ما زال اليمن يمثل إحدى أهم بوابات الهجرة غير النظامية من القرن الأفريقي إلى السعودية، رغم الحرب والانقسام السياسي وتدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية. ويواصل آلاف الإثيوبيين عبور خليج عدن سنوياً، مدفوعين بالبحث عن العمل وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لكنهم يدخلون بمجرد وصولهم إلى اليمن في مسار شديد الخطورة تتداخل فيه شبكات التهريب والاتجار بالبشر مع الجماعات المسلحة وسلطات الأمر الواقع في صنعاء.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 13,687 مهاجراً وصلوا إلى اليمن خلال يوليو/تموز 2026 وحده وأن معظم القادمين كانوا قد انطلقوا من جيبوتي أو الصومال. وتوضح المنظمة أن اليمن لا يزال يمثل نقطة رئيسية على الطريق الشرقي الذي يستخدمه المهاجرون من القرن الأفريقي للوصول إلى السعودية.
ولا تكمن خطورة هذا الطريق في عبور البحر فقط، وإنما في ما ينتظر المهاجر بعد وصوله إلى الأراضي اليمنية. فالمهاجرون، الذين يكون كثير منهم قد دفع مبالغ كبيرة للمهربين، يصبحون أكثر عرضة للخطف والابتزاز والاحتجاز والعمل القسري والاتجار بالبشر، بينما تزيد الحرب من صعوبة الحصول على الحماية أو المساعدة.
لكن التقارير المتعلقة بالمهاجرين الإثيوبيين تضيف بعداً أكثر خطورة يتعلق باستغلال بعضهم من جانب جماعة الحوثيين. فقد تحدث تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2024 عن إجبار الحوثيين مهاجرين أفارقة، معظمهم من الإثيوبيين، على المشاركة في أنشطة إجرامية، وعن تجنيد مهاجرين أفارقة بصورة قسرية بعد احتجازهم ونقلهم إلى منشآت للتدريب العسكري. وهذه المعلومات نقلتها أيضاً الصحافة الإثيوبية، ما جعل قضية التجنيد جزءاً من النقاش حول المخاطر التي تواجه الإثيوبيين على طريق الهجرة إلى السعودية.
الإعلام الإثيوبي: الحوثيون يستغلون المهاجرين
وتكتسب المصادر الإثيوبية أهمية خاصة لأنها تتناول القضية من زاوية بلد المنشأ، وليس فقط من زاوية الأزمة اليمنية، فقد نشرت صحيفة The Reporter Ethiopia في يونيو 2024 تقريراً عن الاتجار بالبشر في إثيوبيا، وتحت عنوان فرعي واضح تحدثت عن إجبار الحوثيين في اليمن لمهاجرين إثيوبيين على الخدمة العسكرية، ونقلت الصحيفة عن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية أن الحوثيين قاموا، وفق التقارير المتاحة، باختطاف مهاجرين أفارقة دخلوا مناطق خاضعة لسيطرتهم، ثم نقل بعضهم إلى منشآت للتدريب العسكري وإجبارهم على الخدمة.
وتبرز أهمية ما نشرته الصحيفة في أن قضية الهجرة لم تعد تُعرض فقط باعتبارها مشكلة تهريب واتجار، وإنما باعتبارها أيضاً مدخلاً محتملاً إلى الاستغلال العسكري. ومع ذلك، فإن الصحيفة نفسها تنسب المعلومات المتعلقة بالتجنيد إلى التقرير الأمريكي، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها نقلاً لمعلومة حكومية أمريكية، لا تحقيقاً إثيوبياً مستقلاً يثبت حجم الظاهرة.
وفي تغطية أخرى، تناولت The Reporter Ethiopia عمليات إعادة المهاجرين الإثيوبيين العالقين في اليمن، مشيرة إلى أن المهاجرين كانوا يعيشون ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة، وأن المنظمة الدولية للهجرة قامت بإعادة مئات الإثيوبيين إلى بلادهم ضمن برامج العودة الطوعية.
وتوضح هذه التغطية أن مشكلة الإثيوبيين في اليمن ليست جديدة، وأن التجنيد المزعوم يأتي ضمن سلسلة أطول من المخاطر تبدأ بالتهريب وتنتهي أحياناً بالاحتجاز والاستغلال.
أما صحيفة Addis Fortune، فتتناول الظاهرة من زاوية الأسباب التي تدفع الإثيوبيين إلى خوض هذا الطريق الخطير. وفي تقرير نشرته في 14 مايو 2022، ربطت الصحيفة الهجرة إلى السعودية بالبحث عن دخل أفضل وبضعف فرص العمل والبطالة داخل إثيوبيا، مشيرة إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة تمثل أحد أهم دوافع الهجرة. كما تناولت أوضاع المهاجرين الإثيوبيين العائدين من السعودية، وما يواجهونه بعد العودة إلى بلادهم. وبذلك تكشف الصحافة الإثيوبية جانباً مهماً من القضية، يتمثل في الأسباب الاقتصادية التي تدفع المواطن الإثيوبي إلى الهجرة والمخاطر التي قد تنتظره خارج بلاده.
المصادر الغربية: التهريب يتحول إلى مصدر للتجارة والاستغلال.
تتفق التقارير الغربية مع المصادر الإثيوبية في أن المهاجرين الإثيوبيين يمثلون النسبة الأكبر من مستخدمي الطريق الشرقي عبر اليمن، وقد وثقت Human Rights Watch منذ سنوات عمليات خطف وابتزاز تعرض لها الإثيوبيون على الطريق بين القرن الأفريقي واليمن والسعودية. وأفادت المنظمة بأن مهاجرين إثيوبيين تحدثوا عن احتجازهم من جانب المهربين وتعرضهم للعنف وإجبار عائلاتهم على دفع الأموال مقابل إطلاق سراحهم.
وفي أبريل 2020، انتقلت الأدلة المتعلقة بالحوثيين من مجرد الحديث عن مخاطر الطريق إلى توثيق مباشر لانتهاكات ضد المهاجرين. فقد قالت Human Rights Watch إن الحوثيين طردوا آلاف المهاجرين الإثيوبيين من شمال اليمن، وأجبروا مجموعات منهم على التوجه نحو الحدود السعودية، في عملية رافقها إطلاق نار وسقوط قتلى وجرحى، وتشير هذه الوقائع إلى أن الحوثيين تعاملوا مع المهاجرين في مناطق سيطرتهم باعتبارهم فئة يمكن إخضاعها للسيطرة الأمنية، وليس مجرد مسافرين عابرين.
في الطريق الشرقي إلى السعودية.. صعدة محطة الموت
برزت محافظة صعدة بصورة خاصة في قضية المهاجرين الإثيوبيين، كونها منطقة حدودية رئيسية في طريق الوصول إلى السعودية، وفي الوقت نفسه معقلاً للحوثيين، وفي 28 أبريل 2025، تعرض مركز احتجاز للمهاجرين في صعدة لضربة أمريكية أدت إلى مقتل وإصابة عشرات الأشخاص. وأفادت Associated Press بأن غالبية المحتجزين كانوا من المهاجرين الأفارقة، وأن الناجين الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية كانوا جميعاً إثيوبيين.
وأكدت منظمة العفو الدولية، بعد مقابلات مع 15 ناجياً، أن جميعهم كانوا إثيوبيين، وأن عشرة منهم كانوا محتجزين لدى سلطات الحوثيين بسبب وضعهم كمهاجرين غير نظاميين. وتكشف هذه الشهادات حجم اعتماد سلطات الحوثيين على الاحتجاز كأداة للتعامل مع المهاجرين.
وفي 29 أكتوبر 2025، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً موسعاً حول الضربة، مؤكدة أن الغارة الأمريكية على مركز احتجاز المهاجرين في صعدة وقعت في 28 أبريل 2025، وأنها أدت إلى مقتل وإصابة عشرات المهاجرين الأفارقة.
وتفسر الصحافة الغربية استمرار الهجرة رغم هذه المخاطر بعوامل اقتصادية واجتماعية قوية داخل إثيوبيا. ففي 10 ديسمبر 2024، تناولت The Guardian الطريق الشرقي باعتباره أحد أسرع طرق الهجرة نمواً، وقالت إن غالبية مستخدميه من الإثيوبيين الذين يحاولون الوصول إلى السعودية، رغم تعرضهم للقتل والخطف والاستغلال خلال الرحلة.
وفي 18 أغسطس 2025، نقلت Associated Press شهادات عن مهاجرين إثيوبيين وأسرهم تكشف تعرض بعض المهاجرين للاختطاف والابتزاز والقتل أثناء الرحلة، وربطت استمرار الهجرة بالبطالة والظروف الاقتصادية الصعبة في إثيوبيا. كما أشارت إلى أن المهاجرين يعبرون خليج عدن إلى اليمن ثم يواصلون طريقهم نحو السعودية، رغم المخاطر المرتبطة بالتهريب والاتجار بالبشر.
أما Reuters، فقد تناولت الطريق في 28 أبريل 2025، في سياق أوسع يتعلق بتنامي الهجرة من القرن الأفريقي إلى السعودية، مشيرة إلى المخاطر التي يواجهها المهاجرون أثناء عبور اليمن، بما فيها الاستغلال من جانب المهربين والجماعات المسلحة ومخاطر الحرب.
المفارقة الأساسية في 2026 هي أن استمرار تدفق المهاجرين يأتي في وقت أصبحت فيه مخاطر الطريق موثقة على نطاق واسع، فالمهاجر الإثيوبي يخرج من بلاده بحثاً عن العمل، ويدفع المال لشبكات التهريب للوصول إلى جيبوتي، ثم يعبر البحر إلى اليمن، ليجد نفسه في بلد منقسم بين سلطات وجماعات مسلحة. وإذا وصل إلى مناطق الحوثيين، فقد يواجه الاحتجاز أو الابتزاز أو، وفق التقارير الأمريكية والإثيوبية، خطر التجنيد القسري، وهكذا تحولت رحلة الهجرة من مسار اقتصادي بحثاً عن العمل إلى سلسلة متصلة من المخاطر، تبدأ بالتهريب وتنتهي في بعض الحالات بالاحتجاز أو الاتجار أو الاستغلال العسكري.
توصيات لمواجهة الكارثة
- إنشاء آلية تنسيق يمنية–سعودية–إثيوبية لمواجهة استغلال المهاجرين، والانتقال من التعامل مع الملف باعتباره قضية حدودية سعودية فقط إلى اعتباره ملفاً إقليمياً مشتركاً تشارك فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والسعودية وإثيوبيا وجيبوتي والمنظمة الدولية للهجرة. وتكون مهمتها تبادل المعلومات عن شبكات التهريب، تحديد مسارات المهاجرين، وإنشاء آلية سريعة للتعامل مع الحالات الإنسانية والأمنية، ومن المفيد جداً في هذا الإطار إنشاء مركز لمتابعة الهجرة الإثيوبية وإنشاء مراكز استقبال وحماية في المناطق اليمنية التي يصل إليها المهاجرون.
- فصل ملف المهاجرين عن الصراع السياسي والعسكري في اليمن، بمنع أي طرف مسلح من تحويل المهاجرين إلى أدوات في الحرب. ويشمل ذلك توثيق حالات التجنيد القسري عبر مراكز الأبحاث والمنظمات الدولية وتسليط الأضواء الإعلامية بكثافة ضد الجهات التي تستغل أزمة المهاجرين الإثيوبيين في أعمال غير قانونية أو استخدام المهاجرين كوسيلة للضغط على السعودية.
- تجفيف اقتصاد تهريب البشر عن طريق تنفيذ برامج أمنية تستهدف شبكات التهريب والوسطاء والممولين ومصادرة عائداتهم وملاحقة المسؤولين عنها قانونياً، بالتوازي مع توفير قنوات قانونية للعودة الطوعية. فكلما انخفضت أرباح التهريب وزادت الخطورة، انخفضت قدرة الشبكات على دفع المهاجرين إلى طرق خطرة باتجاه الحدود السعودية.
- إنشاء المزيد من المشاريع الاستثمارية السعودية في مجال الزراعة والثروة الحيوانية في إثيوبيا لتحتوي الأيدي العاملة الإثيوبية وتوفر لها التدريب والتشغيل حتى لا يضطروا إلى الهجرة إلى السعودية ويقعوا فريسة للاستغلال الحوثي.
- تقديم منح وقروض مالية لحكومة أديس أبابا حتى تتمكن من وضع خطط أمنية واجتماعية واقتصادية لمعالجة هذا الملف.