لا يبدو أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران والحصار الاقتصادي المتصاعد يقودان، في المدى المنظور، إلى اختفاء الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، بقدر ما يدفعان إلى إعادة تشكيل العلاقة بين إيران وهذه الجماعات. فالمشكلة التي تواجهها طهران ليست فقط لخسارتها طرق ومسارات إرسال الأموال والسلاح، وإنما اضطرارها، للمرة الأولى منذ سنوات، إلى إدارة شبكتها الإقليمية بكلفة تمويل أعلى إن استطاعت ، بينما ازدادت قدرة بعض أطرافها على الاعتماد على مواردها المحلية. ومن هنا فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في سقوط محور المقاومة، وإنما في انتقاله من نموذج شديد المركزية والتحكم من قِبل إيران إلى نموذج أكثر استقلالاً وفوضوية، تحتفظ فيه طهران بدور المرجعية والداعم المعنوي فقط، لكن قدرتها على إصدار القرار وتوزيع الموارد تصبح أضعف مما كانت عليه.
وقد برز هذا التحول بوضوح خلال الحرب نفسها. فمركز بلفر بجامعة هارفارد، في دراسة بعنوان «تدهور نموذج الوكلاء الإيرانيين»، يرى أن الاستراتيجية الإيرانية القائمة لعقود على دعم الفاعلين المسلحين غير الحكوميين تعرضت لضربة بنيوية، وأن إضعاف الراعي الإيراني يفرض على هذه الشبكات إعادة التكيف مع بيئة جديدة. (بلفر سنتر) وفي الاتجاه نفسه، خلص مركز ستيمسون إلى أن إعادة بناء شبكة الوكلاء الإيرانية ستكون أكثر صعوبة بسبب التحولات البنيوية التي أضعفت الأسس التي قامت عليها الشبكة. (Stimson Center) لكن هذه القراءة لا تعني أن الشبكة انتهت؛ فمجلة The Christian Science Monitor، في تقييمها للحرب بعد ستة أشهر، أشارت إلى أن أحد الأهداف الأمريكية كان الحد من نفوذ «الوكلاء الإرهابيين» الإيرانيين، بينما ظلت النتيجة النهائية أكثر تعقيدًا من مجرد القضاء على هذا النفوذ. (The Christian Science Monitor).
من التمويل المركزي إلى شبكة أكثر استقلالًا وفوضوية
إن أهمية العامل الاقتصادي بالنسبة لشبكة إيران الإقليمية لم تكن مجرد تحالف أيديولوجي فقط، بل إنها منظومة واسعة تعتمد على التمويل والتسليح والتدريب والتحويلات المالية. ولذلك فإن تشديد العقوبات على النظام المصرفي الإيراني يمكن أن تكون آثاره على «المحور» أعمق من الضربات العسكرية وحدها. ففي 28 أغسطس 2026، ذكرت رويترز أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات جديدة على فروع بنك مصر في الإمارات، متهمة إياها بتمرير نحو 1.8 مليار دولار عبر شبكة مرتبطة بما وصفته واشنطن بالنظام المصرفي الظلّي الإيراني، كما استهدفت العقوبات مدير فرع لبنك ملي في الإمارات وكيانًا في هونغ كونغ مرتبطًا بغسل الأموال. (Reuters) وهذه التطورات تكشف أن واشنطن تحاول خنق الآلية التي تتحول عبرها الموارد الإيرانية إلى نفوذ خارجي، لا الاكتفاء بمعاقبة المؤسسات الإيرانية مباشرة.
وتكتسب هذه السياسة أهمية أكبر في العراق؛ لأن الولايات المتحدة تملك أدوات مالية قوية تجاه بغداد بسبب اعتماد النظام المصرفي العراقي على الدولار. وذكرت رويترز في 25 أغسطس أن واشنطن بدأت تستخدم نفوذها على النظام المالي العراقي للضغط على بغداد وتقليص الروابط الاقتصادية مع إيران، مشيرة إلى أن التجارة بين العراق وإيران تجاوزت 10 مليارات دولار في 2025، وأن اعتماد العراق على النظام المالي الأمريكي يجعل بغداد أكثر تعرضًا للضغط من دول أخرى. (Reuters) وإذا استمر هذا المسار، فإن تأثيره على الفصائل العراقية لن يصل بالضرورة إلى مرحلة حلّها ، بل في تقليص قدرتها على استخدام القنوات المالية المرتبطة بإيران ودفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على مواردها داخل العراق.
العراق.. المليشيات التي أصبحت جزءًا من الدولة
إن خصوصية الحالة العراقية تظهر في كون المليشيات العراقية المرتبطة بإيران لم تعد جماعات خارج الدولة يمكن فصلها بسهولة عن النظام السياسي. فقد ذكرت رويترز في يوليو 2026 أن الفصائل المدعومة من إيران أصبحت منخرطة بعمق في النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي العراقي، وأنها بنت شبكات تجارية وحصلت على مقاعد في البرلمان والحكومة، فيما أصبحت بعض هذه القوى تمتلك قدرات تجعلها منافسًا للجيش العراقي في القوة العسكرية. (Reuters) ولذلك فإن انخفاض التمويل الإيراني لا يعني تلقائيًا انخفاض نفوذ هذه الفصائل بالقدر نفسه؛ إذ تستطيع بعض مراكز القوة داخل العراق تعويض جزء من الخسارة من خلال النفوذ السياسي والاقتصادي المحلي.
بل إن رويترز كانت قد أشارت في مارس 2026 إلى مفارقة مهمة: إيران أنفقت سنوات وأموالًا ضخمة في إعداد الفصائل العراقية للحظة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن العديد من هذه الفصائل لم تكن متحمسة بالضرورة للدخول في الحرب بالطريقة التي تريدها طهران. (Reuters) وهذه إشارة شديدة الأهمية إلى أن العلاقة بين إيران والفصائل العراقية ليست علاقة قيادة وسيطرة مطلقة؛ فالفصيل الذي أصبح جزءًا من السياسة العراقية لديه حساباته الخاصة، وقد يرى أن الدفاع عن مصالحه داخل العراق أهم من الدخول في مواجهة إقليمية قد تعرض نفوذه ومصالحه للخطر.
من موقع الوكلاء للخارج إلى موقع الشركاء في الداخل
رغم نجاح تحول أغلبها في العراق، إلا أن المليشيات الشيعية المسلحة لا تنفصل بالضرورة عن إيران، لكنها تصبح أكثر عراقية في حساباتها. وستظل الفصائل الأكثر قربًا من الحرس الثوري محافظة على علاقاتها بطهران، في حين يمكن لفصائل أخرى أن تتحول تدريجيًا إلى قوى سياسية–أمنية عراقية تستخدم علاقتها بإيران باعتبارها مصدر قوة، لا باعتبارها مركز القرار الوحيد. وهذا يتوافق مع دراسة أكاديمية حديثة تناولت مستقبل الشبكات الإيرانية في العراق وحزب الله والحوثيين وغيرها، وخلصت إلى أن مستقبل هذه الشبكات بعد ضعف الراعي يرتبط بقدرتها على التحول إلى شبكات هجينة أكثر استقلالًا محليًا. (Taylor & Francis Online).
حزب الله.. الاختبار الأصعب لعلاقة التمويل بالولاء
أما حزب الله، فربما يمثل الاختبار الأصعب لطهران. فهو أكثر الجماعات ارتباطًا بالمشروع الإيراني من الناحية التاريخية والاقتصادية والعسكرية، وفي الوقت نفسه هو مكون فعال في البيئة السياسية والاجتماعية اللبنانية. ولذلك فإن تراجع قدرة إيران المالية لن يؤدي بالضرورة إلى انهياره، لكنه يمكن أن يدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة لأن طهران نفسها تواجه الآن احتياجات مالية وعسكرية ضخمة لإعادة بناء قدراتها بعد الحرب. وبعبارة أخرى، حتى لو ظلت القيادة الإيرانية مقتنعة بأهمية حزب الله، فإن قدرتها على تمويله بالمستوى السابق قد تصبح أقل بكثير من رغبتها في ذلك.
وعليه سيكون مسار حزب الله مختلفًا؛ لأن قوته مرتبطة بدرجة أكبر بالبيئة اللبنانية وبالتمويل الإيراني في آن واحد. ولذلك فإن التحدي أمامه سيكون المحافظة على بنيته التنظيمية والاجتماعية في الوقت الذي تصبح فيه إيران مضطرة إلى توزيع مواردها على أولوياتها الداخلية وخارجية. وفي هذه الحالة، قد يتحول الحزب تدريجيًا من قوة إقليمية ومحلية شريكة في القرار اللبناني، إلى قوة لبنانية أكثر سلمية ومضطرًة إلى مراعاة التوازنات الجديدة خارجياً ومتغيرات بيئتها الداخلية.
والواقع أن وسائل الإعلام الإيرانية نفسها تقدم دليلًا على أن طهران لا تنظر إلى الشبكة باعتبارها مشروعًا انتهى. فقد كتبت Tehran Times في يوليو 2026 أن إيران تستطيع، عبر حزب الله والحوثيين والمليشيات في العراق وسوريا، توزيع تكلفة الحرب على عدة جبهات وإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على التعامل مع أكثر من ساحة في الوقت نفسه. (Tehran Times) وهذا الطرح مهم لأنه يكشف استمرار التفكير الاستراتيجي الإيراني في «المحور» باعتباره أداة لتعويض الاختلال في ميزان القوى التقليدي بين إيران والولايات المتحدة.
بل إن وكالة إيرنا الرسمية نقلت في أبريل 2026 إعلانًا عن عملية قالت إنها مشتركة بين القوات اليمنية وإيران وحزب الله، وقدمتها باعتبارها جزءًا من «محور المقاومة». (ایرنا) كما نقلت إيرنا عن زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي تأكيده على أهمية قوة إيران و«محور المقاومة»، ورفضه التصوير الذي يقدم الجماعات الحليفة لطهران على أنها تتحرك فقط لخدمة المصالح الإيرانية. (ایرنا) وهذا الخطاب الإيراني مهم لأنه يدل على أن طهران لا تتعامل مع هذه القوى باعتبارها أدوات عسكرية مؤقتة، وإنما باعتبارها جزءًا من تصور استراتيجي طويل الأمد.
أبرز عناصر المحور الإيراني استقلالاً واستغناءً
لكن الحوثيين يمثلون حالة مختلفة عن حزب الله والعراق. فالحركة تمتلك قاعدة محلية قوية، وموارد ومؤسسات داخل اليمن، وبالتالي فإن قدرتها على البقاء لا تعتمد بالكامل على التحويلات الإيرانية وقد تنجح أحياناً في استثمار الخلافات في محيطها اليمني أو الخليجي للحصول علي دعم ما ومن أي طرف. وقد كشفت رويترز في يوليو 2026 أن الحوثيين يمثلون بالنسبة لإيران أداة استراتيجية مهمة في البحر الأحمر وباب المندب، وأن أي تهديد للملاحة في المنطقة يمكن أن يفتح جبهة جديدة في حرب الطاقة. (Reuters) كما كشفت تقارير صحفية حديثة عن تطور شبكات تهريب وتمويل مرتبطة بالحوثيين في منطقة القرن الأفريقي، وهو ما يؤكد أن الحركة بنت بمرور الوقت قدرات اقتصادية وشبكات خارجية تتجاوز مجرد الدعم الإيراني المباشر. (The National) ولذلك فإن انخفاض التمويل الإيراني قد يضعف قدرة الحوثيين على تنفيذ بعض الأنشطة، لكنه لن يمحو البنية المحلية التي تجعلهم قادرين على البقاء.
والأكثر دلالة أن الحوثيين لم يتعاملوا مع الحرب باعتبارهم مجرد قوة تنتظر أوامر طهران. فقد أظهرت تقارير صحفية أن إيران سعت إلى تنسيق المواقف مع الحوثيين بشأن البحر الأحمر، في حين أظهرت تغطية إيرانية رسمية أن الحوثيين قدموا أنفسهم باعتبارهم جزءًا من جبهة أوسع في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. (ایرنا) وهذا يعني أن العلاقة المستقبلية قد تصبح أقرب إلى تبادل المصالح بين طهران وصنعاء: تحتاج إيران إلى موقع الحوثيين الجغرافي، بينما يحتاج الحوثيون إلى الدعم الإيراني والتكنولوجيا والخبرة والشراكة السياسية. وكلما ضعفت إيران، ازدادت أهمية الموارد الذاتية للحوثيين، وربما ازدادت معها قدرتهم على التفاوض مع طهران بدل تلقي التعليمات منها.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية التي قد تنتج عن الحصار الأمريكي: كلما نجحت واشنطن في تقليص قدرة إيران على التمويل، زادت الضغوط على الجماعات المرتبطة بها كي تطور مصادر تمويل محلية؛ وكلما طورت هذه الجماعات مصادرها المحلية، زادت قدرتها على الاستقلال عن طهران. أي أن الضغط الذي يستهدف تقوية عزلة إيران قد يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى تقليل قدرتها على السيطرة المباشرة على بعض حلفائها.
إيران لا تتخلى بالكامل عن محورها الإقليمي لكنها ستفوض إدارته
لكن ذلك لا يعني أن إيران ستتخلى عن الشبكة. فالحرب نفسها أظهرت أن طهران لا تزال ترى في «المحور» وسيلة لتعويض ضعفها التقليدي في مواجهة القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. وذكرت The Guardian في يونيو أن المنطقة تشهد دفعًا متزايدًا نحو نزع سلاح المليشيات وتعزيز سلطة الدولة، لكن إغراء استخدام القوى بالوكالة لا يزال قائمًا لدى الأطراف الإقليمية. (الجارديان) كما وصفت الجزيرة في تحليلها لما بعد الحرب المسألة بأنها تطور في «محور المقاومة» أكثر من كونها نهاية له، وطرحت السؤال حول ما إذا كان تراجع الردع الإيراني سيؤدي إلى انهيار الشبكة أم إلى تحولها إلى قوة أكثر قدرة على الصمود. (Al Jazeera)
ومن منظور أمريكي، فإن المشكلة لا تنتهي حتى لو توقفت إيران عن تمويل جزء من هذه الجماعات. فقد كتب معهد واشنطن أن طهران، حتى في حال استئناف المفاوضات، ستظل قادرة على استخدام حلفائها في تنفيذ عمليات وبناء شبكات شراء وتمويل خارجية. (Washington Institute) وهذا يعني أن واشنطن تواجه معضلة مزدوجة: إضعاف إيران قد يضعف المركز، لكنه لا يزيل البنية التي بنتها إيران على مدى عقود.
ولهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في انهيار متزامن لحزب الله والفصائل العراقية والحوثيين، وإنما في تفاوت كبير في مساراتهم. فالجماعات التي تعتمد بصورة أكبر على التمويل والتسليح الإيراني ستتعرض لضغط أكبر، بينما تستطيع الجماعات التي تمتلك اقتصادًا محليًا وقاعدة اجتماعية ونفوذًا سياسيًا امتصاص الصدمة. وسيكون العراق الأكثر قابلية لظهور «استقلال ناعم» عن طهران، بينما سيكون حزب الله الأكثر تأثرًا بتراجع الموارد الإيرانية، في حين يحتفظ الحوثيون بقدرة أكبر على البقاء بسبب قاعدتهم المحلية وموقعهم الجغرافي.
والنتيجة الأعمق أن الحرب والحصار قد يضعان حدًا للنموذج القديم للمحور الإيراني، وليس بالضرورة للمحور نفسه. فالنموذج القديم كان يقوم على مركز قوي في طهران، وفيلق القدس كأداة تنسيق، وتدفقات مالية وعسكرية منتظمة، ثم جماعات مسلحة تتحرك ضمن استراتيجية إقليمية أوسع. أما النموذج الذي قد يتشكل بعد الحرب فيقوم على إيران أضعف ماليًا وعسكريًا، وحلفاء أكثر اعتمادًا على اقتصادهم المحلي، وعلاقات أقل هرمية وأكثر تفاوضًا.
وهذا يفسر لماذا خلص مركز بلفر إلى الحديث عن تدهور نموذج الوكلاء الإيرانيين، بينما يذهب تحليل أكاديمي حديث إلى أن الجماعات قد تتكيف من خلال التحول إلى كيانات هجينة أكثر استقلالًا. (بلفر سنتر) وفي المقابل، فإن الخطاب الإيراني الرسمي والإعلامي لا يزال يقدم هذه الجماعات باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، كما تظهر تغطية Tehran Times وIRNA. (Tehran Times)