تقرير الجزائر

الجزائر وابو ظبي: كيف انهارت شراكة بُنيت على مدى خمسة عقود؟

لم تكن القطيعة الجزائرية–الإماراتية التي أعلنتها الجزائر في 10 سبتمبر 2026 نتيجة حادثة منفردة، بل جاءت في نهاية مسار طويل انتقلت خلاله العلاقة من التقارب السياسي والتعاون العربي إلى شراكة اقتصادية واستثمارية واسعة، ثم إلى خلافات جيوسياسية متراكمة، قبل أن تتحول خلال العامين الأخيرين إلى مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة.

وفي بيانها الصادر في 10 سبتمبر، قالت وزارة الخارجية الجزائرية إن القرار جاء بعد “استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”، واتهمت الإمارات بتزايد “التصرفات الاستفزازية أو العدائية” رغم التحذيرات الجزائرية المتكررة. ولم تحدد الجزائر في بيانها حادثة واحدة باعتبارها السبب المباشر للقطيعة، بما يشير إلى أن القرار جاء نتيجة تراكم طويل من الخلافات وليس ردًا على واقعة واحدة.

لكن التصعيد لم يتوقف عند إعلان القطيعة الدبلوماسية. ففي اليوم التالي، 11 سبتمبر 2026، صعّد التلفزيون الجزائري الرسمي لهجته تجاه أبوظبي، وبث مادة تحدث فيها عن “الطابور الخامس الإماراتي في الجزائر”، وعرض ما قال إنها “أوامر هاتفية” موجهة إلى أطراف داخل البلاد. ووفق الرواية التي قدمها التلفزيون، فإن هذه الاتصالات تمثل دليلًا على وجود أطراف مرتبطة بالإمارات تعمل من داخل الجزائر، في اتهام ينقل الأزمة من خلاف بين دولتين إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بالأمن والتدخل في الشأن الداخلي.

ويمثل هذا التصعيد الإعلامي تحولًا لافتًا في طبيعة الخطاب الجزائري تجاه الإمارات؛ فبعد أن كانت الاتهامات تدور أساسًا حول السياسات الإقليمية والخلافات الدبلوماسية، أصبحت أبوظبي تُتهم، عبر الإعلام الرسمي، بمحاولة التأثير في الداخل الجزائري من خلال أطراف محلية. وفي المقابل، تعاملت أبوظبي مع قرار الجزائر باعتباره خطوة تأمل أن تكون مؤقتة، مؤكدة تمسكها بالعلاقات مع الشعب الجزائري وبالمصالح المشتركة. ويكشف هذا التباين بين لغة القطيعة الجزائرية والتصعيد الإعلامي من جهة، ولغة التهدئة الإماراتية من جهة أخرى، أن الأزمة لم تعد خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما وصلت إلى مرحلة تراجعت فيها قدرة القنوات التقليدية على احتواء التباينات.

لكن أهمية الأزمة لا تكمن في القطيعة الدبلوماسية أو التصعيد الإعلامي وحدهما. فالعلاقة الجزائرية–الإماراتية كانت قد تحولت، على مدى سنوات، إلى شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية والمؤسساتية. ولهذا فإن انهيار العلاقات السياسية يطرح سؤالًا أكبر من مجرد مستقبل التمثيل الدبلوماسي: ماذا سيحدث لشراكة اقتصادية واستثمارية تراكمت على مدى عقود، وما حجم الكلفة التي يمكن أن تتحملها الجزائر والإمارات إذا تحولت القطيعة السياسية إلى قطيعة اقتصادية؟

ومن هنا، فإن فهم الأزمة الحالية يتطلب العودة إلى تاريخ العلاقة بين البلدين، وتتبع الكيفية التي انتقلت بها من التقارب والشراكة إلى التنافس والاتهامات المتبادلة، وصولًا إلى القطيعة التي أعلنتها الجزائر مؤخراً

علاقة بدأت مبكرًا وتجاوزت الاعتراف الدبلوماسي

تعود العلاقة بين الجزائر والإمارات إلى السنوات الأولى لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971. وقدمت الرواية الإماراتية الرسمية العلاقة باعتبارها أقدم من مجرد إقامة علاقات دبلوماسية، إذ قال وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في يناير/كانون الثاني 2020 إن العلاقات تعود إلى بدايات سبعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى الدور الجزائري في مساعدة الإمارات خلال بدايات الاتحاد وتطوير قطاعها النفطي.

وكانت البيئة السياسية العربية في تلك المرحلة تساعد على التقارب. فالجزائر الخارجة من حرب التحرير كانت تنظر إلى نفسها باعتبارها إحدى الدول المركزية في النظام العربي وحركات التحرر، بينما كانت الإمارات دولة اتحادية حديثة تبحث عن تثبيت موقعها الإقليمي والدولي.

وهكذا لم يكن التقارب قائمًا على المصالح التجارية وحدها، بل على رابطة سياسية عربية نشأت في مرحلة كانت فيها القضايا العربية، وخصوصًا فلسطين وحركة عدم الانحياز والعلاقات مع القوى الكبرى، عناصر رئيسية في تحديد السياسة الخارجية للبلدين، وخلال العقود التالية، حافظت العلاقة على مستوى مستقر نسبيًا، ثم أخذت تتحول تدريجيًا من علاقة سياسية إلى علاقة مؤسساتية واقتصادية أكثر اتساعًا.

نقطة التحول من العلاقة السياسية إلى الشراكة الاستراتيجية

تمثل سنة 2009 نقطة تحول حقيقية في تاريخ العلاقات. ففي ذلك العام دخلت شركة DP World الإماراتية بقوة إلى قطاع الموانئ الجزائري، وتشير دراسة أكاديمية نشرتها Wiley عام 2018 حول تطور نموذج دبي في البنية التحتية واللوجستيات إلى أن DP World حصلت في 2009 على ترتيبات لتطوير وتشغيل مينائي الجزائر و جن جن، ضمن توسع عالمي لشبكة الشركة في إدارة الموانئ. وتضع الدراسة الحضور الجزائري ضمن استراتيجية أوسع لتدويل رأس المال والخدمات اللوجستية المرتبطة بدبي.

وبحسب معلومات الشركة التي نقلتها مصادر إماراتية في ذلك الوقت، تولت DP World تشغيل محطة الجزائر، التي كانت تتعامل مع أكثر من 60% من التجارة الخارجية الجزائرية، بينما كان ميناء جن جن مهيأً ليصبح مركزًا رئيسيًا لشرق الجزائر وإعادة الشحن في غرب المتوسط.

وهنا تكمن أهمية هذه الخطوة؛ فالإمارات لم تدخل الجزائر عبر استثمار تجاري عادي، وإنما عبر قطاع البنية التحتية اللوجستية، وهو قطاع يرتبط مباشرة بالتجارة الخارجية وسلاسل الإمداد وحركة الواردات والصادرات، وتوضح DP World في بيانات لاحقة أن الشركة استثمرت قرابة 130 مليون دولار في ميناءي الجزائر و جن جن منذ عام 2009، وبذلك انتقلت الإمارات من كونها شريكًا سياسيًا إلى مستثمر له وجود في بنية تحتية استراتيجية داخل الاقتصاد الجزائري، وهذه النقطة ستكون شديدة الأهمية عند تحليل تداعيات القطيعة؛ لأن إنهاء علاقة سياسية لا يعني تلقائيًا إنهاء امتياز تجاري طويل الأجل.

ولم تتوقف الشراكة عند الموانئ. فخلال العقد التالي توسعت الاتفاقيات الثنائية لتشمل الاستثمار والنقل والطاقة والتعاون الاقتصادي والجمارك والطيران وغيرها، وأصبحت اللجنة المشتركة الجزائرية–الإماراتية إحدى الآليات الأساسية لإدارة العلاقات الاقتصادية، وكان هذا التوسع يعكس تصورًا بأن البلدين قادران على فصل التعاون الاقتصادي عن الاختلافات السياسية.

وقد ظهر هذا التصور بوضوح في يناير 2020، عندما زار عبد الله بن زايد الجزائر بعد انتخاب عبد المجيد تبون، وقال إن الإمارات تتطلع إلى “فصل جديد” في العلاقات، فيما شملت المباحثات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي والزراعة والسياحة والصناعة الميكانيكية والملف الليبي، وهذه اللحظة مهمة لأنها تمثل آخر مرحلة كان فيها الخطاب الرسمي يتحدث عن توسيع الشراكة بدلًا من احتواء الأزمة،لكن البيئة الإقليمية التي دخلها البلدان بعد 2020 لم تكن البيئة نفسها التي تأسست فيها الشراكة الاقتصادية.

تغير البيئة الجيوسياسية

كان عام 2020 نقطة تحول أساسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ففي ذلك العام طبّع المغرب علاقاته مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام، وهي خطوة اتخذتها الإمارات أيضًا. وفي المقابل بقيت الجزائر رافضة للتطبيع مع إسرائيل ومتمسكة بدعم القضية الفلسطينية.

وتشير رويترز في تغطيتها للقطيعة الجزائرية–الإماراتية إلى أن هذا التباين أصبح أحد العناصر الأساسية التي عمقت الخلاف بين الجزائر وأبوظبي، خصوصًا أن الإمارات والمغرب باتا جزءًا من شبكة علاقات إقليمية مختلفة عن تلك التي تتبناها الجزائر.

أما معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ففي دراسة نشرها في نوفمبر 2023، فقد وصف العلاقة الأمريكية مع الجزائر والمغرب بأنها تتطلب موازنة دقيقة بسبب الصحراء الغربية، وربط بين موقف المغرب من الصحراء وعلاقاته مع واشنطن وإسرائيل ضمن البيئة الإقليمية الجديدة التي أوجدتها اتفاقات أبراهام، وفي الوقت نفسه، دخلت العلاقات الجزائرية–المغربية مرحلة أكثر حدة، وصولًا إلى قطع الجزائر علاقاتها مع المغرب في أغسطس 2021.

وفي دراسة نشرها كارنيغي عام 2025، خلص المركز إلى أن التنافس الجزائري–المغربي لم يعد محصورًا في شمال أفريقيا، وإنما تحول إلى منافسة على دوائر النفوذ في شمال وغرب أفريقيا، باستخدام التجارة والطاقة والتحالفات والأدوات الاقتصادية. واعتبر المركز قضية الصحراء الغربية جوهرًا أساسيًا في الحسابات الاستراتيجية للبلدين، وهنا أصبحت السياسة الإماراتية أكثر حساسية بالنسبة إلى الجزائر.

فأبوظبي لم تعد تُرى في الجزائر باعتبارها دولة خليجية بعيدة عن صراع المغرب العربي، بل باعتبارها دولة تمتلك علاقات متنامية مع المغرب وتتبنى مواقف إقليمية تختلف بصورة جوهرية عن الموقف الجزائري، وبذلك أصبح الخلاف بين الجزائر والإمارات جزءًا من صراع إقليمي أوسع على التحالفات والنفوذ.

الصحراء الغربية.. العقدة التي أعادت تعريف العلاقة

لا يمكن فهم الأزمة الجزائرية–الإماراتية من دون فهم الصراع الجزائري–المغربي، فالجزائر تدعم جبهة البوليساريو وتتمسك بمبدأ تقرير المصير، بينما تعتبر الرباط الصحراء جزءًا من أراضيها وتدفع باتجاه حل يقوم على الحكم الذاتي.

وتوضح دراسة نشرها كارنيغي في فبراير 2025 حول مستقبل قضية الصحراء أن الجزائر دعمت البوليساريو منذ سبعينيات القرن الماضي، وأن انهيار وقف إطلاق النار في نهاية 2020 وتطور المواقف الدولية لصالح المغرب أعادا القضية إلى قلب التنافس الجزائري–المغربي.

كما يؤكد معهد واشنطن في دراسة نشرها في فبراير 2026 أن الحساسية التاريخية بين الجزائر والرباط تجعل أي تحرك دولي بشأن الصحراء الغربية يحتاج إلى التعامل بحذر مع الطرف الجزائري، خصوصًا في ظل تغير المقاربة الأمريكية تجاه النزاع، وفي هذا السياق، لم يعد دعم الإمارات للموقف المغربي من الصحراء مجرد موقف خارجي منفصل، ففي مايو 2026، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية رسميًا دعمها لما وصفته بـ”الحقوق السيادية المشروعة” للمغرب على الصحراء، وجددت تضامنها الكامل مع الرباط، وهذه المواقف تجعل من الصحراء الغربية إحدى أهم نقاط التناقض الاستراتيجي بين الجزائر وأبوظبي،ومن هذا المنظور، أصبح التقارب الإماراتي–المغربي يُقرأ في الجزائر باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل ميزان القوى في شمال أفريقيا.

الساحل.. الخلاف الذي تجاوز المغرب

إذا كانت الصحراء الغربية تمثل البعد المغاربي للخلاف، فإن الساحل يمثل بعده الاستراتيجي الأوسع، فالجزائر تعتبر الساحل امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي بحكم حدودها مع مالي والنيجر وليبيا، بينما أصبحت المنطقة خلال السنوات الأخيرة ساحة لإعادة تشكيل التحالفات بعد الانقلابات العسكرية وتراجع النفوذ الفرنسي وصعود أدوار روسية وإقليمية جديدة.

وفي دراسة نشرها كارنيغي في سبتمبر 2025 بعنوان Between the Sahel and the Maghreb، وصف المركز منطقة الساحل بأنها تشهد إعادة اصطفاف استراتيجية، وأن التنافس بين الجزائر والمغرب امتد إلى بوركينا فاسو والنيجر ومالي. وأشار المركز أيضًا إلى أن هذا التحول أتاح لكل من الرباط والجزائر فرصة لتوسيع نفوذهما في المنطقة، واللافت أن الدراسة نفسها تشير إلى اهتمام إماراتي بتمويل مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري–المغربي، ما يعكس أن المصالح الإماراتية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا تتقاطع مع أحد المسارات التي تستخدمها الرباط لتوسيع حضورها الإقليمي.

وفي دراسة أخرى، رأى كارنيغي أن الجزائر والمغرب يستخدمان الأدوات الاقتصادية والطاقة والتجارة لبناء دوائر نفوذ متنافسة في شمال وغرب أفريقيا، وأن التنافس أصبح في بعض جوانبه أقرب إلى لعبة محصلتها صفر؛ إذ يُنظر إلى مكاسب أحد الطرفين باعتبارها خسارة للآخر.

وعليه فإن الاختلاف الجزائري–الإماراتي في الساحل لم يكن مجرد خلاف على دولة بعينها، بل اختلافًا حول شكل النظام الإقليمي الذي يتشكل في شمال وغرب أفريقيا.

من الخلاف الإقليمي إلى اتهامات بالتدخل الداخلي

بلغت الأزمة مستوى أكثر حساسية في 2025 و2026 عندما بدأ الرئيس عبد المجيد تبون يوجه انتقادات مباشرة وغير مباشرة إلى دولة خليجية لم يسمها في بعض تصريحاته، وتكتسب هذه التصريحات أهميتها لأن رويترز اعتبرت الاتهامات الجزائرية السابقة بالتدخل الإماراتي في الشؤون الداخلية أحد العناصر التي راكمت التوتر بين البلدين قبل قرار القطيعة.

وفي يوليو 2026، ذهب تبون في مقابلة متلفزة إلى لهجة أكثر حدة، بحسب الجزيرة، فوصف الإمارات بأنها «دولة صغيرة» تسعى إلى زعزعة الاستقرار، وقال إن الجزائر تريد منها الابتعاد حتى لا «يسيل الدم» في البلاد. كما أشار إلى أن القطيعة كان يمكن أن تحدث قبل ذلك لولا حرص الجزائر على عدم تعميق الانقسامات في العالم العربي، وهنا حدث تحول نوعي في طبيعة الخطاب، فلم يعد الخلاف يدور فقط حول المغرب والصحراء الغربية وإسرائيل وليبيا والساحل، بل دخل مفهوم السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية إلى قلب العلاقة، وهذا النوع من الاتهامات أخطر من الخلاف حول سياسة خارجية؛ لأنه ينقل النزاع من مستوى اختلاف المصالح بين دولتين إلى مستوى التشكيك في نوايا الطرف الآخر تجاه استقرار الدولة نفسها.

أيوب عيسيو.. ملف قضائي تحول إلى سياسي

في هذه البيئة المتوترة، برزت قضية رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو باعتبارها ملفًا أضاف بعدًا جديدًا إلى التوتر الجزائري–الإماراتي. فقد أوقِف عيسيو في مطار برشلونة الإسباني في 25 يوليو 2026، بناءً على مذكرة توقيف دولية صادرة عن السلطات الجزائرية، ودخلت القضية بعد ذلك في مسار قضائي إسباني يتعلق بطلب تسليمه إلى الجزائر. وذكرت صحيفة TSA أن عيسيو، الذي وصفته بأنه رجل أعمال وأوليغارشي جزائري سابق، كان مطلوبًا من القضاء الجزائري بعد صدور أحكام بحقه في قضايا مرتبطة بالفساد، وأن القضاء الإسباني نظر في طلب التسليم المقدم من الجزائر.

وتجاوز الملف لاحقًا إطاره القضائي، بعدما تحوّل إلى قضية سياسية وإعلامية في الجزائر. ففي 24 أغسطس 2026 نشرت وكالة الأنباء الجزائرية APS تقريرًا نقلت فيه عن الصحافة الجزائرية حديثًا عن علاقات عيسيو بدوائر قريبة من إسرائيل والمغرب، وادعت أن هذه الدوائر تتحرك لمنع تسليمه إلى الجزائر. بحسب الرواية التي قدمتها الصحافة الجزائرية.

وفي تطور أكثر صلة بالعلاقات الجزائرية–الإماراتية، نشرت TSA في 5 سبتمبر 2026 تقريرًا قالت فيه إن أبوظبي حرّكت رجل أعمال للتدخل بهدف الحيلولة دون تسليم عيسيو إلى الجزائر. وربطت الصحيفة هذه المزاعم بالسياق المتدهور للعلاقات بين البلدين، معتبرة أن ثبوت هذا التدخل سيجعل القضية بالغة الخطورة من وجهة نظر الجزائر.

وتكتسب القضية أهميتها السياسية من أن ملف عيسيو لم يعد، في الخطاب الإعلامي الجزائري، مجرد طلب تسليم شخص مطلوب قضائيًا؛ بل أصبح نقطة تقاطع بين قضايا الفساد والهروب من العدالة، وشبكات النفوذ الخارجية، والتوتر الجزائري مع المغرب وإسرائيل، والخلاف المتصاعد مع الإمارات.

الخلاف ينتقل إلى المؤسسات

في 7 فبراير 2026 بدأت الجزائر رسميًا إجراءات إنهاء اتفاق الخدمات الجوية مع الإمارات، الموقع في أبوظبي عام 2013 والمصادق عليه في ديسمبر 2014، وأكدت وكالة الأنباء الجزائرية APS أن إجراءات الإنهاء تمت وفق المادة 22 من الاتفاق، مع إخطار الطرف الإماراتي والمنظمة الدولية للطيران المدني، وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها سبقت القطيعة الدبلوماسية بأشهر.

وأشارت رويترز في تغطيتها لقرار سبتمبر إلى أن الجزائر كانت قد بدأت بالفعل في وقت سابق من عام 2026 إنهاء اتفاق الخدمات الجوية الموقع عام 2013، ما يعني أن تراجع العلاقة لم يبدأ مع إعلان القطيعة، وإنما سبقها على المستوى المؤسسي، وكانت هذه الخطوة شديدة الدلالة؛ فالاتفاقات الاقتصادية والنقلية عادة ما تستمر حتى في ظل وجود اختلافات سياسية، لذلك فإن البدء في إنهاء اتفاق الطيران كان بمثابة انتقال من إدارة الخلاف إلى تفكيك بعض أدوات العلاقة نفسها، وبعبارة أخرى، بدأت القطيعة الاقتصادية والمؤسساتية قبل القطيعة الدبلوماسية.

التداعيات الاقتصادية للقطيعة

لا ينبغي المبالغة في حجم الصدمة التجارية، فالعلاقة الاقتصادية الجزائرية–الإماراتية لا تعتمد أساسًا على تجارة سلعية ضخمة تجعل قطع العلاقات يؤدي إلى أزمة اقتصادية شاملة في الجزائر أو الإمارات، لكن القيمة الاستراتيجية للاستثمارات الإماراتية أكبر من حجم التجارة الثنائية، وهنا يأتي قطاع الموانئ في مقدمة الملفات، فوجود DP World في الجزائر ليس مجرد استثمار مالي؛ بل هو جزء من نموذج إماراتي أوسع يقوم على امتلاك وتشغيل وإدارة موانئ ومراكز لوجستية في مواقع استراتيجية حول العالم.

وتُظهر الدراسة الأكاديمية المنشورة في Wiley أن دخول DP World إلى الجزائر عام 2009 جاء ضمن عملية أوسع لتدويل البنية اللوجستية التابعة لنموذج دبي، كما تؤكد بيانات لاحقة أن الشركة استثمرت في الجزائر قرابة 130 مليون دولار منذ 2009، لذلك فإن السؤال الاقتصادي الأساسي بعد القطيعة هو، هل تستطيع الجزائر فصل العقود الاقتصادية عن الخلاف السياسي؟

من الناحية القانونية، القطيعة الدبلوماسية لا تعني تلقائيًا إلغاء العقود التجارية أو مصادرة الاستثمارات، لكنها ترفع مستوى المخاطر السياسية، وقد تؤدي إلى:

  1. تجميد مشروعات إماراتية جديدة.
  2. إعادة تقييم الاستثمارات القائمة.
  3. تأجيل مشروعات توسعة.
  4. زيادة التدقيق الحكومي في القطاعات الاستراتيجية.
  5. البحث عن شركاء بديلين.
  6. زيادة مخاطر التحكيم والنزاعات التعاقدية إذا أُعيدت صياغة بعض الامتيازات.

من يخسر أكثر؟

ليس من الدقة القول إن أحد الطرفين سيخرج من القطيعة الجزائرية–الإماراتية خاسرًا بصورة مطلقة؛ فالخسائر المحتملة تختلف في طبيعتها. الجزائر قد تتحمل تكلفة مباشرة في الاستثمار والتجارة وبعض القطاعات الحيوية، بينما تواجه الإمارات خطر خسارة موطئ قدم استثماري ولوجستي استراتيجي داخل الجزائر وشمال أفريقيا.

الجزائر: خسارة شريك مهم، لكن ليست صدمة للاقتصاد ككل

تخسر الجزائر، في حال تحولت القطيعة السياسية إلى قطيعة اقتصادية، جزءًا من علاقاتها الاستثمارية مع الإمارات، ولا سيما في الموانئ واللوجستيات والبنية التحتية. وتكتسب هذه الخسارة أهمية خاصة في ضوء وجود شركة DP World الإماراتية في ميناء الجزائر وميناء جن جن، فبحسب بيانات الشركة، استثمرت DP World نحو 114 مليون دولار في ميناء الجزائر في البنية التحتية والمعدات والأنظمة، وأسهمت الاستثمارات في رفع الطاقة المناولة للمحطة من نحو 250 ألف حاوية نمطية إلى 755.6 ألف حاوية، مع خفض أوقات انتظار السفن بصورة كبيرة. كما تقول الشركة إن محطة جن جن تمتلك قدرة سنوية تصل إلى مليوني حاوية نمطية.

وتشير بيانات إماراتية إلى أن استثمارات DP World في مينائي الجزائر وجن جن بلغت قرابة 130 مليون دولار منذ 2009، ما يؤكد أن الوجود الإماراتي في قطاع الموانئ ليس مجرد علاقة تجارية عابرة، وإنما استثمار متراكم على مدى سنوات، لكن هذا لا يعني أن الجزائر ستواجه صدمة اقتصادية شاملة. فالناتج المحلي الجزائري بلغ نحو 287 مليار دولار في 2025 وفق بيانات البنك الدولي، كما أن التجارة الجزائرية موزعة على عدد كبير من الشركاء والأسواق، بل إن بيانات التجارة السلعية لعام 2024 تظهر أن صادرات الجزائر إلى الإمارات بلغت نحو 20.3 مليون دولار، مقابل واردات من الإمارات بنحو 605.4 مليون دولار. وهذا يعني أن العلاقة التجارية الثنائية مهمة، لكنها لا تمثل بمفردها وزنًا قادرًا على إحداث اضطراب كلي في الاقتصاد الجزائري.

وعليه، فإن الخسارة الجزائرية الأرجح ستكون قطاعية واستثمارية أكثر منها خسارة للاقتصاد الوطني بأكمله. ويزداد حجمها إذا أدت القطيعة إلى إنهاء أو إعادة التفاوض على امتيازات الموانئ والمشروعات الإماراتية، لأن الجزائر عندها ستحتاج إلى توفير بدائل لرأس المال والخبرة والإدارة اللوجستية التي كانت توفرها تلك الشركات.

الإمارات: خسارة نفوذ استثماري وموقع لوجستي

أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن قياس الخسارة من خلال حجم التجارة الثنائية وحده سيكون مضللًا. فالقيمة الأكبر للوجود الإماراتي في الجزائر تكمن في الاستثمار طويل الأجل والموقع الجغرافي والنفوذ اللوجستي.

وتوضح حالة DP World ذلك بوضوح. فميناء جن جن، بحسب الشركة، يقع على المتوسط بالقرب من الممر البحري الذي يربط قناة السويس بمضيق جبل طارق، ويخدم المناطق الصناعية في شرق الجزائر والمناطق الداخلية، مع اتصال مباشر بشبكة الطرق السريعة. أما محطة DP World في الجزائر العاصمة فتقول الشركة إنها تتعامل مع أكثر من 60% من التجارة الخارجية للبلاد، وهو ما يعكس أهمية الموقع اللوجستي الذي بنت فيه حضورها، والأهم أن الاستثمار الجزائري يأتي ضمن شبكة عالمية أوسع لـDP World. فالشركة تربط موانئها الجزائرية بشبكة تشمل عشرات الدول والموانئ، وتصف الجزائر باعتبارها بوابة إلى شمال أفريقيا والأسواق الأوروبية والأفريقية.

وهنا تظهر الخسارة الإماراتية الحقيقية: فقدان موقع استراتيجي يصعب تعويض قيمته بمجرد تحويل التجارة إلى سوق أخرى. فالجزائر ليست فقط سوقًا استهلاكية كبيرة، وإنما دولة متوسطية ذات مساحة وسكان وموارد طبيعية وموقع بين أوروبا وشمال أفريقيا، ولذلك فإن امتلاك حضور لوجستي فيها يمنح الشركات الإماراتية فرصة للارتباط بسلاسل التجارة الإقليمية على المدى الطويل، ويؤكد صندوق النقد الدولي الأهمية المتزايدة للاستثمارات الخليجية في أفريقيا؛ إذ يقدر أن الإمارات تمثل أكثر من نصف الاستثمارات الخليجية المتراكمة في أفريقيا خلال العقد الأخير، مع تركّز مهم للاستثمارات في قطاعات البناء والطاقة والنقل والتخزين والزراعة، وكانت الجزائر ضمن أكبر وجهات الاستثمار الخليجي في القارة.

الدولة الجزائر
متابعات الجزائر

متابعات الجزائر

فريق التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات