يشكل الحوثيون أو جماعة “أنصار الله” الجارودية أقلية داخل الأقلية الزيدية في اليمن ومع ذلك تمكنت الجماعة من الاستيلاء على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، نتيجة للخلافات السياسية وتصفية الحسابات داخل مؤسسات النظام اليمني في أواخر عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح الخاسر للسلطة ونائبه الذي كسب السلطة، إضافة إلى تسهيلات ودعم من بعض العواصم الخليجية التي كانت وما زالت مهووسة بملاحقة وتدمير كل ماله علاقة بجماعة الإخوان المسلمين وأحزابها.
لم يقتصر تغلغل الحوثيين في المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرتها، على المجالين السياسي والعسكري، بل امتد تخريبهم إلى المجال الديني، بما في ذلك المساجد، والأئمة، والخطباء، ودور تحفيظ القرآن، والمناهج التعليمية، بهدف إعادة تشكيل المنظومة التعليمية والدينية اليمنية وفقا لمعتقدهم الطائفي ومشروعهم السلالي .
وعليه تظهر المقارنة بين الصحافة اليمنية، والتوثيق الحقوقي المحلي، وتقارير دولية مثل تقارير وزارة الخارجية الأميركية ومنظمة (ACLED) مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة و (USCIRF) الاتحاد الأمريكي للحرية الدينية، وجود نمط متكرر من السيطرة الحوثية على المؤسسات والرموز والانشطة الخاصة بالأكثرية السنية في اليمن.
ولا تقتصر الأدلة على الأرقام العامة؛ فهناك عشرات الوقائع المشهورة يمكن توثيقها بأسماء أئمة وخطباء يمنيين، ومكان وتاريخ الاعتداء، وأكثر من مصدر صحفي أو حقوقي وثّق الواقعة، نذكر على سبيل المثال :
- اقتحام جامع الفرقان في صنعاء عام 2014 واختطاف إمامه محمد المتوكل وأربعة من مدرسي مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للمسجد، في حادثة وثقها موقع يمن برس نقلاً عن مصادر محلية.
- وفي يونيو 2017، اقتحم مسلحون حوثيون مسجدي العياني والتوحيد في مدينة ذمار أثناء صلاة التراويح، ومنعوا المصلين من إكمال الصلاة ونهبوا كتباً من مكتبات المساجد، بحسب المصدر أونلاين، الذي أشار كذلك إلى فرض الجماعة أئمة وخطباء تابعين لها على عدد من مساجد المدينة.
- وفي 16 مارس 2019، نشرت صحيفة «أخبار اليوم» اليمنية تقريرًا بعنوان «ذمار.. مليشيا الحوثي تقتحم مسجدًا في الحداء وتعدم خطيبه». وقالت الصحيفة إن مسلحًا حوثيًا، يُعرف باسم «أبو صريمة»، اقتحم مسجد قرية الكليبة في مديرية الحداء بمحافظة ذمار، وأطلق ثلاث رصاصات على إمام وخطيب المسجد والتربوي محمد العزي الكليبي أثناء قراءته القرآن قبيل خطبة الجمعة.
- وفي 2025 تصاعدت الاعتداءات على مراكز تحفيظ القرآن والأئمة؛ إذ أغلقت الجماعة مركز «تاج الوقار» لتحفيظ القرآن في محافظة إب، وطردت إمامين وخطيبين من مسجدي السنة والتوبة في مدينة العدين، وفرضت خطباء موالين لها، وفق الصحوة نت.
من الحالات الفردية إلى النمط العام
لا ينبغي التعامل مع هذه الحالات الأربع باعتبارها حوادث منفصلة، بل سياسة تجريف ممنهجة تستهدف إعادة صياغة الأصول والفروع الثقافية للإنسان اليمني.
ففي تقريرها عن الحرية الدينية في اليمن، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن الحوثيين اقتحموا مساجد سنية خلال شهر رمضان لمنع إقامة صلاة التراويح، كما وثقت حالات لإغلاق مؤسسات دينية وتعليمية في مناطق سيطرة الجماعة.
وتقدم واقعة إغلاق مركز لتحفيظ القرآن ومسجد للنساء في مديرية الرضمة بمحافظة إب مثالًا مهمًا؛ إذ ربط التقرير الأميركي الإغلاق برفض المركز تدريس دروس مرتبطة بفكر مؤسس الحركة الحوثية حسين بدر الدين الحوثي.
وهذه الواقعة تكتسب أهمية خاصة في سياق هذا التقرير لأنها تشير إلى أن الحوثيين لم يستهدفوا فقط الإمام والخطيب، وإنما تدخلوا أيضًا في المؤسسة التي تقدم تعليم القرآن.
التراويح.. تحَكم الأقلية في عبادات الأكثرية
فمنذ سيطر جماعة الحوثي، الجارودية القريبة في بعض المفاهيم من الشيعة الإثني عشرية ومنها تبديعهم لصلاة التراويح، على العاصمة صنعاء وبعض المدن الرئيسية، عملوا على منع تشغيل مكبرات الصوت في المساجد أثناء أداء صلاتي التراويح والتهجد، ومن أبرز الأمثلة التي توثقها المصادر اليمنية و الدولية معًا.
ما حصل في أبريل 2022، وثق مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، حوادث اقتحام مساجد في صنعاء ومنع المصلين من أداء صلاة التراويح، ومن بينها مسجد الإيمان. كما تحدث المركز عن استخدام بعض المساجد في أنشطة ومحاضرات مرتبطة بالحوثيين خلال الفترة التي كان يفترض أن تقام فيها صلاة التراويح.
أما ACLED، فقد وثق بصورة مستقلة قمع الحوثيين لممارسات دينية سنية، ومن بينها صلاة التراويح، في المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وتكمن أهمية ACLED هنا في أنه لا يعتمد على حادثة واحدة أو رواية طرف سياسي؛ فقد سجل المشروع أكثر من 1,100 حادثة قمع ديني في اليمن بين يناير 2020 ومارس 2022، وقال إن حوالي 90% منها وقعت في مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.
وهذا يمنح الوقائع الفردية سياقًا أوسع: منع التراويح لم يكن حادثة معزولة، بل جزءًا من نمط أوسع من القمع الديني في المناطق الحوثية.
المساجد السنية تحت الضغط الحوثي
وتشير بيانات ACLED إلى أن القمع الحوثي لم يقتصر على منع التراويح، بل شمل استهداف مساجد مرتبطة بالتيار السلفي وممارسات دينية سنية.
إضافة إلى تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، التي وثقت 467 حالة إغلاق لمدارس تحفيظ القرآن في المناطق التي قالت إن الحوثيين ارتكبوا فيها الانتهاكات.
كما أشار تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن اليمن لعام 2023 عن إغلاق أربعة مساجد في مديرية عتمة بمحافظة ذمار ومنع السكان من الصلاة فيها، على خلفية رفضهم خطباء موالين للحوثيين.
ورغم أن اعتداءات الحوثيين شمل كذلك عبادات ومؤسسات البهائيين واليهود والمسيحيين وغيرهم، إلا أن تركيزهم الأكبر، كان موجها ضد مؤسسات ومناسبات وشخصيات الاكثرية السنية.
الحوثيون والتعليم.. من إغلاق المؤسسات إلى إعادة تشكيل المناهج
تذهب USCIRF أبعد من قضية المساجد ، حيث ذكرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية أن الحوثيين أجروا منذ عام 2015 قرابة 500 تعديل على المناهج الدراسية بهدف تعزيز رؤيتهم الدينية والسياسية.
وفي تقريرها الصادر في أغسطس 2025 تقول USCIRF إن الحوثيين يستخدمون التلقين الديني القسري والدعاية والتوجيه الأيديولوجي في المناطق الخاضعة لهم، ووصفت اللجنة الانتهاكات بأنها منهجية وجسيمة، وقالت إن الحوثيين يفرضون تفسيرهم الديني على المدارس ومراكز الاحتجاز والإعلام وغيرها.
وهذا يغير زاوية الانتباه إلى قضية دور تحفيظ القرآن، فالمسألة ليست فقط في إغلاق الحوثيون مدرسة لتحفيظ القرآن، بل من يملك حق تحديد ما يتعلمه الطفل اليمني دينيًا ويشاهده في شاشة التلفاز، وهنا تلتقي قضية المسجد مع قضية المدرسة والمناهج والمخيمات الصيفية والاعلام في منظومة واحدة.