية والاجتماعية من جهة، وبين الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران من جهة أخرى. فالخلط بين الطرفين قد يخدم المصالح الإيرانية بقدر ما يخدم الرؤية الأمنية البحرينية.

  إيران تعتبر أن السيطرة الكاملة علي البحرين بمعني “استرجاعها”، أو جزئيا علي سياستها واقتصادها كما هو الحال مع العراق، هدفًا استراتيجيًا في سياستها الخارجية، وعليه تنظر طهران إلى البحرين من خلال أربعة اعتبارات جيوسياسية:

  • الجغرافيا.

البحرين تقع في قلب الخليج وقريبة جدًا من الساحل الإيراني، كما توجد مقابل المنطقة الشرقية السعودية، وهي منطقة ذات أهمية اقتصادية ونفطية استثنائية.

  • الوجود الأمريكي.

وجود الأسطول الخامس الأمريكي يجعل البحرين جزءًا من البنية العسكرية الأمريكية في الخليج. ولذلك فإن الضغط على البحرين يمكن أن يكون وسيلة غير مباشرة للضغط على واشنطن.

  • التركيبة السكانية.

وجود غالبية شيعية بين المواطنين يجعل البحرين مختلفة عن معظم الملكيات الخليجية الأخرى، ويمنح إيران فرصة لتوظيف الخطاب الطائفي عندما تتوتر العلاقات.

  • تاريخ الصراع السياسي.

أحداث 2011 تركت انقسامًا عميقًا بين الحكومة وقطاعات من المعارضة الشيعية. وبالتالي توجد بالفعل مظالم وقضايا سياسية يمكن لطهران محاولة استثمارها، دون الحاجة إلى اختراعها من الصفر.

 كيف تستغل إيران القوى الشيعية البحرينية؟

تعتمد إيران على مجموعة من الطرق والأساليب لتحريك المشهد البحريني.

  • الخطاب الأيديولوجي والطائفي

تستخدم إيران خطابًا يقوم على حماية الشيعة في المنطقة، وتستطيع من خلاله تحويل بعض النزاعات السياسية المحلية إلى جزء من صراع إقليمي أوسع، وهذه الأداة مهمة لأنها أقل تكلفة من التدخل العسكري المباشر.

فإذا نجحت طهران في إقناع جزء من الجمهور بأن البحرين ليست مجرد دولة تخوض حربًا مع إيران، وإنما نظام سني مدعوم من الولايات المتحدة يحارب مجتمعًا شيعيًا، فإنها تكون قد نقلت الصراع من المجال الخارجي إلى المجال الداخلي.

لكن هذه الاستراتيجية تواجه مشكلة: ليس كل شيعي بحريني مؤيدًا لإيران، وليس كل معارض للنظام مؤيدًا لسياسة طهران ,وهذه نقطة ينبغي عدم تجاهلها في أي تحليل جاد.

  • دعم الجماعات المسلحة

هذا السلوك الإيراني العنيف ضد البحرين يزداد وضوحاً وتطوراً يوما بعد يوم، مدعوما بالأدلة والمعلومات المحلية والدولية، ومنها علي سبيل المثال،

ما أعلنته وزارة الداخلية البحرينية في شهر مايو 2026 عن كشف تنظيم رئيسي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، والقبض على 41 فرداً من أعضائه، وبدأت النيابة العامة تحقيقاتها معهم بتهمة الترويج لفكر ولاية الفقيه.

وقد سبق أن أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية قالت إن إيران قدمت أسلحة ودعمًا وتدريبًا لجماعات شيعية مسلحة في البحرين، ومنها “كتائب الأشتر” و”سرايا المختار”.

وبناء على ما  لديها من أدلة صنفتهما الولايات المتحدة  بمنظمتين إرهابيتين في 2018، وقالت إن التنظيم تأسس عام 2013 بهدف إسقاط الحكومة البحرينية، وإنه أعلن مسؤوليته عن هجمات ضد الشرطة والأجهزة الأمنية. كما أشارت واشنطن إلى أن التنظيم تبنى شعارات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وأعلن ولاءه لطهران.

وفي حالة كتائب الأشتر تحديدًا، ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أن عناصر منها تلقوا أسلحة ومتفجرات من إيران، وأن أفرادًا تلقوا تدريبًا في معسكرات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في العراق، كما لجأ بعض كبار عناصر التنظيم إلى إيران.

وفي 2024 أعلنت واشنطن بالتنسيق مع البحرين فرض عقوبات على ثلاثة عناصر مرتبطين بكتائب الأشتر وعلى ممول مالي، وقالت إن إيران توفر دعمًا للتنظيم وتوفر ملاذًا لبعض عناصره.

  • إضعاف سلطة النظام الملكي في البحرين من الداخل

يمكن تحقيق هذا الهدف بإثارة التوترات بين السلطات والجماهير خاصة الشباب ضمن استراتيجية إيرانية لا تعتمد فقط على خطط عسكرية وأمنية مباشرة لتنفيذ انقلاب أو إسقاط آل خليفة، بل تنوع خططها وأدواتها باستمرار لإنتاج دولة بحرينية أكثر هشاشة وأعلى تكلفة مالية وسياسية بالنسبة للدولتين الضمانتين لحماية النظام الملكي في المنامة وهما الولايات المتحدة والسعودية وذلك من خلال ما يلي:

* استنزاف الحكومة ماليا عن طريق استهداف المنشآت وإجبارها على زيادة المخصصات الأمنية .

* تحريك الشارع البحريني خاصة الشباب لإثارة اضطرابات داخلية.

* توجيه وكلاءها المعممين في البحرين على التشهير والتحريض ضد أسرة الحاكمة.

* تعطيل النشاط الاقتصادي والسياحي.

* إجبار الحكومة على تخصيص موارد أكبر للأمن.

* استهداف المصالح الأمريكية ودفعها إلى زيادة وجودها العسكري.

وبهذه الطريقة تستطيع إيران تحقيق مكاسب استراتيجية حتى لو بقي نظام آل خليفة في السلطة.

  • إيران الملاذ الآمن لكل معارض ومقاتل شيعي

إحدى أهم أدوات النفوذ هي توفير مساحة آمنة للعناصر المطلوبة في البحرين، وفي مارس 2024، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن عددًا من الأشخاص الذين أدينوا في البحرين بقضايا مرتبطة بالإرهاب فروا إلى إيران، وإن إيران استمرت في توفير ملاذاً دائماً لبعض عناصر كتائب الأشتر، وقد توفر ملاذاً مؤقتاً لبعض البحرينيين لإخراجهم إلى أوروبا ورعايتهم كمعارضة سياسية من الخارج ليكونوا محطات ومنصات إعلامية ضد بلدهم ونظامها السياسي.

  • الحرب الحالية تمنح إيران فرصة أكبر

الحرب التي بدأت في فبراير 2026 غيّرت طبيعة المعادلة، فبعد تعرض البحرين للهجمات الإيرانية، أصبحت المنامة أكثر تشددًا في التعامل مع أي نشاط يمكن تفسيره باعتباره دعمًا لطهران.

وفي ذات الوقت ، فإن هذه الحرب يمكن أن تمنح إيران فرصة لإعادة تنشيط الخطاب الطائفي.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب أدت بالفعل إلى توترات واحتجاجات في البحرين، شارك فيها مئات من الشيعة في مناطق مختلفة، مع وقوع صدامات واعتقالات في بعض الحالات.

وهنا تنشط المعادلة التالية، الهجوم الإيراني الخارجي قد يؤدي إلى تشدد أمني بحريني، والتشدد قد يؤدي إلى احتجاج شيعي، والاحتجاج قد تستخدمه إيران سياسيًا وإعلاميًا، أي أن طهران يمكن أن تستفيد سياسيًا من بعض نتائج الهجمات حتى عندما تؤدي الهجمات نفسها إلى خسائر مباشرة ضد اتباعها ومصالحهم داخل البحرين.

  • هل تستطيع إيران تحويل الاحتجاج إلى انتفاضة؟

هذه هي المسألة الأكثر أهمية بالنسبة لنظام آل خليفة، لأنهم يعلمون أن إيران تمتلك القدرة على التعبئة الإعلامية والتحشيد الشعبي، والدعم المالي لبعض الشبكات، وتوفير التدريب لعناصر مسلحة، واستضافة مطلوبين، واستثمار المناسبات الدينية، وتضخيم الخطاب الطائفي.

لكن قدرتها على تحويل ذلك إلى انتفاضة شعبية شاملة أقل إمكانية وتوقعاً، لأن الاحتجاجات الشعبية تحتاج إلى ثلاثة عناصر لا تستطيع إيران إنتاجها بسهولة من الخارج:

  1. قيادة محلية تحظى بثقة واسعة ومجتمع عليها خاصة عند الشيعة.
  2. قاعدة اجتماعية تتجاوز الانقسام الطائفي.
  3. استعداد قطاعات كبيرة من المجتمع لتحمل تكلفة المواجهة مع الدولة.

وعليه فإن الجانب الأقوى بالنسبة للسلطة في المنامة، يشكل أضعف مرحلة بالنسبة لإيران هو احتمال أن يُنظر إلى المعارضة المسلحة باعتبارها امتدادًا أجنبيًا.

  • خطر الخلط بين المعارضة الشيعية وإيران

من أخطر الأخطاء الاستراتيجية بالنسبة للمنامة اعتبار جميع القوى الشيعية البحرينية جزءًا من المشروع الإيراني، فالشيعة البحرينيين ليسوا كتلة سياسية واحدة، فهناك فرق بين المعارضة السياسية السلمية وبين الجماعات المسلحة المدعومة خارجيًا، فإذا نجحت الدولة في التمييز بين الاثنين، تستطيع عزل الجماعات المسلحة عن المجتمع الذي تعتمد عليه.

أما إذا جرى التعامل مع المجتمع الشيعي كله باعتباره «بيئة إيرانية»، فقد يحدث العكس، فإن القمع يؤدي إلى زيادة الشعور بالتهميش وزيادة التعاطف مع المعارضة ومن ثم زيادة قدرة إيران على التجنيد والتأثير، وهذه ربما تكون أخطر نقطة في المعادلة كلها.

 

  • إيران لا تحتاج إلى أغلبية مؤيدة لها

الهدف الإيراني لا يتطلب أن يصبح غالبية الشيعة البحرينيين مؤيدين لطهران، يكفي وجود أقلية شديدة التنظيم وشبكات تمويل وعناصر مدربة وقيادة خارجية وخطاب إعلامي فعال و بيئة اجتماعية غاضبة وأحداث أمنية متكررة.

حينها يمكن لأقلية منظمة أن تنتج تأثيرًا أكبر بكثير من حجمها السكاني،

وهذه هي الطريقة التي تعمل بها نماذج «الحرب بالوكالة» في اليمن ولبنان والعراق.

 

  • ما الذي يجب أن تخشاه إيران من البحرين؟

معادلة الحجم والقوة لا تضمن النتائج بشكل دائم لصالح طرف ولا في اتجاه واحد، والشواهد في فيتنام وأفغانستان، ولذلك إيران نفسها تواجه مشكلة في البحرين، إذا استمرت هجماتها على المملكة بشكل واسع ومباشر، فإنها قد تؤدي إلى توحيد المجتمع البحريني حول الحكومة بدلًا من تقسيمه، ويصطف كثير من الطائفة الشيعية إلى جانب الحكومة حتى لا يتحولوا إلى هدف مستمر للاشتباه الأمني بسبب ارتباط بعض طائفتهم بإيران، وقد تحقق البحرين الصغيرة نتائج كبيرة إذا ما قررت دعم المعارضة المسلحة داخل ايران، والاحتجاجات الشعبية  في إمارة الأحواز العربية المحتلة منذ عام 1925، أو دعم المعارضة الإيرانية في المنفي.

وبذلك يصبح السلاح الإيراني سلاحًا ذو حدين كلما زاد استخدامه زاد احتمال فقدانه، كما حصل في بعض المجتمعات الشيعية العربية التي كانت تعتقد إيران أنها مضمونة لصالحها، كما حصل في شرق السعودية، ولبنان مؤخراً.

 

 

  • السيناريوهات المحتملة في المشهد البحريني

   –  الاحتواء الأمني، وهذا يبقى الاحتجاجات محدودة الحصول والتأثير، وتتمكن الحكومة من فصل الجماعات المسلحة عن المجتمع الشيعي، إذا ما حافظ النظام الأمني والإعلامي في المنامة على مستوى عالٍ من الرقابة والتخطيط.

   – التسامح الجزئي مع الاحتجاجات المتقطعة في المناسبات الدينية والسياسية، التي قد تستغلها إيران إعلاميًا، ولكن دون أن تتحول إلى انتفاضة، مع استمرار الاستنزاف السياسي والأمني للنظام الملكي.

  – التسامح الكامل مع الاحتجاج يسهل تحولها إلى ثورة شعبية يقودها وكلاء ايران ضد النظام الملكي، مدعومة بعمليات أمنية أو عسكرية إيرانية، وسقوط ضحايا مدنيين، وتزايد معدل الاعتقالات وتدهور في الأوضاع الأمنية ثم الاجتماعية والاقتصادية، النتيجة انقلاب كامل

  • التقدير الاستراتيجي

يمكن القول إن إيران تمتلك في البحرين قدرة تعطيل واستنزاف أكبر من قدرتها على تغيير النظام.

فطهران قادرة على مساعدة جماعات مسلحة، وتوفير التدريب والملاذ، واستخدام الإعلام والطائفية، واستثمار المظالم السياسية؛ وهذه أمور موثقة في عدد من تقارير المنظمات الدولية و الحكومة الأمريكية.

لكن تحويل هذه الأدوات إلى ثورة شعبية قادرة على إسقاط آل خليفة يحتاج إلى ظروف داخلية لا تستطيع إيران التحكم بها بالكامل.

ولهذا فإن الخطر الأكبر على البحرين خارجياً، ليس «الغزو الإيراني» بالمعنى التقليدي، بل الحرب بالوكالة خاصة من ناحية المليشيات العراقية التي تمتلك صواريخ ومسيرات، أما داخليا فإن الخطر يأتي من خلال التجمعات الشيعية خاصة خلال المناسبات الدينية، إضافة إلى غياب خطط إصلاح التركيبة السكانية وإعادة توازنها بما يخدم مصالح الدولة والمجتمع، إضافة إلي المماطلة في تنفيذ إصلاح سياسي حقيقي، وتجاهل أو تعطيل برامج مكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة وبين قياداتها وشيوخها.

الدولة البحرين
ابراهيم الهطلاني

ابراهيم الهطلاني

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات