جذور الإباضية وانتقالها إلى عُمان
نشأت الإباضية في بيئة الصراعات السياسية والدينية التي أعقبت الفتنة الأولى في التاريخ الإسلامي، ثم تطورت في البصرة قبل أن تنتقل شبكاتها العلمية والدعوية إلى عُمان. ويعيد ويلكنسون في كتابه Ibâḍism: Origins and Early Development in Oman النظر في الرواية التقليدية لنشأة الإباضية، ويرى أن تطورها لم يكن مجرد نتيجة مباشرة لخلاف عقائدي، وإنما تأثر أيضاً بالانقسامات القبلية والإقليمية التي شهدها العراق والجزيرة العربية في العصر الأموي. (OUP Academic)
ويولي ويلكنسون أهمية خاصة لدور شخصيات مثل جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب في تطوير المدرسة الإباضية المبكرة، مشيراً إلى أن البصرة كانت مركزاً علمياً رئيسياً، قبل أن ينتقل مركز الثقل تدريجياً إلى عُمان. ويقدم المؤلف في دراسته للمصادر الإباضية والعُمانية قائمة واسعة من المصادر الأولية والشخصيات التي ساهمت في انتقال المعرفة الإباضية إلى عُمان وتكوين مؤسساتها الدينية والسياسية. (OUP Academic)
تأسيس الإمامة الإباضية
بدأ التحول الأكبر عندما تمكن الإباضيون من إقامة نظام الإمامة في عُمان. ويخصص ويلكنسون فصلاً كاملاً في كتابه لتأسيس الإمامة، مبيناً أن إقامة النظام لم تكن عملية دينية مجردة، وإنما جاءت نتيجة تفاعل بين العلماء والقبائل والقيادات المحلية.
وكان الإمام في النموذج الإباضي التقليدي يُختار من خلال عملية سياسية تقوم على البيعة. ويشرح ويلكنسون في بحثه الأكاديمي “The Ibāḍī Imāma” المنشور في Bulletin of the School of Oriental and African Studies التابع لجامعة لندن، أن مفهوم الإمامة الإباضية يقوم على عقد بين الجماعة والإمام، وأن دراسة هذا النظام في عُمان تكشف اختلافاً بين النظرية السياسية الإباضية وبين كيفية تطبيقها عملياً عبر القرون. (Cambridge)
وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة؛ لأن الإمامة لم تكن ملكية وراثية بالمعنى المعروف، ولم يكن انتقال السلطة من الأب إلى الابن أمراً آلياً. وكان اختيار الإمام مرتبطاً بمكانته الدينية والسياسية وقدرته على الحصول على البيعة والدعم من القوى الاجتماعية والقبلية.
يمثل صعود أحمد بن سعيد البوسعيدي في منتصف القرن الثامن عشر نقطة الالتقاء الأهم بين تاريخ الإمامة الإباضية وتاريخ الأسرة البوسعيدية التي تحكم عُمان حتى اليوم. فقد جاء أحمد بن سعيد إلى السلطة في أعقاب انهيار دولة اليعاربة والحرب الأهلية التي عصفت بعُمان، وجرى اختياره إماماً في منتصف أربعينيات القرن الثامن عشر. وتوضح دراسة أكاديمية عن تشكل الدولة العُمانية منذ عام 1920، محفوظة ضمن أرشيف London School of Economics and Political Science، أن أسرة آل بوسعيد تأسست سياسياً مع انتخاب أحمد بن سعيد لمنصب الإمام، وأن صعوده ارتبط بدوره في مقاومة القوات الفارسية التي دخلت أجزاء من عُمان خلال الحرب الأهلية التي أعقبت انهيار اليعاربة. (Core)
وتكتسب هذه البداية أهمية خاصة لأنها تكشف أن الدولة البوسعيدية لم تبدأ بوصفها ملكية وراثية مكتملة الأركان، وإنما خرجت من البيئة السياسية نفسها التي كانت فيها الإمامة الإباضية المؤسسة الأساسية للشرعية السياسية في الداخل العُماني. ويشير الباحث Joseph A. Kéchichian في كتابه A Sultanate that Endures: Oman in the World from Qaboos bin Sa’id to Haitham bin Tariq إلى أن أحمد بن سعيد كان من الشخصيات التي أسست تحولاً كبيراً في تاريخ السلطنة، وأن تاريخ آل سعيد يجب فهمه في إطار التحول الطويل من نظام ذي جذور دينية إلى حكم أسري. ويصف الكتاب هذا المسار بأنه انتقال من الثيوقراطية إلى الملكية التي أرست حكماً سلالياً، مع بقاء الإباضية جزءاً مهماً من هوية الدولة والمجتمع. (JSTOR)
وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات في التاريخ العُماني: الرجل الذي أسس الدولة البوسعيدية كان إماماً، لكن الأسرة التي أسسها تحولت تدريجياً إلى أسرة سلطانية وراثية، ثم أصبحت الأسرة الحاكمة لدولة حديثة. ولذلك لا يمكن وصف آل بوسعيد ببساطة بأنهم استمرار للإمامة، كما لا يمكن اعتبارهم منفصلين تماماً عن التقليد الإمامي؛ فالعلاقة بين الطرفين هي علاقة تحول تاريخي في مفهوم الشرعية السياسية.
من الإمام إلى السلطان
كان هذا التحول تدريجياً. فبعد وفاة أحمد بن سعيد، لم تستمر الدولة البوسعيدية على الصورة نفسها التي كانت عليها الإمامة التقليدية. وتوضح دراسة أكاديمية صادرة عن London School of Economics أن الخلافات التي ظهرت بعد وفاة أحمد بن سعيد كشفت عن بداية التباعد بين مركز السلطة في مسقط وبين نظام الإمامة في الداخل؛ إذ أصبح بعض أفراد الأسرة يركزون على مسقط والتجارة والمحيط الهندي، بينما بقيت الإمامة مرتبطة بصورة أكبر بالداخل والقبائل الإباضية. (Core)
ويعني ذلك أن انتقال عُمان من الإمامة إلى السلطنة لم يحدث في يوم واحد، وإنما عبر عملية سياسية طويلة أصبح خلالها مركز السلطة ينتقل من الإمام المنتخب إلى الأسرة الحاكمة. ومع توسع الدولة البوسعيدية في التجارة والموانئ وشرق أفريقيا، أصبحت مسقط مركزاً متزايد الأهمية، بينما احتفظ الداخل بتراثه السياسي والاجتماعي المرتبط بالإمامة.
وتؤكد دراسة Shizuo Katakura، الباحث في جامعة طوكيو، حول علاقات البوسعيديين ببريطانيا في القرن التاسع عشر، أن الأسرة البوسعيدية تحولت إلى قوة سياسية وبحرية كبيرة في غرب المحيط الهندي، وأن بريطانيا اعترفت بالدولة البوسعيدية باعتبارها كياناً سياسياً ذا مكانة في نهاية القرن الثامن عشر. كما توضح الدراسة أن القوة البحرية والتجارية للبوسعيديين أصبحت أساساً مهماً لترسيخ حكمهم. (J-STAGE)
وهذا التطور كان له أثر مباشر في العلاقة بين السلطنة والإمامة؛ فكلما ازدادت قوة مسقط التجارية والبحرية والدولية، أصبح مركز السلطة البوسعيدية أكثر استقلالاً عن النموذج التقليدي للإمامة في الداخل.
عودة الإمامة ومفارقة الأسرة البوسعيدية
لم يؤد صعود آل بوسعيد إلى اختفاء الإمامة الإباضية. بل عادت الإمامة إلى الواجهة بصورة قوية في القرن العشرين، خصوصاً عام 1913، عندما انتُخب سالم بن راشد الخروصي إماماً، ثم استمر نظام الإمامة في الداخل خلال عهد الإمام محمد بن عبدالله الخليلي.
وتقدم Carnegie Endowment for International Peace تفسيراً مهماً لهذه المرحلة في دراستها عن الاضطرابات والتحديات السياسية في عُمان، إذ تشير إلى أن منطقة الداخلية كانت معقلاً تاريخياً للإمامة الإباضية، وأن الإمامة سيطرت على الداخل منذ اتفاقية السيب عام 1920، بينما كانت سلطة السلطان أضيق نطاقاً في تلك الفترة، وتركزت في مسقط والباطنة وصلالة. (كارنيغي للسلام الدولي)
وتقدم كارنيغي أيضاً ملاحظة بالغة الأهمية لفهم العلاقة النفسية والسياسية بين الإمامة والأسرة الحاكمة؛ إذ تنقل عن ناشط من منطقة الداخلية أن ذاكرة حرب الخمسينيات ظلت حاضرة لدى بعض سكان الداخل، وأنها أثرت في نظرتهم إلى آل بوسعيد. هذه الإشارة مهمة لأنها تكشف أن الصراع بين الإمامة والسلطنة لم يكن مجرد خلاف دستوري على شكل الحكم، وإنما ترك أيضاً ذاكرة اجتماعية وسياسية استمرت بعد انتهاء الحرب. (كارنيغي للسلام الدولي)
الإباضية في الدولة التي يحكمها آل سعيد
ومع ذلك، فإن البعد الإباضي لم يختف من هوية الدولة. ويقدم كيشكيان في كتابه A Sultanate that Endures تحليلاً مهماً للعلاقة بين الإباضية والدولة العُمانية الحديثة، إذ يرى أن القيم والتقاليد الإباضية أثرت في المجتمع وفي السلطنة وفي سياستها الخارجية، ويشير إلى أن التسامح الديني أصبح أحد العناصر التي قدمت بها عُمان نفسها في محيطها الإسلامي والدولي. (JSTOR)
وبذلك أصبحت العلاقة أكثر تعقيداً: الدولة ليست إمامة إباضية، لكن الإباضية جزء مهم من تاريخها الاجتماعي والثقافي، والأسرة الحاكمة نفسها نشأت تاريخياً من البيئة الإباضية التي أنتجت الإمامة.
وهذه النقطة تساعد على تفسير خصوصية النموذج العُماني؛ إذ تمكنت الأسرة البوسعيدية من الانتقال من شرعية مرتبطة بالإمامة إلى شرعية سلطانية، ثم إلى شرعية دولة حديثة، دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء الهوية الإباضية من المجتمع.
الصحافة الأمريكية والغربية وقراءة استمرار آل بوسعيد
تناولت الصحافة الأمريكية تاريخ آل بوسعيد من زاوية مختلفة، إذ ركزت في كثير من الأحيان على استمرارية الأسرة الحاكمة أكثر من التركيز على استمرار الإمامة. وفي مقال نشرته The Washington Post عن تاريخ السلاطين البوسعيديين في عُمان وزنجبار، جرى تقديم تاريخ الأسرة باعتباره تاريخاً طويلاً من الصراعات والتحالفات والتوسع التجاري والسياسي في المحيط الهندي، مع الإشارة إلى أن قصة آل بوسعيد تمتد من عُمان إلى شرق أفريقيا. (واشنطن بوست)
وتكشف هذه المعالجة الغربية عن اختلاف زاوية النظر: فبينما تركز الرواية الإباضية التقليدية على الإمام والبيعة والشرعية الدينية، تركز الرواية السياسية الغربية غالباً على السلالة الحاكمة، وموازين القوة، والتجارة، والعلاقات مع بريطانيا، واستمرارية الدولة.
وهذا الاختلاف في زاوية النظر مهم عند دراسة السلطان هيثم، لأن وجوده على رأس الدولة لا يمثل فقط استمرار شخص في السلطة، وإنما يمثل استمرار أسرة سياسية استطاعت تحويل طبيعة شرعيتها عبر أكثر من قرنين ونصف.
بريطانيا وآل بوسعيد: من التحالف إلى بناء الدولة
تُظهر الدراسات التاريخية للعلاقات البريطانية العُمانية أن بريطانيا لعبت دوراً مهماً في البيئة السياسية التي سمحت للسلطنة البوسعيدية بتعزيز نفوذها.
وتشير دراسة Shizuo Katakura إلى أن العلاقات بين آل بوسعيد والحكومة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر أصبحت عاملاً مهماً في القوة البحرية والتجارية البوسعيدية، وأن بريطانيا تعاملت مع الدولة البوسعيدية بوصفها قوة سياسية قائمة بذاتها. كما يشير الباحث إلى أن وصف العلاقات بأنها تحالف ثابت بين الطرفين يحتاج إلى قدر من التحفظ، لأن المصالح البريطانية والبوسعيدية لم تكن متطابقة دائماً. (J-STAGE)
وهذه النقطة مهمة في تفسير التحول من الإمامة إلى السلطنة، لأن القوة الخارجية والاقتصاد البحري والعلاقات الدولية ساعدت في تعزيز مركز مسقط والأسرة البوسعيدية، بينما بقيت الإمامة أكثر ارتباطاً بالداخل العُماني.
هيثم بن طارق: وريث الدولة البوسعيدية لا وريث الإمامة
ينتمي السلطان هيثم بن طارق آل سعيد إلى الأسرة نفسها التي أسسها الإمام أحمد بن سعيد في القرن الثامن عشر. وبالتالي فإن هناك استمرارية أسرية تمتد من مؤسس الدولة البوسعيدية إلى السلطان الحالي. لكن هذه الاستمرارية لا تعني استمرار نظام الإمامة.
وهنا تظهر أهمية دراسة Joseph A. Kéchichian المنشورة في دورية Middle East Policy عام 2025 بعنوان The Making of a Ruler: Haitham bin Tariq on the Omani Throne. يصف كيشكيان انتقال السلطة من السلطان قابوس إلى هيثم بأنه انتقال أكد سلطة آل سعيد، ويرى أن السلطان هيثم بدأ خلال سنوات حكمه الأولى في تطوير توجهات سياسية واقتصادية جديدة مع الحفاظ على استمرارية الدولة البوسعيدية. (Wiley Online Library)
وبالتالي فإن هيثم بن طارق يمثل في هذا السياق الحلقة الخامسة عشرة في سلسلة سلاطين آل سعيد، وليس إماماً بالمعنى التاريخي الذي كان عليه أحمد بن سعيد أو أئمة الداخل العُماني في القرنين التاسع عشر والعشرين. وتوضح دراسة كيشكيان أن انتقال السلطة إلى هيثم لم يكن انتقالاً من إمام إلى إمام، وإنما انتقالاً داخل النظام السلطاني البوسعيدي.
هيثم بن طارق والتحول الجديد في شرعية آل سعيد
لا يقتصر استمرار آل سعيد في عهد هيثم على المحافظة على النظام السابق؛ إذ تشير دراسة كيشكيان المنشورة في Middle East Policy إلى أن هيثم تبنى خلال السنوات الأولى من حكمه أولويات تتعلق بتنويع الاقتصاد، وتحسين التعليم، وتطوير الحماية الاجتماعية، وتعزيز بعض الحقوق المدنية، مع الحفاظ على المصالح العُمانية في السياسة الخارجية. (Wiley Online Library)
وتذهب Baker Institute for Public Policy في جامعة Rice في تحليل نشرته عام 2026 إلى أن هيثم عمل على إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليل الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات وتنويع الاقتصاد، كما سعى إلى تخفيف مركزية دور السلطان من الناحيتين الإدارية والخطابية مع الحفاظ على استقلال السياسة الخارجية العُمانية. (Baker Institute)
وهذه الملاحظة لها دلالة تاريخية؛ فالحكم البوسعيدي في عهد هيثم لا يحاول العودة إلى نموذج الإمامة، وإنما يتحرك داخل نموذج الدولة السلطانية الحديثة، مع استمرار الأسرة نفسها التي بدأت تاريخياً مع إمام إباضي.
المفارقة التاريخية الكبرى
يمكن تلخيص العلاقة بين الإمامة وآل بوسعيد في مفارقة تاريخية واضحة: أحمد بن سعيد وصل إلى السلطة إماماً، أما هيثم بن طارق فوصل إليها سلطاناً؛ وبين الرجلين امتدت أسرة واحدة، لكن نظام الحكم تغير جذرياً.
فأحمد بن سعيد استمد شرعيته السياسية في البداية من تقليد الإمامة والبيعة، بينما أصبح آل سعيد لاحقاً أسرة حاكمة وراثية. وفي القرن العشرين واجهت الأسرة نفسها إمامة إباضية منافسة في الداخل، قبل أن تنتصر السلطنة عليها. ثم جاء هيثم بن طارق ليحكم دولة حديثة لم تعد الإمامة فيها منافساً سياسياً.
ولهذا فإن القول بأن «آل بوسعيد هم امتداد للإمامة» يحتاج إلى تدقيق؛ أما القول بأن «آل بوسعيد خرجوا تاريخياً من البيئة السياسية للإمامة، وأن مؤسس دولتهم كان إماماً، ثم تحولت الأسرة تدريجياً إلى سلطنة وراثية» فهو أكثر دقة تاريخياً، وتدعمه الدراسات الأكاديمية المختلفة. (JSTOR)
وفي الوقت نفسه، فإن القول إن «السلطان هيثم يحكم باعتباره إماماً إباضياً» غير دقيق؛ فالمؤسسة التي يرأسها هي السلطنة البوسعيدية الحديثة. أما علاقته بالإمامة فهي علاقة تاريخ الأسرة والدولة والمذهب، وليست علاقة استمرار للمؤسسة السياسية القديمة.