أعاد ما نشرته قناة العربية في 29 أغسطس 2026 بشأن وجود معلومات استخبارية عن تخطيط فصائل عراقية موالية لإيران لاستهداف السعودية فتح ملف التهديد القادم من الأراضي العراقية، لكن أهمية هذه المعلومات لا تكمن في مصدرها السعودي وحده، وإنما في إمكانية وضعها ضمن سلسلة من التقارير الصحفية والتحليلات البحثية التي سبقتها خلال يونيو ويوليو وأغسطس. وتفيد المعلومات التي نقلتها العربية عن مصادر استخباراتية بأن فصائل عراقية مرتبطة بإيران كانت تخطط لشن هجوم على المملكة، في وقت تزامن فيه ذلك مع اتصالات أمنية سعودية عراقية رفيعة المستوى. وتأتي هذه الرواية بعد أسابيع فقط من هجمات نسبت إلى فصائل عراقية موالية لإيران واستهدفت الأراضي والمنشآت السعودية، ما يجعل السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت هذه الجماعات تمتلك القدرة على تهديد المملكة، وإنما ما إذا كانت تستعد لإعادة استخدام هذه القدرة في المرحلة الحالية.
تحذير وتأهب سعودي
ويكتسب التقرير السعودي وزناً أكبر عند مقارنته بما نشرته رويترز في 6 أغسطس. فقد نقلت الوكالة عن مسؤول سعودي رفيع أن الرياض تلقت معلومات استخبارية من السعودية والولايات المتحدة ودول إقليمية أخرى تفيد باحتمال شن هجمات منسقة من فصائل عراقية مدعومة من إيران والحوثيين في اليمن. وقال المسؤول إن المؤشرات شملت تحركات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وإن مواقع مدنية واقتصادية يمكن أن تكون ضمن دائرة الخطر. والأهم أن المسؤول تحدث عن احتمال تنسيق بين المسارين العراقي واليمني تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الرواية باعتبارها دليلاً مستقلاً على صحة معلومات العربية، لكنها توفر تقاطعاً زمنياً ومضمونياً مهماً. فالمصدر السعودي الذي تحدثت إليه رويترز في بداية أغسطس تحدث عن خطر وشيك، بينما جاء تقرير العربية في نهاية الشهر ليتحدث مجدداً عن معلومات استخبارية بشأن مخطط عراقي. وهذا يوحي بأن القلق السعودي لم يكن مرتبطاً بتقدير أمني واحد في بداية الشهر، وإنما استمر خلال الأسابيع التالية.
وتزداد أهمية هذه المعطيات مع التحقيق الذي نشرته رويترز في 19 يونيو 2026، والذي استند إلى ثمانية مصادر عراقية تحدثت عن إنشاء الحرس الثوري الإيراني خلايا سرية داخل جنوب العراق لتنفيذ هجمات ضد دول خليجية، من بينها السعودية والكويت والإمارات. ووفق التحقيق، كان الهدف من إنشاء هذه الخلايا تجاوز بعض الهياكل التقليدية للفصائل العراقية الموالية لإيران وتقليل فرص اكتشاف الشبكات التي تنفذ العمليات.
وهذه المعلومة، إذا وضعت إلى جانب التحذيرات التي ظهرت في أغسطس، تقدم تفسيراً مهماً لطبيعة التهديد. فالمشكلة لا تتمثل بالضرورة في قرار معلن تتخذه قيادة فصيل عراقي كبير، وإنما في احتمال وجود شبكات أصغر تستطيع العمل داخل البيئة المسلحة العراقية مع الحفاظ على درجة أعلى من السرية. ولذلك فإن عدم صدور إعلان رسمي من فصيل بعينه لا يكفي لنفي وجود نشاط سري، كما أن ورود اسم فصيل في تقرير استخباري لا يعني تلقائياً أن قرار التنفيذ قد اتُخذ.
مصادر الخطر بحسب مراكز ألأبحاث ووسائل الإعلام
وهنا يقدم مايكل نايتس، الباحث المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة العراقية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، قراءة مهمة تختلف عن مجرد نقل المعلومات الاستخبارية. ففي تحليله المنشور في 30 يوليو، بعنوان كيف يمكن منع الميليشيات من تقويض العلاقات العراقية السعودية، ربط نايتس مباشرة بين هجمات الفصائل العراقية على السعودية وبين مستقبل العلاقات بين بغداد والرياض..
وتكتسب قراءة نايتس أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من سؤال «هل تخطط الفصائل لهجوم؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: هل تستطيع الدولة العراقية فعلاً منع الفصائل من استخدام الأراضي العراقية ضد السعودية؟ فحتى إذا نجحت بغداد في إحباط عملية محددة، فإن استمرار امتلاك الجماعات المسلحة قدرات مستقلة عن القرار الحكومي يعني أن التهديد يمكن أن يعود في وقت لاحق.
وتقدم ريناد منصور، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في Chatham House، تفسيراً مؤسسياً للمشكلة. ففي تحليل نشرته في يونيو، رأت أن الحكومة العراقية تواجه تحدياً مستمراً يتمثل في فرض سلطة فعلية على عشرات الجماعات المسلحة المرتبطة بهيكل الحشد الشعبي، وأن بعض الفصائل، وخصوصاً كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء، أكثر ارتباطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني وأقل استعداداً لإخضاع قراراتها بالكامل لسلطة بغداد.
ويؤكد هذا الاستنتاج ما ورد في تقريرمعهد دراسة الحرب CTP/ISW ومشروع التهديدات الحرجة الذي أعده كل من Carolyn Moorman وParker Hempel وKatherine Wells وBen Rezaei وBrian Carter، CTP/ISW، لكن بصورة تكمل المصادر الأخرى ولا تحل محلها. ففي تقرير 7 أغسطس، أشار المعهد إلى تقارير عن خطط لفصائل عراقية لشن هجمات «وشيكة» على السعودية بالتنسيق مع الحرس الثوري والحوثيين، كما أشار إلى الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الحكومة العراقية لإحباط هذه الهجمات. وذكر التقرير أن كتائب حزب الله وحركة النجباء كانتا من بين الجماعات التي وردت أسماؤها في تقارير عن التخطيط لاستهداف السعودية.
وهذه المعلومة ذات قيمة تحليلية كبيرة؛ لأنها تعني أن العلاقة بين إيران والفصائل العراقية ليست مجرد علاقة «أمر وتنفيذ» ثابتة في كل الظروف. فطهران تستطيع استخدام الفصائل كأداة ضغط، لكنها تستطيع أيضاً، عندما ترى أن التصعيد سيؤدي إلى تكلفة أكبر، أن تضغط باتجاه ضبطها. ومن ثم فإن وجود خطط أو استعدادات لا يعني بالضرورة وجود قرار نهائي بتنفيذها.
وتأتي أحداث أواخر يوليو لتشكل الحلقة الميدانية التي سبقت كل هذه التحذيرات. فقد وثقت وكالة Associated Press الضربات الأمريكية والسعودية ضد مواقع فصائل موالية لإيران في العراق بعد هجمات بطائرات مسيّرة نسبت إلى الحرس الثوري ووكلائه، في سياق تصعيد إقليمي أوسع. وأكد التقرير أن السعودية أعلنت اعتراض طائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطية، بينما دخلت الولايات المتحدة والسعودية في عملية عسكرية مشتركة ضد مواقع للفصائل داخل العراق.
كما أن تحليلات رويترز في أواخر أغسطس تضيف بعداً استراتيجياً إلى هذه الصورة. ففي 25 أغسطس تناولت الوكالة استخدام الولايات المتحدة نفوذها المالي على العراق للضغط على بغداد وتقليص ارتباطها الاقتصادي بإيران، مشيرة إلى أن العراق أكثر تعرضاً للضغط الأمريكي بسبب اعتماده على النظام المالي والدولاري الأمريكي، رغم استمرار علاقاته الاقتصادية الواسعة مع إيران.
وهذا العامل الاقتصادي ليس منفصلاً عن الملف الأمني. فكلما زاد الضغط الأمريكي على بغداد لتقليص نفوذ طهران، أصبحت الفصائل المرتبطة بإيران أمام احتمال خسارة جزء من نفوذها السياسي والاقتصادي. وقد يدفع ذلك بعض الجماعات إلى التصعيد، ربما لرفع تكلفة الضغط على الحكومة العراقية وحلفائها.
أما على المستوى الإقليمي الأوسع، فإن Associated Press ترى أن الحرب الأمريكية الإيرانية غيّرت حسابات الردع في الشرق الأوسط وأعادت طرح مسألة قدرة إيران وحلفائها على الضغط على دول الخليج. وفي هذا السياق، فإن التهديد الصادر من العراق يجب ألا يُقرأ بمعزل عن التهديدات الأخرى التي تواجه السعودية، وإنما كجزء محتمل من منظومة ضغط متعددة المسارح.
غير أن هذا لا يعني أن هناك بالضرورة «خطة إيرانية موحدة» لكل الجبهات. فالمعلومات المتاحة لا تثبت بصورة مستقلة وجود غرفة عمليات واحدة تتحكم في جميع الفصائل العراقية والحوثيين، كما أن المصالح المحلية لكل فصيل تختلف عن مصالح إيران. ولهذا فإن استخدام مصطلح «محور إيران» ينبغي أن يكون وصفاً لشبكة علاقات ونفوذ، لا افتراضاً بأن جميع أطرافها تتحرك دائماً بقرار مركزي واحد.
وتدعم قراءة Renad Mansour هذه الفرضية؛ إذ ترى أن محاولات دمج الفصائل في الدولة لا تعني بالضرورة أن الدولة أصبحت صاحبة القرار الفعلي عليها. فالفصائل الأكثر ارتباطاً بالمشروع الإيراني تمتلك حوافز أقل للتنازل عن استقلالها العسكري، الأمر الذي يجعل أي حملة حكومية لنزع السلاح عملية سياسية وأمنية بالغة الحساسية.
الخطر الحقيقي على السعودية
في المحصلة المنطقية يمكن القول إن الخطر الحقيقي على السعودية لا يتمثل في وجود تهديد باحتمالية استخدام سلاح المليشيات ضد مصالحها، وإنما في استمرار وجود منظومة شيعية مسلحة محمية من المرجعيات الدينية والسياسية داخل العراق، ويمكن استخدامها في أي وقت عندما تتغير الحسابات الإيرانية أو العراقية أو الإقليمية.
ونتيجة لانتماء حكومة بغداد ومليشياتها المسلحة إلى نفس المرجعية السياسية والدينية التي رشحت علي الزيدي ليرأس الحكومة، التي بدورها تخطط وتهدد بنزع سلاح تلك المليشيات، وفي مقابل غياب كامل لأي نفوذ سياسي أو عسكري خليجي يساعد في خلق توازن داخل العراق ويشكل ضمانة لسلامة دول الجوار الخليجي، عليه يبدو أن مشكلة سلاح المليشيات مستمرة وخطرها على دول الجوار مستمر وتأثيرها في الغالب لصالح إيران.
وبناء على كل ما سبق يبدو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى السعودية والعراق ليس فقط ما إذا كانت فصائل عراقية ستنفذ هجوماً جديداً، وإنما ما إذا كانت بغداد قادرة على تحويل المعلومات الاستخبارية إلى سيطرة فعلية على الأرض، وما إذا كانت طهران ستستمر في كبح الفصائل عندما ترى أن التصعيد يهدد مصالحها، أم ستعيد استخدام الساحة العراقية كأداة ضغط على السعودية وحلفائها من الشمال كما استخدمت الحوثيين من الجنوب . هذه المعادلة هي التي ستحدد ما إذا كان إنذار 29 أغسطس سيبقى في نطاق التحذير الاستخباري، أم سيتحول إلى أزمة أمنية جديدة بين الرياض وبغداد وطهران.