لا تكمن المشكلة الأساسية التي تواجه الاستثمار في الدول ذات الأنظمة العسكرية في قدرتها على جذب المستثمرين، وإنما في بنيتها الإقصائية المتطرفة، وفي عدم قدرتها على توفير البيئة السياسية والاقتصادية الآمنة التي تمكن الاستثمار من النجاح والاستمرار لعقود. فقد تستطيع الحكومات العسكرية جذب رأس المال الأجنبي من خلال منح الأراضي والتسهيلات والإعفاءات، وقد تتمكن من اتخاذ قرارات سريعة لتنفيذ المشاريع، إلا أن غياب الاستقرار السياسي وضعف المؤسسات والفساد وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية يمكن أن يحول هذه المزايا الأولية إلى مصادر للمخاطر على المدى الطويل.
وتقدم تجربة السودان نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة. فالسودان يمتلك موارد زراعية هائلة وأيدي عاملة متمرسة في مجال الزراعة والرعي، وكان يُنظر إليه منذ عقود باعتباره أحد أهم البلدان القادرة على تحقيق الأمن الغذائي في المنطقة وأنه سلة غذاء الوطن العربي، إلا أن القطاع الزراعي ظل متأخراً لعقود ويعاني من تآكل تدريجي للقدرة الإنتاجية وضعف نوعية المحاصيل،لأسباب كثيرة منها: عدم استقرار السياسات الحكومية،ضعف البنية التحتية، مشكلات التمويل ، الفساد المالي والإداري المرتبط بتدخلات المؤسسة العسكرية وأصحاب المصالح من المتنفذين في النشاط الاقتصادي.
وفي دراسة نشرها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية IFPRI عام 2023 حول القيود السياسية على الاستثمار الزراعي في السودان، أشار الباحثون إلى أن القطاع الزراعي كان أكبر قطاعات التشغيل في البلاد، وأنه يملك إمكانات كبيرة لتحسين الأمن الغذائي وسبل معيشة السكان، لكنهم أكدوا في الوقت نفسه أن البيئة السياسية والحوكمة تمثلان شرطاً أساسياً لنجاح الاستثمار الزراعي. والأهم أن الدراسة خلصت إلى أن الهياكل العسكرية وشبه العسكرية كانت تشغل حصة كبيرة من الشركات الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص وعقود إيجار الأراضي الممنوحة لشركات أجنبية، الأمر الذي جعل النشاط الزراعي مرتبطاً بصورة مباشرة بهياكل القوة السياسية والاقتصادية. (Knowledge4Policy (K4P))، وفي هذا السياق يمكن فهم تجربة مشروع الراجحي الزراعي، الذي دخل السودان عام 2008، باعتباره نموذجاً لاختبار هذه الإشكالية.
بدأت شركة الراجحي الدولية للاستثمار الزراعي مشروعها في ولاية نهر النيل باستثمارات كبيرة في الأراضي والبنية التحتية الزراعية والري الحديث. وفي تقرير نشرته صحيفة الرياض عام 2010 عن تدشين أول حصاد للمشروع، ذكرت الصحيفة أن الشركة أقامت شبكة واسعة للري واستخدمت الرشاشات المحورية وأنشأت مرافق للتخزين والخدمات، لكنها واجهت منذ البداية عقبات في منظومة الري والمعدات. ونقلت الصحيفة عن الشركة أن الاستثمار الزراعي في السودان طويل الأجل ومكلف وأنها واجهت عقبات عديدة لكنها تمكنت من تجاوزها. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)
هذه البداية تكشف أن المستثمر لم يكن يواجه مخاطر سياسية فقط، وإنما كان يتحمل أيضاً أعباء البيئة التشغيلية الضعيفة. فالمشروع الزراعي الكبير يحتاج إلى شبكة من الخدمات العامة، من الطرق والكهرباء والمياه إلى الجمارك والاستيراد وقطع الغيار. وعندما تكون مؤسسات الدولة غير مستقرة أو غير كفؤة، تنتقل نسبة من هذه التكاليف والمخاطر إلى المستثمر.
لكن المشروع حقق في الوقت نفسه تقدماً ملموساً. ففي يناير/كانون الثاني 2011، ذكرت صحيفة الرياض أن الرئيس عمر البشير افتتح مشروع الراجحي في ولاية نهر النيل، وأن الاستثمارات المعلنة بلغت نحو 300 مليون ريال سعودي، بينما وصلت مساحة المشروع آنذاك إلى نحو 21 ألف هكتار. كما نقلت الصحيفة عن البشير تأكيده دعم المشروع وتذليل العقبات أمام المستثمرين، مع الإشارة إلى إمكانية زيادة الأراضي المخصصة له. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)
وتقدم هذه الواقعة دليلاً مهماً على المفارقة التي تميز الاستثمار في ظل الأنظمة العسكرية. فالدولة المركزية تستطيع أحياناً أن تقدم للمستثمر تسهيلات يصعب الحصول عليها في بيئة بيروقراطية أكثر تعقيداً، لكن هذه التسهيلات ليست دائمة وغير مضمونة بقانون ولا ترتبط برؤية وطنية أو تخطيط تنموي لأنها تعتمد على العلاقة مع السلطة السياسية، بمعنى آخر، يستطيع النظام أن يقول للمستثمر: سأحل لك المشكلة، لكن المستثمر يحتاج بدلاً من ذلك إلى نظام يقول له: القانون سيحل المشكلة، أياً كان الرئيس الموجود في السلطة، وهنا تظهر اخطر إشكاليات الاستثمار في ظل الأنظمة العسكرية.
افتتاح المشروع بنجاح لا ينفي هشاشة البيئة
من الخطأ اعتبار مشروع الراجحي للاستثمار الزراعي في السودان فكرة فاشلة في ذاتها أو منذ انطلاقته . فالمصادر المتاحة تشير إلى تحقيق إنتاج فعلي وتوسع في المساحات المزروعة، ففي عام 2017، نقلت صحيفة الرياض عن مسؤولين سودانيين الحديث عن نجاح تجربة الراجحي في إنتاج القمح، مع تسجيل إنتاجية تراوحت في إحدى التجارب بين نحو 2 و2.5 طن للهكتار، إلى جانب تشغيل نسبة كبيرة من العمالة السودانية. (Knowledge4Policy (K4P))
كما بحثت دراسة أكاديمية من جامعة النيلين تجربة مشاريع الراجحي في ولاية نهر النيل خلال الفترة 2010–2017، وأظهرت أن المشروع كان له أثر في توفير فرص العمل وتنشيط النشاط الاقتصادي المحلي، لكنها سجلت في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالبنية التحتية والخدمات وقطع الغيار وغيرها من متطلبات الإنتاج. (Wiley Online Library)
وهذه الحقيقة هي التي تجعل الراجحي نموذجاً بحثياً مهماً؛ فلو كان المشروع قد فشل منذ يومه الأول، لكان من الممكن إرجاع النتيجة بسهولة إلى أخطاء المستثمر أو دراسة الجدوى. أما أن ينجح المشروع في الإنتاج والتوسع ثم يعمل لسنوات في بيئة سياسية شديدة التقلب، فإن ذلك يسمح بدراسة الفرق بين نجاح المشروع اقتصادياً ونجاح البيئة الاستثمارية أو فشل أحدهما.
الأرض: من أصل استثماري إلى مصدر للمخاطر
تمثل الأراضي الزراعية إحدى أهم حلقات العلاقة بين الفساد والحكم العسكري في السودان.
ففي دراسة U4، وهي مركز متخصص في مكافحة الفساد تابع لمعهد Chr. Michelsen Institute بالتعاون مع Transparency International، وصف الباحث ميلوش ريسيميتش نظام البشير بأنه اتسم بـ«الاستيلاء على الدولة» وتوجيه الموارد العامة نحو شبكات مرتبطة بالنظام والأجهزة الأمنية والعسكرية. وأشار التقرير تحديداً إلى أن القطاع الزراعي كان عرضة لمخاطر مثل الاستيلاء على الأراضي، وصفقات الأراضي غير الشفافة مع المستثمرين الأجانب، وتأثير الجهات العسكرية وشبه العسكرية على سلاسل القيمة الزراعية. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)
والأكثر أهمية أن التقرير أشار إلى أن قوانين الأراضي في السودان سمحت للدولة بالسيطرة على نسبة كبيرة من الأراضي غير المسجلة، وأن هذا الوضع أتاح للسلطات استخدام تخصيص الأراضي أحياناً كأداة للمحسوبية السياسية. كما أشار إلى تقارير سودانية عن عدم شفافية بعض صفقات الأراضي واسعة النطاق.
وهنا تتضح مشكلة المستثمر الأجنبي: الأرض التي تبدو في البداية فرصة استثمارية قد تصبح مصدراً للمخاطر إذا لم تكن حقوق ملكيتها واستخدامها محمية بمؤسسات مستقلة وشفافة.
ويشير تقرير U4 كذلك إلى أن بعض الصفقات الزراعية مع دول الخليج خلال عهد البشير اتسمت بالسرية، وأن السرية لا تثبت وحدها وقوع فساد، لكنها ترفع مخاطر الفساد والاستيلاء على الموارد من جانب النخب. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)
وهذه نقطة مهمة جداً في دراسة الراجحي: لا يجوز القول إن عقد الراجحي نفسه كان فاسداً أو ضعيفاً ما لم توجد وثيقة تثبت ذلك، لكن يمكن دراسة المشروع باعتباره استثماراً يعمل داخل منظومة سياسية وإدارية فاشلة أو فاسدة تتعامل مع الأراضي والاستثمارات الزراعية على أساس أنها مصدر للإثراء الشخصي والتأثير على الآخرين، مما يعرضها لمخاطر التعثر والخسارة .
الفساد لا يظهر دائماً في صورة رشوة
في البيئات التي تضعف فيها المؤسسات الرقابية و تغيب فيها قوانين الإفصاح و الحوكمة، غالباً ما يظهر فيها الفساد في صور متعددة متفاوتة في التعقيد: كمنح امتيازات لشركات مرتبطة بالسلطة، أو تخصيص الأراضي بصورة غير شفافة، إعفاءات ضريبية غير متكافئة، تفضيل شركة على أخرى، الحصول على العملة الأجنبية بأسعار مميزة، أو استخدام النفوذ السياسي لحل مشكلة اقتصادية.
وقد وثق تقرير U4 هذه الظاهرة في السودان، مشيراً إلى أن الشركات المرتبطة بالنظام حصلت على امتيازات، وأن بعض القوانين صُممت أو عُدلت بما يخدم مصالح محددة، وأن الأجهزة العسكرية وشبه العسكرية استمرت في السيطرة على قطاعات اقتصادية مهمة حتى بعد سقوط البشير. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)، وهذا النوع من الفساد يمثل خطراً كبيراً على المستثمر الخاص لأنه يضرب قواعد المنافسة.
فالمستثمر الذي يبني مشروعه على دراسة الجدوى يفترض وجود سوق وقواعد متساوية للمنافسين، لكن إذا حصلت شركات مرتبطة بالسلطة على إعفاءات أو تراخيص أو موارد بأسعار تفضيلية، فإن الحسابات الاقتصادية للمستثمر المستقل تصبح أقل جدوى وتأثيراً.
الجيش كفاعل اقتصادي
تتجاوز المشكلة في السودان مسألة الفساد الإداري إلى ظاهرة أعمق، وهي تداخل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد والتجارة ، ففي دراسة IFPRI المنشورة عام 2023، أشار الباحثون إلى أن الهياكل العسكرية وشبه العسكرية تحتل حيزاً كبيراً من الشركات الحكومية والشراكات الخاصة وعقود إيجار الأراضي الممنوحة للشركات الأجنبية في القطاع الزراعي. وأوصت الدراسة بالنظر بصورة أعمق إلى أنشطة البحث عن الريع والعلاقات بين الهياكل الرسمية وغير الرسمية في سلاسل القيمة الزراعية. (Knowledge4Policy (K4P))
كما وثق تقرير U4 توسع الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في قطاعات متعددة، مشيراً إلى وجود نحو 250 شركة مرتبطة بالأجهزة العسكرية والأمنية وفق تقرير سوداني عام 2024، وأن هذه الشركات تعمل في قطاعات تشمل الذهب والزراعة والثروة الحيوانية والعقارات والنقل وغيرها. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)، وهذا الوضع يخلق مشكلة جوهرية للاستثمار الخاص: عندما يكون الفاعل الاقتصادي مرتبطاً بالجهة التي تمتلك القوة السياسية والعسكرية، فإن المنافسة لا تعود اقتصادية بالكامل، ومن هنا يمكن صياغة إحدى أهم نتائج الدراسة: كلما زاد تداخل السلطة العسكرية مع النشاط الاقتصادي، تراجعت المسافة بين الدولة والسوق، وارتفعت المخاطر التي يتحملها المستثمر الخاص.
الانقلاب يغيّر قواعد اللعبة
تتمثل المشكلة الأكبر في الأنظمة العسكرية في أن القواعد الاقتصادية قد تتغير مع تغير السلطة السياسية، ولذلك عندما بدأ مشروع الراجحي في ظل نظام البشير عام 2008، وتوسع خلال سنوات حكمه، وحصل على دعم سياسي مباشر. ثم سقط البشير في أبريل 2019، ودخل السودان مرحلة انتقالية، قبل أن يحدث انقلاب أكتوبر 2021. خسر المشروع كل مقومات النجاح والاستمرار.
وتشير دراسة منشورة في مجلة Disasters التابعة لـWiley عام 2025 إلى أن الحرب الحالية في السودان لا يمكن فصلها عن الاقتصاد السياسي السابق للحرب، وأن سياسات الفساد والاستحواذ على الموارد وتداخل السلطة مع الاقتصاد ساهمت في تشكيل البيئة التي سبقت سقوط البشير ثم الانقلاب والحرب. وخلص الباحثون في دراستهم لمنطقة الجزيرة إلى أن التنافس على الموارد والسيطرة على الأصول الزراعية كان جزءاً من الصراع على السلطة. (Wiley Online Library)
وهذا يوضح لماذا يمثل الانقلاب خطراً كبيراً على الاستثمار طويل الأجل، فالمستثمر الذي يستثمر في مشروع زراعي لعشرين أو ثلاثين عاماً يحتاج إلى أن يعرف أن العقد الذي وقع اليوم سيظل محمياً بعد خمس سنوات وعشر سنوات. أما إذا تغيرت السلطة بالقوة، فقد تتغير معها المؤسسات والأولويات والسياسات وحتى تفسير العقود.
من عدم الاستقرار إلى الحرب
كانت الانقلابات في السابق تعني تغيير الحكومة أو السياسة الاقتصادية، لكن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 نقلت الخطر إلى مستوى مختلف تماماً، فقد أصبح المستثمر الزراعي أمام احتمال فقدان القدرة على الوصول إلى الأرض، أو تعطيل الطرق، أو صعوبة نقل المعدات والمدخلات، أو توقف العمال عن الوصول إلى مواقع العمل، أو تعطل شبكات الري والتسويق.
وتوضح التطورات التي شهدها القطاع الزراعي السوداني بعد اندلاع الحرب حجم هذه المشكلة. فقد أظهر تحقيق نشرته قناة الجزيرة في 2026، اعتماداً على تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الفاو ومصادر ميدانية، أن السيطرة العسكرية على مناطق زراعية واسعة في ولايتي الجزيرة وسنار ترافقت مع تراجع حاد في النشاط الزراعي، إلى جانب نهب معدات ومخزونات وتعطيل قنوات الري ونزوح أعداد كبيرة من العاملين والمزارعين.
كما تشير الدراسة المنشورة في Wiley إلى أن الحرب في السودان تمثل تصعيداً للاقتصاد السياسي الاستخراجي السابق، حيث تداخلت السيطرة على الموارد والأصول مع القوة العسكرية، وأصبحت الأراضي والأصول الزراعية جزءاً من ديناميكيات الصراع. (Wiley Online Library)
أما تقرير U4، الذي ركز تحديداً على الزراعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى، فيشير إلى أن الحرب أدت إلى تفاقم مخاطر الفساد والاستيلاء على الموارد، وأن المؤسسات الاقتصادية أصبحت أكثر تعرضاً لسيطرة الأطراف العسكرية وشبه العسكرية. (U4 Anti-Corruption Resource Centre)
لماذا يمثل الراجحي حالة نموذجية؟
تكمن قيمة الراجحي في أنه يجمع معظم عناصر المشكلة في تجربة واحدة، فالمشروع بدأ باستثمار كبير في بلد غني بالأرض والمياه، وحصل على دعم مباشر من حكومة عسكرية، وتمكن من إنشاء بنية تحتية وتحقيق إنتاج وتوفير فرص عمل والتوسع إلى مشروعات ومساحات أكبر، لكن المشروع عمل في الوقت نفسه داخل بيئة اتسمت بضعف المؤسسات والفساد وعدم شفافية بعض عمليات الأراضي والاستثمار، ثم تغير النظام السياسي الذي نشأ في ظله، ثم وقع انقلاب عسكري، ثم اندلعت الحرب، وبذلك يصبح الراجحي نموذجاً لدراسة البيئة التي يعمل فيها الاستثمار، وليس مجرد دراسة نجاح أو فشل شركة واحدة.
والسؤال البحثي المنطقي ليس هل فشل مشروع الراجحي، وإنما إلى أي مدى يستطيع مشروع استثماري طويل الأجل كمشروع الراجحي الزراعي أن يحافظ على استقراره ونموه عندما تكون الدولة التي تستضيفه معرضة للانقلابات والفساد وسيطرة أو تدخل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد؟.