في الحروب الاستخباراتية، لا يحتاج اختراق الخصم دائمًا إلى عميل يحمل وثيقة سرية أو جهاز تنصت. أحيانًا تبدأ العملية بعلاقة إنسانية عادية: تعارف، صداقة، ثقة، أو علاقة عاطفية؛ ثم تتحول العلاقة تدريجيًا إلى وسيلة للحصول على معلومات أو التأثير في شخص مستهدف.
في إيران أُطلق على أحد الأنماط المنسوبة إلى أجهزة الأمن اسم «السنونو» (Parastoo)، وهو مصطلح تستخدمه الأدبيات التي تناولت الاستخبارات الإيرانية لوصف نساء يُقال إنهن يُستخدمن في عمليات «مصيدة العسل» لاستدراج أهداف محددة. وتوجد أطروحة أكاديمية بجامعة تشارلز في براغ، دافعت عنها الباحثة الألمانية من أصول فارسية Arghawan Farsi عام 2023، خصصت هذا الموضوع للدراسة، وحللت 24 مادة صحفية بالفارسية والإنجليزية. وخلصت إلى وجود أدلة صحفية على استخدام نساء إيرانيات في عمليات «مصيدة العسل» ضد أصوات معارضة، لكنها شددت على أن تفاصيل التجنيد والدوافع والبنية التنظيمية تبقى في معظمها سرية، لكن “السنونو” ليست بداية قصة استخدام غرف النوم للمقاومة والجهاد.
فالعودة إلى تاريخ أجهزة الأمن في المنطقة تكشف أن استخدام المرأة والعلاقة الشخصية كأداة استخباراتية سبق ظهور هذا المصطلح الإيراني بسنوات طويلة. في مصر الناصرية الرائدة في هذا المجال، ظهر ما عُرف باسم “أعمال السيطرة” أو “الكنترول” داخل جهاز المخابرات العامة في عهد صلاح نصر، بينما استخدمت أجهزة استخبارات أخرى، بينها الموساد الإسرائيلي، أشكالًا مختلفة من التجنيد البشري ومصائد العسل، وبالتالي، فإن قصة “نساء السنونو” تصبح أكثر قابلية للفهم عندما توضع ضمن تاريخ أطول من توظيف العلاقات الإنسانية والثقة والضعف الشخصي في العمل الاستخباراتي.
مصر الناصرية.. البداية العربية الموثقة
أُنشئت المخابرات العامة المصرية عام 1954، وتولى صلاح نصر رئاستها عام 1957، وبقي في موقعه حتى عام 1967، وخلال سنوات رئاسته توسعت عمليات الجهاز وتنوعت أدواته، وظهر داخل المخابرات ما عُرف باسم “أعمال السيطرة”، وهي تسمية ارتبطت باستخدام النساء والعلاقات الشخصية في عمليات تستهدف الحصول على معلومات أو التأثير في أشخاص محددين.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن الحديث عنها لا يعتمد فقط على روايات صحفية لاحقة؛ فقد تحدث صلاح نصر نفسه في مذكراته ومقابلاته عن استخدام النساء في مهمات خاصة، وقدم الأمر باعتباره أحد الأساليب المعروفة في العمل الاستخباراتي.
وتنقل قناة الجزيرة عن روايات نصر أنه رأى أن النساء يمكن أن يصلن إلى معلومات لا يستطيع ضباط المخابرات الوصول إليها بالطريقة التقليدية، خصوصًا في اللقاءات الخاصة التي يجريها مسؤولون أو زوار أجانب مع النساء، وهنا تظهر الفكرة الأساسية التي ستتكرر لاحقًا في النموذجين الإسرائيلي والإيراني.
وترد في هذا السياق رواية لافتة تتعلق بالرئيس جمال عبد الناصر نفسه. فقد ذكر وزير الحربية الأسبق شمس بدران في مذكراته أن صلاح نصر لاحظ، خلال السنوات الأخيرة من حكم عبد الناصر، تأثير ارتفاع نسبة السكر على حياته الجنسية، وأن رئيس المخابرات كان يزوّده بمشاهد جنسية مثيرة سبق أن سجلها الجهاز لفنانات شهيرات، من بينهن سعاد حسني، وقال بدران إن هذه المشاهد كان يُعتقد أنها تساعد عبد الناصر على التغلب على تأثيرات مرض السكر. ونقلت الجزيرة هذه الرواية عن مذكرات بدران، كما نشرت صحف مصرية أجزاء منها في عام 2014.
وكان عبد الناصر بالفعل مصابًا بالسكري، وتشير رواية طبيبه الخاص الصاوي حبيب إلى أنه كان يعاني من “البول السكري” ويتابع مستوى السكر ويتلقى الأنسولين، خصوصًا في السنوات التي أعقبت هزيمة يونيو 1967.
لكن هذه الجزئية من الربط الطبي بين مرض السكري بالعجز أو الضعف الجنسي،وبين ميل عبدالناصر لمشاهدة التسجيلات كانت وسيلة لتنشيط الرغبة الجنسية لدى الرئيس المصري السابق تحتاج إلى تحقيق مستقل لمعرفة تفصيلات أكثر، رغم انها وردت أساسًا في رواية شمس بدران، وليس في تقرير طبي مستقل عن عبد الناصر. كما أن سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر، رفض الرواية لاحقًا ووصفها بأنها مجرد ادعاء.
وتبقى أهمية الرواية بالنسبة إلى موضوع التقرير في جانب آخر: فهي، إذا عُرضت بوصفها شهادة منسوبة إلى أحد كبار رجال نظام عبد الناصر، تشير إلى مدى اقتراب التسجيلات الجنسية وملف “السيطرة” من الدائرة العليا للسلطة، وتكشف كذلك أن المواد التي كان الجهاز يجمعها في عمليات التصوير لم تكن بالضرورة تُستخدم فقط ضد الأشخاص المستهدفين، بل أصبحت جزءًا من عالم سري أوسع داخل الجهاز نفسه. وهذا يوضح كيف يمكن أن يتحول جمع المعلومات الخاصة والمواد الحساسة من وسيلة عملياتية إلى أداة نفوذ داخل منظومة السلطة.
أعمال السيطرة .. من العلاقة إلى الابتزاز
لم تكن “السيطرة” مجرد إقامة علاقة شخصية بهدف الحصول على معلومة، فالمصادر التي تناولت التحقيقات التي أعقبت هزيمة يونيو 1967 تشير إلى أن العمليات شملت التصوير واستخدام المواد الشخصية وسيلة للضغط والتجنيد.
وتنقل قناة الجزيرة عن التحقيقات مع محمد صفوت الشريف أنه كان مسؤولًا عن عمليات السيطرة، وأن الأسلوب شمل تصوير نساء في أوضاع خاصة ثم استخدام الصور لمساومتهن ودفعهن إلى التعاون مع الجهاز.
وتوجد كذلك نسخ منشورة من محاضر التحقيق المنسوبة إلى قضية «انحراف جهاز المخابرات» عام 1968، تذكر أن عمليات “الكنترول” بدأت داخل قسم المندوبين، وأن الفكرة اعتمدت على تجنيد نساء واستخدامهن في عمليات تستهدف أشخاصًا معينين، مع إعداد عمليات فنية وتصويرها، وهذه الوثائق، حتى مع ضرورة التحقق من نسخها وأصولها، مهمة لأنها توضح أن الكنترول لم يكن مجرد مصطلح ظهر في الصحافة الشعبية بعد عقود، بل ارتبط بقضية تحقيق ومحاكمة حقيقية في أعقاب 1967.
سعاد حسني.. أشهر الأسماء في ملف الكنترول
ربما لا يوجد اسم فني ارتبط بهذه القضية مثل سعاد حسني، وتتحدث روايات صحفية عن استهدافها ضمن عمليات الكنترول في الستينيات، وعن محاولة استدراجها ثم إخضاعها للتعاون مع الجهاز، وتشير تغطيات عربية للملف إلى أن ضباطًا استخدموا أساليب اجتماعية وشخصية للتقرب من بعض الفنانات، وأن سعاد حسني كانت من الأسماء التي ظهرت في التحقيقات والروايات المتعلقة بعمليات السيطرة. كما تورد روايات أخرى ارتباط اسمها بصفوت الشريف وبالعمليات التي كانت تجري في الوسط الفني، لكن قصة سعاد حسني التي ثبت استخدامها مخابراتياً لسنوات تحتاج إلى قدر خاص من التحفظ في قبول كل التفاصيل المنسوبة إلى تجنيدها تحديداً، مثل كيفية استدراجها بالضبط، أو مدى تعاونها مع الجهاز، أو طبيعة العلاقة بينها وبين ضباط بعينهم، فلا تتساوى في قوة الأدلة، ولهذا يجب ألا يتحول التقرير إلى إعادة إنتاج للروايات الأكثر إثارة دون تمييز بين وثيقة، وشهادة، ورواية صحفية، وشائعة لاحقة.
اعتماد خورشيد.. شهادة من داخل الوسط
من المصادر التي لا يمكن تجاهلها عند دراسة الملف شهادة اعتماد خورشيد، التي ارتبط اسمها بصلاح نصر ونشرت لاحقًا روايتها عن الجهاز، قدمت خورشيد في كتابها “شاهدة على انحرافات صلاح نصر” رواية شديدة الانتقاد لبعض ممارسات الجهاز، وتحدثت عن استخدام النساء والابتزاز في الوسط الفني، وتناولت “قناة الجزيرة” كتابها في سياق قضية صفوت الشريف وصلاح نصر، مشيرة إلى أن خورشيد قدمت شهادات عن أساليب الضغط التي مورست على بعض الفنانات، مع اختلاف الروايات حول تفاصيل بعض الوقائع، وللتحقق يمكن مقارنة شهادتها بالمذكرات، ومحاضر التحقيق، والأحكام القضائية، والتغطيات الصحفية المعاصرة للأحداث، ويمكن فهم اهتمام أجهزة الأمن المصرية بالوسط الفني ضمن طبيعة القاهرة السياسية والاجتماعية في الخمسينيات والستينيات.
فالوسط الفني لم يكن منفصلًا عن السياسة والدبلوماسية والمجتمع الدولي. وكانت الفنانات والفنانون يلتقون بمسؤولين ورجال أعمال ودبلوماسيين وشخصيات سياسية عربية وأجنبية، ولهذا لم تكن قيمة العنصر النسائي في العلاقة الجنسية بحد ذاتها، وإنما في الثقة التي يمكن أن تنتج عنها، وهذه الفكرة المصرية ستظهر مرة أخرى، بعد عقود، في عمليات مصيدة العسل الإسرائيلية، ونساء السنونو الإيراني.
إسرائيل.. كاترين شكدم نحلة في مصيدة العسل
إذا كانت التجربة المصرية تقدم نموذجًا عربيًا مبكرًا، فإن النموذج الإسرائيلي يمثل أحد أكثر النماذج شهرة في تاريخ العمل الاستخباراتي.
مع العلم أن نشاط الموساد لا يقتصر على الجنس، فالتجنيد الإسرائيلي يعتمد على مجموعة واسعة من الدوافع منها المال، الأيديولوجيا، الانتقام، الطموح، العلاقات الشخصية، أو نقاط الضعف الفردية، وفي السنوات الأخيرة كشفت تحقيقات صحفية عن توسع عمليات التجنيد الإسرائيلية داخل إيران، وعن استخدام شبكات من الإيرانيين لتنفيذ مهام مختلفة، أما “مصيدة العسل” فهي جزء من تاريخ أوسع للاستخبارات الإسرائيلية، لكنها ليست الوسيلة الوحيدة ولا يمكن اعتبارها الأساس الرئيسي لكل عمليات الموساد.
تأتي كاترين بيريز شكدم هنا بوصفها واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في الحرب الاستخباراتية الإيرانية ـ الإسرائيلية، حيث تمكنت شكدم من الوصول إلى دوائر إعلامية وسياسية عليا داخل إيران، ونشرت مقالات وأجرت مقابلات في منصات مرتبطة بمكتب المرشد، كما التقت إبراهيم رئيسي عندما كان مرشحًا للرئاسة، وهذه الوقائع موثقة.
وبصرف النظر عن دقة عدد الشخصيات الإيرانية، 100 أو 120 أو أقل أو أكثر، التي أقامت شكدم علاقات جنسية معهم، رغم محاولات التشكيك التي أثارتها وسائل إعلام ومواقع إخبارية مقربة من الحكومة الإيرانية وأجهزتها الأمنية، فإن قيمة شكدم في هذا التقرير ليست في الرواية المثيرة عن العلاقات الجنسية التي يبدو أنها حصلت بالفعل دون الدخول في تفاصيل الأعداد، وإنما قيمتها الحقيقية في قدرتها على اختراق بيئة سياسية ودينية وإعلامية شديدة الانغلاق، وهذا بحد ذاته يمثل درسًا استخباراتيًا مهمًا: أحيانًا يكون الاختراق الاجتماعي حقيقيًا حتى عندما تكون القصص التي تُبنى حوله لاحقًا مبالغ فيها.
نساء يحلقن كطائر السنونو لملاحقة ناشطين سياسيين خارج إيران
في إيران ظهر مصطلح Parastoo – السنونو لوصف نساء يُقال إن أجهزة الأمن تستخدمهن في عمليات “مصيدة العسل”، والدراسة الأكاديمية الأهم في هذا المجال هي أطروحة Arghawan Farsi التي دافعت عنها في جامعة تشارلز في براغ عام 2023، الدراسة حللت 24 مادة صحفية باللغة الفارسية والإنجليزية، وخلصت إلى وجود أدلة صحفية على استخدام النساء في عمليات Honey Trap ضد معارضين وأصوات معارضة، لكنها شددت على أن معلومات مهمة حول التجنيد والدوافع والتنظيم تظل سرية، وهذا يقود إلى نتيجة مهمة، نساء السنونو وصف لأسلوب عملياتي، وليس اسم جهاز رسمي معلن.
ويقول ESISC المركز الأوروبي للدراسات الأمنية والاستخباراتية إن «Parastoo» استخدم في عمليات نسبت إلى الأجهزة الأمنية الإيرانية لاستدراج ناشطين سياسيين وغيرهم، من خلال العلاقات العاطفية والجنسية وجمع معلومات يمكن استخدامها لاحقًا للضغط على الهدف. كما يربط التقرير بعض عمليات “مصيدة العسل” بعمليات اختطاف.
وتنسجم الصورة العامة مع دراسات أوسع عن القمع العابر للحدود الذي تمارسه الأجهزة الإيرانية ضد المعارضة، لكن الربط المباشر بين كل عملية اختطاف ونساء السنونو يحتاج إلى أدلة خاصة بكل حالة.
حزب الله اللبناني.. استخدام العلاقات الشخصية في التجنيد وجمع المعلومات
لا توجد أدلة مماثلة على وجود برنامج رسمي داخل حزب الله يحمل اسم «السنونو» أو Parastoo، لكن دراسات عن شبكات التجسس التابعة للحزب في إسرائيل أظهرت أن النساء والعلاقات الشخصية ظهرت في بعض عمليات التجنيد، إلى جانب وسائل أخرى مثل المال، والدوافع الأيديولوجية، والروابط الاجتماعية، ووسائل التواصل الإلكتروني.
وفي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS عام 2022، حلل الباحث غيل ريزا 21 حكمًا قضائيًا إسرائيليًا شملت 41 شخصًا اتُّهموا بالتجسس لصالح حزب الله بين عامي 2000 و2021. ووجدت الدراسة أربع نساء جرى تجنيدهن في أعوام 2001 و2002 و2015 و2019، وكانت ثلاث منهن في العشرينيات من العمر عند اكتشاف القضية، بينما كانت إحدى الحالات مرتبطة بعلاقة عاطفية مع أحد المتهمين.
وتشير الدراسة إلى أن طرق التجنيد كانت متنوعة؛ ففي نحو عشر قضايا بدأ المتهمون التواصل، بينما بادر حزب الله إلى التجنيد في سبع قضايا، ولم يكن اتجاه المبادرة واضحًا في أربع قضايا. كما جرت لقاءات مع المشغلين في أماكن ودول مختلفة، من بينها لبنان والأردن وتركيا وألمانيا والمغرب وسوريا والسعودية وبولندا والدنمارك، واستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى بعض الأهداف قبل الانتقال إلى لقاءات مباشرة. وتبين الدراسة أن الدافع المالي كان الأكثر شيوعًا، تلاه الدافع الأيديولوجي وبعض الدوافع النفسية والاجتماعية، ما يعني أن العلاقات الجنسية أو “مصيدة العسل” لم تكن الوسيلة الوحيدة ولا الرئيسية في هذا النمط من التجنيد عند حزب الله.
وفي الإمارات ظهرت قضية مختلفة عام 2016، عندما تناولت وسائل إعلام إماراتية وعربية محاكمة خلية قيل إنها مرتبطة بحزب الله. ووفق ما نقلته CNN بالعربية في 19 أبريل/نيسان 2016 عن صحف إماراتية وما ورد في إفادات أمام المحكمة الاتحادية العليا، تضمنت القضية امرأة ضمن خلية من سبعة أشخاص، وقيل إن بعض أفرادها استخدموا تجمعات وعلاقات اجتماعية لتصوير أشخاص في أوضاع محرجة ثم استخدام التسجيلات للضغط عليهم أو تجنيدهم. وذكرت التقارير أن بعض الأهداف كانوا يعملون في مواقع حساسة، وأن المعلومات التي سعى أفراد الخلية إلى الحصول عليها شملت معلومات حكومية وخرائط مرتبطة بإنتاج النفط والغاز. وهذه التفاصيل ينبغي أن تبقى منسوبة إلى إفادات قضائية وتقارير صحفية عن القضية، لا أن تعمم باعتبارها وصفًا لجميع عمليات حزب الله.
وبذلك، فإن تجربة حزب الله تندرج ضمن النموذج الأوسع لاستخدام العلاقات الشخصية والاجتماعية كإحدى أدوات التجنيد وجمع المعلومات، لكنها تختلف عن النموذج الإيراني المنسوب إلى “السنونو” من حيث عدم وجود دليل مماثل على برنامج معلن أو تسمية عملياتية خاصة بالنساء. كما أن اختزال نشاط التجسس المرتبط بالحزب في العلاقات النسائية وحدها يتجاهل تعدد أساليب التجنيد التي تظهرها القضايا القضائية التي تناولتها الدراسة.
Mia Ash.. عندما أصبحت السنونو رقمية
إذا كانت السنونو التقليدية تعتمد على امرأة حقيقية وعلاقة حقيقية، فقد نقلت التكنولوجيا الفكرة إلى مستوى آخر، ففي عام 2017 كشفت SecureWorks عن شخصية نسائية وهمية باسم Mia Ash، كانت “آش” تبدو كمصورة بريطانية شابة لها حضور على فيسبوك ولينكدإن وواتساب، لكنها في الحقيقة لم تكن موجودة، وتوصل الباحثون إلى أن الحسابات استخدمت صور امرأة حقيقية، وبُنيت لها هوية كاملة بهدف إنشاء الثقة مع أهداف محددة، ووفق SecureWorks، ارتبطت العملية بمجموعة COBALT GYPSY التي اعتبرها الباحثون مرتبطة بعمليات إلكترونية موجهة من الحكومة الإيرانية. وكان الهدف النهائي اختراق شبكات المؤسسات والشخصيات المستهدفة.
وأوضحت مجلة WIRED الأمريكية المتخصصة في التقنية وتأثيراتها العامة، أن «Mia Ash» بدأت محادثاتها مع أحد الأهداف عبر لينكدإن، ثم انتقلت إلى فيسبوك ووسائل أخرى، وبعد أكثر من شهر من بناء الثقة أرسلت له ملفًا ضارًا متخفيًا في صورة استبيان للتصوير، وهنا تظهر مرحلة جديدة من تطور مصيدة العسل، لم تعد هناك حاجة إلى امرأة حقيقية. يكفي أن تكون هناك امرأة رقمية مقنعة لبناء الثقة، وهذا ما يسمى في الأمن السيبراني Social Engineering، وقد وصفت SecureWorks شخصية Mia Ash بأنها أداة لبناء الثقة والعلاقة مع الضحية قبل محاولة اختراق شبكته.
لماذا تبدو التجربة الإيرانية مختلفة؟
الاختلاف الإيراني لا يكمن في اختراع أسلوب جديد، وإنما في السياق السياسي والاجتماعي الذي تعمل فيه الأجهزة الأمنية، فالدولة الإيرانية تفرض رسميًا قيودًا صارمة على العلاقات بين الرجال والنساء، بينما تشير الدراسة الأكاديمية عن “السنونو” إلى استخدام النساء بشكل سريً في عمليات تعتمد على الإغراء وبناء العلاقات. وترى الدراسة أن هذه المفارقة تحمل بعدًا جندريًا واضحًا داخل نظام يقوم رسميًا على الفصل بين الجنسين، وهكذا تصبح القاعدة الاجتماعية نفسها جزءًا من البيئة التي تعمل فيها العملية الاستخباراتية.
في الحروب الاستخباراتية، لا يحتاج اختراق الخصم دائمًا إلى عميل يحمل وثيقة سرية أو جهاز تنصت. أحيانًا تبدأ العملية بعلاقة إنسانية عادية: تعارف، صداقة، ثقة، أو علاقة عاطفية؛ ثم تتحول العلاقة تدريجيًا إلى وسيلة للحصول على معلومات أو التأثير في شخص مستهدف.
في إيران أُطلق على أحد الأنماط المنسوبة إلى أجهزة الأمن اسم «السنونو» (Parastoo)، وهو مصطلح تستخدمه الأدبيات التي تناولت الاستخبارات الإيرانية لوصف نساء يُقال إنهن يُستخدمن في عمليات «مصيدة العسل» لاستدراج أهداف محددة. وتوجد أطروحة أكاديمية بجامعة تشارلز في براغ، دافعت عنها الباحثة الألمانية من أصول فارسية Arghawan Farsi عام 2023، خصصت هذا الموضوع للدراسة، وحللت 24 مادة صحفية بالفارسية والإنجليزية. وخلصت إلى وجود أدلة صحفية على استخدام نساء إيرانيات في عمليات «مصيدة العسل» ضد أصوات معارضة، لكنها شددت على أن تفاصيل التجنيد والدوافع والبنية التنظيمية تبقى في معظمها سرية، لكن “السنونو” ليست بداية قصة استخدام غرف النوم للمقاومة والجهاد، ولن تكون آخرها