تقرير السعودية

على ماذا راهنت الرياض في دعمها وتسويقها لحكم العسكر في القاهرة، وهل كان رهانها مثمراً لها؟

  دعم الرياض للمجلس العسكري في مصر

بعد تنحي حسني مبارك في 11 فبراير 2011 وانتقال السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، اتخذت السعودية موقفًا داعمًا للمؤسسة العسكرية التي تولت إدارة المرحلة الانتقالية. وكانت الرياض تنظر إلى الجيش المصري باعتباره المؤسسة الأكثر قدرة على الحفاظ على استقرار الدولة ومنع انتقال مصر إلى مسار سياسي قد يهدد مصالحها الإقليمية. وتوثق دراسة لمعهد SWP الألماني أن الرياض وافقت على تولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة المؤقتة، وحافظت في تلك المرحلة على اتصالات وثيقة مع القيادة العسكرية المصرية.

وكانت الرسائل السعودية الرسمية في الأشهر الأولى واضحة في دعم المجلس العسكري. ففي 2 مارس 2011 التقى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل بالمشير حسين طنطاوي في القاهرة، وبحث الطرفان الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في مصر. وأعلن الفيصل عقب اللقاء تقدير المملكة للقوات المسلحة المصرية على إدارتها للأحداث، متمنيًا لها التوفيق في المرحلة المقبلة.

كان الدعم السعودي للسلطة التي نشأت عقب عزل محمد مرسي في يوليو 2013 يتجاوز مجرد تأييدها سياسيًا؛ فقد سعت الرياض إلى منع عزل النظام المصري الجديد دوليًا، والحد من الضغوط الأمريكية والأوروبية عليه، وإقناع العواصم الغربية بأن التعامل مع القيادة العسكرية الجديدة، وعلى رأسها عبدالفتاح السيسي، هو الخيار الأكثر واقعية للحفاظ على استقرار مصر ومصالح الغرب في المنطقة. وفي المقابل، لم تكن واشنطن مستعدة في البداية لمنح السلطة الجديدة شرعية غير مشروطة، الأمر الذي جعل مصر إحدى ساحات التباين المهمة بين السعودية والولايات المتحدة في أعقاب الربيع العربي، في حين اعتبرته تحليلات غربية انقلابًا عسكريًا على رئيس منتخب. وبحسب تحليل نشره معهد بروكينغز في الأيام الأولى للأزمة، كانت السعودية أول حكومة أجنبية تؤيد علنًا عملية الاستيلاء على السلطة، كما أجرى الملك عبدالله اتصالًا بالسيسي بعد إعلان عزل مرسي.

وكان هذا التحرك السعودي مهمًا في مواجهة الموقف الأمريكي الذي اتسم بالحذر. فقد أعلن الرئيس باراك أوباما بعد أيام من عزل مرسي أن الولايات المتحدة والسعودية تتفقان على أهمية استقرار مصر، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة قيام عملية سياسية شاملة والعودة سريعًا إلى حكومة مدنية منتخبة. أي أن واشنطن لم تتبنَّ الرواية السعودية بصورة كاملة، ولم تمنح السلطة العسكرية الجديدة اعترافًا سياسيًا غير مشروط.

ومن هنا بدأ التحرك السعودي يأخذ بعدًا أكثر وضوحًا في مواجهة الضغوط الغربية. فعندما بدأت واشنطن والعواصم الأوروبية في التفكير في استخدام المساعدات الاقتصادية والعسكرية للضغط على القيادة المصرية للحد من القمع والعودة إلى مسار سياسي، أعلنت الرياض استعدادها لتغطية أي مساعدات غربية قد يتم وقفها. وفي أغسطس 2013 أعلن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن الدول العربية والإسلامية قادرة على مساعدة مصر إذا أوقفت الدول الغربية مساعداتها. ولم تكن الرسالة موجهة إلى القاهرة وحدها، بل إلى واشنطن والعواصم الأوروبية أيضًا: الضغط المالي الغربي لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير سلوك السلطة المصرية، لأن الرياض وحلفاءها الخليجيين مستعدون لتوفير بديل مالي.

وتزامن ذلك مع تصعيد سعودي سياسي مباشر ضد الانتقادات الغربية. ففي أغسطس 2013 أعلن الملك عبدالله وقوف المملكة إلى جانب مصر وجيشها في مواجهة ما وصفه بالإرهاب ومحاولات زعزعة الاستقرار. ووفق تحليل بروكينغز في ذلك الوقت، كان الخطاب السعودي يعكس غضب الرياض من السياسة الأمريكية تجاه مصر، ولا سيما ما اعتبرته المملكة تدخلاً أمريكيًا في الشأن المصري وتسامحًا مع جماعة الإخوان المسلمين.

وبذلك تحولت السعودية عمليًا إلى حاجز سياسي ومالي أمام استراتيجية الضغط الغربية على السلطة المصرية. فقد كانت إدارة أوباما تملك أوراقًا مهمة من خلال المساعدات الأمريكية، ولا سيما المساعدات العسكرية، بينما كانت الرياض تعمل على تقليل قيمة هذه الأوراق عبر توفير الدعم المالي والسياسي البديل للقاهرة. وقد وصفت تحليلات أمريكية هذه السياسة بأنها وضعت السعودية في مواجهة مباشرة مع واشنطن بشأن مستقبل مصر، وأن الدعم الخليجي منح القيادة العسكرية المصرية قدرة أكبر على مقاومة الضغوط الغربية.

ولم يمر وقت طويل حتى ظهر الخلاف بصورة أوضح في أكتوبر 2013، عندما قررت الولايات المتحدة حجب بعض المساعدات العسكرية والاقتصادية عن مصر، بما في ذلك تأخير تسليم معدات عسكرية ومساعدات مالية، بسبب المخاوف المتعلقة بالمسار الديمقراطي وحقوق الإنسان. وفي المقابل، كانت السعودية قد أعلنت بالفعل استعدادها لتعويض أي نقص في المساعدات الغربية. ولذلك لم يكن الهدف السعودي بالضرورة إقناع واشنطن بإصدار «اعتراف» رسمي بالانقلاب، وهو ما لم يحدث بهذه الصورة، وإنما الحيلولة دون تحول الموقف الأمريكي الرافض أو المتحفظ إلى سياسة تؤدي إلى إسقاط النظام الجديد أو إجباره على تغيير جوهري في مساره.

وفي هذا السياق برزت أهمية العلاقة السابقة بين السيسي والرياض. فقد عمل عبدالفتاح السيسي ملحقًا عسكريًا مصريًا في السعودية من أغسطس 1999 إلى أغسطس 2000، وفق مصادر مصرية، وهي فترة وإن كانت قصيرة ولكنها قد تكون كافية إلى حد ما في إكسابه بعض الخبرة في العمل الدبلوماسي وأتاحت له التعامل المباشر مع الكثير من قيادات المجتمع في السعودية. وتؤكد مصادر أخرى أن السيسي كان معروفًا في الرياض قبل صعوده السياسي، وهو ما ساهم في وجود قنوات اتصال وعلاقات سابقة مع دوائر القرار في الرياض التي يفترض أنها تعرف عنه ما يكفي للحكم عليه.

ومن ثم، فإن الدور السعودي بعد يوليو 2013 يمكن فهمه باعتباره سياسة لتثبيت الحكم الجديد وحمايته من العزلة الدولية أكثر من كونه مجرد تأييد سياسي في سياق منفرد أو عربي فقط. وقد كان البعد الأمريكي في هذه السياسة بالغ الأهمية، لأن الرياض كانت تدرك أن قدرة واشنطن على التأثير في المؤسسة العسكرية المصرية كبيرة، بحكم عقود من التعاون والمساعدات العسكرية. لذلك عملت على تقليل فاعلية أدوات الضغط الأمريكية عبر الدعم السياسي والمالي، وفي الوقت نفسه على تقديم السيسي باعتباره شريكًا ضروريًا في الحفاظ على استقرار مصر ومواجهة الإسلام السياسي والاضطرابات الإقليمية.

الاقتصاد السعودي في خدمة تثبيت النظام والاستقرار في مصر

جاء الدعم الاقتصادي السعودي لمصر بعد عام 2013 في سياق سياسي وإقليمي استثنائي أعقب عزل الرئيس محمد مرسي وتولي القوات المسلحة المصرية، بقيادة المشير عبدالفتاح السيسي، زمام السلطة. فقد نظرت الرياض إلى التحول السياسي في مصر باعتباره تطورًا استراتيجيًا يتصل بأمن المنطقة وبمواجهة صعود جماعة الإخوان المسلمين، ولم يقتصر موقفها على الدعم السياسي والدبلوماسي للنظام الجديد، بل امتد سريعًا إلى المجال الاقتصادي والمالي، في وقت كانت فيه مصر تواجه أزمة اقتصادية حادة وتراجعًا في احتياطيات النقد الأجنبي وتزايدًا في احتياجاتها التمويلية.

ومنذ الأيام الأولى التي أعقبت التغيير السياسي في يوليو/تموز 2013، انخرطت السعودية، إلى جانب الإمارات والكويت، في تقديم حزمة واسعة من المساعدات والودائع والمنح والوقود لمصر. وأعلنت الدول الثلاث في يوليو 2013 حزمة دعم بلغت نحو 12 مليار دولار، توزعت بين مساعدات نقدية وودائع لدى البنك المركزي وشحنات من المنتجات البترولية. وكان هذا التحرك ذا دلالة سياسية واقتصادية في آن واحد؛ إذ وفر للحكومة المصرية الجديدة موارد مالية عاجلة في وقت كانت فيه تواجه ضغوطًا كبيرة، كما بعث برسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن دول الخليج الرئيسية مستعدة لدعم السلطة الجديدة والحيلولة دون تعرضها لانهيار اقتصادي يمكن أن يهدد قدرتها على تثبيت الوضع السياسي.

ولم يكن الدعم السعودي منفصلًا عن الموقف السياسي الذي تبنته الرياض تجاه التطورات المصرية. فقد كانت السعودية من أوائل الدول التي رحبت بالتغيير السياسي في مصر، واعتبرت استقرار الدولة المصرية والحفاظ على مؤسساتها، وفي مقدمتها القوات المسلحة، مصلحة إقليمية أساسية. ومن ثم أصبح الدعم الاقتصادي أحد المكونات العملية لهذا الموقف، لأنه وفر للنظام الجديد مساحة زمنية ومالية للتعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي كان يمكن أن تتحول إلى عامل ضغط على استقراره السياسي.

ومن ثم يمكن تقسيم مسار الدعم الاقتصادي السعودي لمصر إلى مراحل رئيسية: الدعم العاجل بعد يوليو 2013، ثم استمرار المساعدات والودائع وتمويل الطاقة خلال السنوات اللاحقة، ثم مرحلة إعادة هيكلة الدعم في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي منذ 2016، وصولًا إلى تصاعد الاستثمارات السعودية في الاقتصاد المصري حتى 2022.

حزمة المساعدات السعودية لمصر خلال الفترة من 2013-2022

    جاءت أول وأوضح حزمة دعم سعودية مباشرة بعد عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، حيث أعلنت السعودية حزمة بقيمة 5 مليارات دولار، توزعت على النحو الآتي:

  • 2 مليار دولار وديعة لدى البنك المركزي المصري، وكانت وديعة دون فوائد.
  • 1 مليار دولار منحة نقدية غير مستردة.
  • 2 مليار دولار في صورة منتجات بترولية وغاز لتلبية احتياجات مصر من الطاقة.

وتشير بيانات لاحقة إلى أن الوديعة السعودية البالغة ملياري دولار وصلت بالفعل إلى البنك المركزي المصري في يوليو 2013، بينما بدأت شحنات النفط السعودية تصل إلى مصر خلال أغسطس وسبتمبر من العام نفسه. وقد بلغت قيمة شحنات النفط خلال هذين الشهرين وحدهما نحو 800 مليون دولار.

    دعم إضافي خلال 2014

شهد عام 2014 استمرار الدعم الخليجي لمصر، وكانت السعودية من أبرز مصادره. وتحدثت الحكومة المصرية في بداية العام عن حزمة سعودية إضافية تصل إلى 4 مليارات دولار، تتوزع بين ودائع لدى البنك المركزي ومنتجات بترولية.

    وديعة سعودية جديدة بقيمة ملياري دولار في 2015

في عام 2015 أودعت السعودية 2 مليار دولار أخرى لدى البنك المركزي المصري. وتضع بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية هذه الوديعة ضمن التدفقات السعودية التي جرى صرفها فعليًا، إلى جانب تسهيل ائتماني للمنتجات النفطية بقيمة 1.4 مليار دولار جرى التعهد به في ذلك العام، وبذلك أصبحت الودائع السعودية لدى البنك المركزي إحدى أهم أدوات دعم الاحتياطيات المصرية، إلى جانب الدعم النفطي.

  دعم مشروعات سيناء في 2016

  في أبريل 2016 وقعت مصر مع الصندوق السعودي للتنمية اتفاقًا لتمويل برنامج تنمية سيناء بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار. وشمل البرنامج مشروعات في الطرق والزراعة والإسكان والتعليم وغيرها من القطاعات. وتوضح بيانات الصندوق السعودي للتنمية أن مساهمته في البرنامج بلغت 1.11284 مليار ريال سعودي في الاتفاق الموثق لعام 2016، ضمن برنامج أوسع لتنمية شمال سيناء.

كما سبق ذلك في يناير 2016 تخصيص منحة سعودية بقيمة 200 مليون دولار لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في سيناء، إلى جانب قرض بالجنيه المصري بقيمة 250 مليون جنيه للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وفي أبريل 2016 أُعلن عن اتفاق سعودي لتمويل واردات مصر النفطية، بقيمة معلنة وصلت إلى نحو 23 مليار دولار وفق قاعدة بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، على أساس تسهيلات ائتمانية وسداد مؤجل. وتشير البيانات نفسها إلى أن تنفيذ التسهيلات توقف في أكتوبر 2016 قبل أن يُستأنف لاحقًا في مارس 2017.

 ورغم ظهور حالة الإحباط والشعور بالاستياء في العواصم الخليجية من ضعف قدرة حكومة السيسي على معالجة مشكلاتها الاقتصادية، إضافة إلى تراجع الدور المصري على الساحة الإقليمية. وفقاً لتقرير رويترز في أبريل 2016، إلا أن المساعدات الخليجية خاصة السعودية لم تنقطع بشكل كامل.

  استمرار تمويل مشروعات سيناء ووديعة جديدة في 2017

استمر تنفيذ برنامج تنمية سيناء عبر الصندوق السعودي للتنمية؛ ويظهر التقرير السنوي للصندوق لعام 2017 مساهمة إضافية قدرها 431.25 مليون ريال سعودي في البرنامج. (الصندوق السعودي للتنمية)

وفي مايو 2017 أودعت السعودية مليار دولار إضافي لدى البنك المركزي المصري. وتوثق الدراسات التي جمعت بيانات البنك المركزي هذه الوديعة ضمن سلسلة الودائع السعودية لمصر.

     منح تنموية جديدة 2019

 في 10 يوليو 2019 وقع الصندوق السعودي للتنمية ثلاث اتفاقيات ضمن منحة سعودية لمصر بقيمة 125 مليون جنيه مصري، لتمويل مشروعات صغيرة وصناعية خارج القاهرة والإسكندرية، ومشروعات الطاقة المتجددة والزراعة والثروة الحيوانية. (Saudi Gazette)

    استمرار تنفيذ المنح السابقة في 2020

أعلنت وزارة التعاون الدولي المصرية في يونيو 2020 عن استمرار تنفيذ المنحة السعودية البالغة 200 مليون دولار  التي رُصدت لتمويل 2,176 مشروعًا. Ahram Online

   وديعة جديدة وتمديد ودائع في 2021

في أكتوبر 2021 عادت السعودية إلى تقديم دعم مباشر مهم للاحتياطيات المصرية، عندما أعلنت وزارة المالية السعودية إيداع 3 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري، وفي الوقت نفسه مددت السعودية أجل ودائع سابقة بقيمة 2.3 مليار دولار. وبالتالي بلغت قيمة العملية الجديدة والمبالغ التي جرى تمديدها 5.3 مليار دولار، وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأنها جاءت بعد مرحلة جائحة كورونا وفي وقت كانت فيه الأسواق الناشئة تواجه ضغوطًا على التمويل الخارجي.

   وديعة جديدة في 2022

في 30 مارس 2022 أودعت السعودية 5 مليارات دولار لدى البنك المركزي المصري. وجاءت الوديعة في أعقاب التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية–الأوكرانية وطلب مصر دعمًا جديدًا من صندوق النقد الدولي،  وبذلك بلغ إجمالي الودائع السعودية لدى البنك المركزي المصري، وفق طريقة الاحتساب المستخدمة في تلك المصادر، نحو 10.3 مليار دولار.

في أغسطس 2022 أنشأ صندوق الاستثمارات العامة السعودي الشركة السعودية المصرية للاستثمار (SEIC) بهدف الاستثمار في قطاعات الاقتصاد المصري المختلفة.

وفي الشهر نفسه نفذت الشركة أول استثمار رئيسي لها، إذ استحوذت على حصص أقلية في أربع شركات مصرية بقيمة إجمالية بلغت 1.3 مليار دولار، وهي أبو قير للأسمدة، وموبكو، والإسكندرية لتداول الحاويات، وإي فاينانس.

وفي أكتوبر 2022 أعلن صندوق الاستثمارات العامة أن الشركات الإقليمية التابعة له، ومن بينها الشركة السعودية المصرية للاستثمار، تستهدف استثمارات تصل إجمالًا إلى 90 مليار ريال سعودي (نحو 24 مليار دولار) في ستة أسواق عربية، بينها مصر.

ورغم كل ما قدمته السعودية لمصر من دعم مالي ودبلوماسي منذ استيلاء الجيش على الحكم وحتى الآن، إلا أن الرياض لديها شعور متراكم من الخذلان و الجحود المصري لها، وهذا الشعور لم يكن سببه حادثة واحدة؛ بل تراكم منذ 2015 من التباعد بين حجم الدعم السعودي لمصر وبين استعداد القاهرة لتفهم الأولويات الاستراتيجية للسعودية. وهذا يفسر لماذا وصلت العلاقات إلى أزمة واضحة في 2016، ورغم حرصها على عدم انهيار تحالفها مع القاهرة، إلا أن اختلاف المصالح والسياسات بين الرياض والقاهرة كان ومازال في عدة ملفات منها:

  •  الحرب في اليمن – منذ مارس 2015

كانت هذه أبرز نقاط الخلاف. السعودية كانت تتوقع من مصر، باعتبارها القوة العسكرية العربية الأكبر، مشاركة عسكرية أكبر في التحالف الذي قادته الرياض ضد الحوثيين. لكن المشاركة المصرية اقتصرت على العمليات البحرية والجوية وبشكل محدود،

  • الموقف المصري من الحرب السورية

السعودية كانت تريد إسقاط بشار الأسد ودعم المعارضة السورية، بينما تبنت مصر موقفاً داعما لنظام بشار، بلغ الخلاف ذروته في أكتوبر 2016 عندما صوتت مصر في مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسي بشأن سوريا، وهو مشروع عارضته السعودية بشدة. وقد اعتُبر التصويت المصري في الرياض خيانة سياسية لها، بل ظهرت تقارير صحفية ومن مراكز أبحاث تؤكد على حصول قوات بشار الأسد على دعم عسكري مصري متنوع أُستخدم ضد المعارضين السورين المحتشدين في المدن السورية ومن هذه الأدلة:

  1.    نشرت وكالة الأناضول في 17 أكتوبر 2016  خبر زيارة  علي مملوك، رئيس مكتب الأمن القومي السوري وأحد أبرز المسؤولين الأمنيين في نظام الأسد، القاهرة والتقى مسؤولين أمنيين مصريين. وتحدثت تقارير عن بحث تنسيق المواقف السياسية وتعزيز التعاون الأمني بين البلدين في مواجهة الجماعات المسلحة.
  2.    التصريح الذي نشر في 23 نوفمبر 2016 خلال مقابلة مع قناة RTP البرتغالية، قال عبدالفتاح السيسي إن أولوية مصر هي دعم «الجيوش الوطنية» في المنطقة، وعندما سُئل تحديدًا عن الجيش السوري أكد أنه يقصد الجيش السوري.
  3. في 30 نوفمبر 2016 نشر معهد MEMRI تقريرًا عن التقارب المصري–السوري، أشار إلى تقارير عن مساعدات عسكرية وإنسانية مصرية لسوريا.
  4. في التقرير الذي نشرته صحيفة السفير اللبنانية في24 نوفمبر  من نفس العام، وكشفت فيه وصول 18 طيارًا مصريًا إلى قاعدة حماة، بينما تحدثت تقارير أخرى عن وجود ضباط مصريين في دمشق.
  5.  في تقرير منشور في مايو 2018، ذكر مركز كارنيغي أن مصر قدمت دعمًا دبلوماسيًا، ووفق تقارير، مساعدات عسكرية سرية لنظام الأسد.
  •  التقارب المصري مع روسيا وإيران

ففي 2015، مثلاً، كان الموقف المصري أكثر انفتاحاً على الاتفاق النووي الإيراني، ولم تكن القاهرة تنظر إلى احتواء إيران باعتباره أولوية مماثلة للأولوية السعودية. كما ظهرت خلافات حول التعاون الروسي في سوريا، وهذا جعل الرياض تشعر بأن الدعم السياسي والمالي الذي قدمته لمصر لم يرعي التوافق والمصالح المشتركة في مواجهة إيران.

  •  قضية تيران وصنافير  2016–2017

رغم الجهود الإدارية والقضائية التي بذلها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للتصديق على  على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية في شهر يونيو من عام 2017، وذلك بعد إقرارها من قبل مجلس النواب المصري، إلا أن التلكؤ و المماطلة المتكررة من قِبل الرئيس السيسي شخصياً في تنفيذ اتفاق التسليم الكامل للجزيرتين عزز لدي الرياض قناعة بأنها تتعرض للابتزاز.

فعلى ماذا كانت تراهن الرياض في دعمها للنظام العسكري في القاهرة منذ 2013، وهل كانت مضطرة إلى دفع كل هذه الأموال والاستثمارات، خاصة أن العسكر الذين حكموا مصر منذ 1952 لن يسمحوا في كل الأحوال لغيرهم خاصة الإسلاميين أن يستولوا علي السلطة بسهولة أو يستمروا فيها، وبناء على ما نشاهده الآن من مواقف سياسية وإعلامية مصرية تجاه الرياض، هل نصف ذلك الرهان على حكم العسكر بأنه كان رهاناً ناجحاً أم خاسراً؟

الدولة السعودية
عبدالله القصيمي

عبدالله القصيمي

كاتب وأكاديميي سعودي

مقالات ذات صلة

التعليقات