لا يمكن فهم العلاقة العُمانية مع إيران وإسرائيل من خلال منطق الاصطفاف التقليدي الذي حكم العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حافظت عُمان على علاقة مستقرة مع إيران، واستمرت في التواصل معها بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وخلال الحرب العراقية–الإيرانية، قبل أن تتحول مسقط لاحقًا إلى قناة مهمة للاتصالات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات والتفاوض.
وفي المقابل، لم تتعامل عُمان مع إسرائيل باعتبارها طرفًا يجب عزله سياسيًا. فقد فتحت مسقط منذ تسعينيات القرن الماضي قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل، واستقبل السلطان قابوس رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1994، ثم استقبل شمعون بيريز عام 1996، قبل أن يستقبل السلطان قابوس بنيامين نتنياهو في مسقط عام 2018. ومع ذلك، لم تنتقل هذه الاتصالات إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، كما لم تنضم السلطنة إلى اتفاقات أبراهام التي وقعتها دول عربية أخرى مع إسرائيل منذ عام 2020.
وعليه، فإن المسألة لا تتمثل في كون عُمان صديقة لإيران وإسرائيل في الوقت نفسه، بقدر ما تعكس اختيار مسقط منذ عقود الاستقلال عن المحاور باعتباره أداة في سياستها الخارجية. فالعلاقة مع إيران لا تعني الانضمام إلى المحور الإيراني، كما أن التواصل مع إسرائيل لا يعني تبني أجندتها الإقليمية. والهدف الأوسع هو إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع أطراف متعارضة، بما يسمح لعُمان بالحفاظ على هامش حركة مستقل، وتحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى مصدر للوساطة والاتصال بدلًا من تحويله إلى التزام بمحور إقليمي محدد.
وتدعم هذه القراءة دراسة أكاديمية منشورة في دورية Middle Eastern Studies عام 2025 بعنوان «Dissenting from the Inevitable? Understanding Omani Approaches to Israel and the Abraham Accords»، خلصت إلى أن انضمام عُمان إلى اتفاقات أبراهام لم يكن مسارًا مرجحًا، لأن السياسة الخارجية العُمانية تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة، وعلى إبقاء مسقط في موقع الدولة المُحاوِرة والقادرة على التواصل، وليس في موقع الدولة المنضوية داخل محور إقليمي.
غير أن هذه السياسة تواجه في عام 2026 اختبارًا مختلفًا نوعيًا. فالتصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لم يعد مجرد أزمة يمكن لمسقط إدارتها من خارج دائرة المواجهة، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بأمن الخليج ومضيق هرمز وحركة الملاحة والطاقة. وهنا بدأت الميزة التقليدية للسياسة العُمانية ــ أي القدرة على التواصل مع جميع الأطراف ــ تتحول جزئيًا إلى عبء استراتيجي؛ لأن نجاح مسقط في الحفاظ على قنواتها مع طهران وواشنطن وإسرائيل لم يعد يضمن بالضرورة قدرتها على البقاء خارج تداعيات الصراع.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام عُمان في المرحلة الراهنة ليس الاختيار بين إيران وإسرائيل، وإنما الحفاظ على استقلال سياستها الخارجية في بيئة إقليمية تتراجع فيها مساحة الحياد والمناورة. فكلما اتسعت المواجهة حول إيران ومضيق هرمز، أصبح من الصعب على مسقط أن تفصل بين دورها كوسيط وبين موقعها الجغرافي كدولة خليجية تقع مباشرة على خط التوتر.
العلاقة مع إيران: الجغرافيا التي لا تستطيع مسقط تجاهلها
تمتد جذور العلاقة بين عُمان وإيران إلى قرون سابقة، عندما كان الخليج وبحر عُمان مجالًا للتجارة والصراع والنفوذ بين القوى الفارسية والعُمانية. فقد شهد القرن الثامن عشر تدخلات فارسية مباشرة في عُمان، قبل أن يتمكن الإمام أحمد بن سعيد من طرد القوات الفارسية وتأسيس أسرة آل بوسعيد التي تحكم السلطنة حتى اليوم. وتذكر وزارة الخارجية العُمانية أن أحمد بن سعيد تصدى للغزاة الفرس في القرن الثامن عشر، قبل أن يصبح إمامًا ويؤسس السلالة الحاكمة الحالية.
لكن العلاقة لم تكن قائمة على المواجهة وحدها. ففي أواخر القرن الثامن عشر امتد النفوذ العُماني إلى الساحل الفارسي نفسه؛ إذ تشير مكتبة قطر الرقمية التابعة للمكتبة البريطانية إلى أن سلطان مسقط وعُمان أدار ميناء بندر عباس لمدة 75 عامًا بموجب اتفاق بدأ عام 1794. وتكشف هذه الواقعة أن العلاقة بين الطرفين كانت تاريخيًا تتجاوز حدود الجوار الجغرافي إلى تداخل المصالح التجارية والسياسية على ضفتي الخليج.
وكانت مسقط نفسها مركزًا تجاريًا مهمًا يربط الخليج بالساحل الإيراني والمحيط الهندي. وتوضح Encyclopaedia Iranica أن الموانئ العُمانية أصبحت في القرن الثامن عشر مراكز لإعادة تصدير التجارة بين الداخل الفارسي وشبكات المحيط الهندي، في وقت كانت فيه الفارسية والهندية من اللغات المستخدمة على سواحل بحر عُمان إلى جانب العربية.
هذا التاريخ المتقلب يفسر لماذا لا يمكن اختزال العلاقات بين مسقط وطهران في مفهوم التحالف. فقد عرفت الدولتان فترات من الصراع، لكنهما عرفتا أيضًا فترات من التعايش والتجارة وإدارة المصالح المشتركة، وجاء التحول الأكبر في العصر الحديث مع وصول السلطان قابوس إلى الحكم عام 1970. فبينما كانت عُمان تواجه تمرد ظفار، قدمت إيران في عهد الشاه دعمًا عسكريًا مباشرًا للسلطنة. وتصف دراسات أمريكية متخصصة نشرها المؤرخ الأمريكي جيمس ف. غود في دورية Iranian Studies إلى أن التدخل العسكري الإيراني كان من أنجح مبادرات الشاه في سياسته الخارجية، وأنه جاء بناءً على طلب السلطان قابوس لمساندة قواته في قمع التمرد الماركسي في ظفار. ويخلص غود إلى أن القوات الإيرانية أسهمت في ترجيح ميزان القوى لمصلحة السلطان وسرّعت نهاية التمرد، الأمر الذي ترك لدى قابوس تقديرًا وامتنانًا مستمرين تجاه إيران.
لكن العامل الأكثر استمرارًا في تشكيل العلاقة العُمانية–الإيرانية هو الجغرافيا. فعُمان وإيران دولتان متجاورتان على ضفتي الخليج ومضيق هرمز، فيما تملك السلطنة موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية عند المدخل الجنوبي للمضيق من خلال محافظة مسندم، التي تشرف على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. ولذلك لا تستطيع مسقط التعامل مع إيران باعتبارها قوة إقليمية بعيدة يمكن احتواؤها أو عزلها؛ فطهران تقع مباشرة على الجانب الآخر من الممر البحري الذي يمثل جزءًا أساسيًا من أمن عُمان الاقتصادي والأمني.
هذه الحقيقة الجغرافية انعكست تدريجيًا على السياسة الخارجية العُمانية، وحولت العلاقة مع إيران من مجرد علاقة جوار إلى أداة من أدوات النفوذ الدبلوماسي. فبدل أن تنضم مسقط إلى سياسات العزل والمواجهة، حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع طهران، وهو ما منحها قدرة استثنائية على التواصل مع القيادة الإيرانية في الأزمات التي تنقطع فيها قنوات الاتصال بين إيران والولايات المتحدة أو حلفائها.
وفي هذا السياق، كتب أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في 5 فبراير 2026 أن انتقال المحادثات الأمريكية–الإيرانية إلى مسقط يمثل تذكيرًا جديدًا بمكانة عُمان كطرف إقليمي تتمتع طهران بدرجة مرتفعة من الثقة به، خصوصًا عندما تكون الدبلوماسية بين واشنطن وطهران على حافة الانهيار.
ولم تبقَ هذه القراءة في إطار التحليل الأكاديمي؛ ففي 6 فبراير 2026 استضافت مسقط محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، تولى وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إدارة مسارها. وكان ذلك امتدادًا لدور عُماني طويل في توفير قناة اتصال بين واشنطن وطهران، من المفاوضات السرية التي سبقت الاتفاق النووي إلى أزمات لاحقة احتاج فيها الطرفان إلى وسيط قادر على نقل الرسائل بعيدًا عن القنوات الرسمية المباشرة.
وعليه، فإن العلاقة مع إيران لا تمنح عُمان مجرد هامش أمان بحكم الجوار الجغرافي، بل تمنحها أيضًا رأس مال دبلوماسيًا يصعب على دول إقليمية أخرى امتلاكه. فكلما تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، أو بين إيران وبعض دول الخليج، ازدادت قيمة القناة العُمانية باعتبارها واحدة من القنوات القليلة القادرة على إبقاء الاتصال مفتوحًا. وهنا تكمن المفارقة الأساسية في السياسة العُمانية: الجغرافيا التي تجعل إيران مصدرًا دائمًا للمخاطر المحتملة هي نفسها التي جعلت من مسقط وسيطًا مطلوبًا في إدارة هذه المخاطر.
من إيران إلى إسرائيل: لماذا فتحت مسقط قناة موازية؟
لم تكن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى سلطنة عُمان في 25 أكتوبر 2018 مبادرة مفاجئة أو لقاءً بروتوكوليًا عابرًا، وإنما جاءت في سياق اتصالات سرية وحسابات سياسية متشابكة لدى الطرفين. فقد كشفت الزيارة، التي لم يُعلن عنها مسبقًا، عن عودة قناة الاتصال العُمانية–الإسرائيلية إلى الواجهة بعد انقطاع طويل، إذ كان آخر لقاء على هذا المستوى قد جرى عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين مسقط عام 1994، ثم استقبلت إسرائيل وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي عام 1995، قبل أن يفتح البلدان مكاتب تجارية متبادلة عام 1996 أُغلقت بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000. وأشار معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في تحليله المنشور في 26 أكتوبر 2018 إلى أن زيارة نتنياهو كانت الأولى لزعيم إسرائيلي إلى عُمان منذ أكثر من عشرين عامًا، وأنها لم تكن منفصلة عن علاقات أمنية واستخباراتية غير معلنة كانت قد تطورت بين الجانبين خلال السنوات السابقة.
وكان لافتًا أن الوفد الإسرائيلي الذي رافق نتنياهو ضم رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين، ورئيس مجلس الأمن القومي مائير بن شبات، ومدير عام وزارة الخارجية يوفال روتيم، في حين ضم الجانب العُماني عددًا من كبار المسؤولين، بينهم وزير المكتب السلطاني سلطان النعماني ووزير الخارجية يوسف بن علوي ورئيس جهاز الاتصالات والتنسيق منذر السعيدي. وأبرز معهد واشنطن في تحليله بتاريخ 26 أكتوبر 2018 دلالة هذا التشكيل، معتبرًا أن الزيارة لا يمكن اختزالها في مجرد اتصال سياسي علني، بالنظر إلى طبيعة المسؤولين المشاركين فيها، وإلى الدور الذي كانت مسقط تؤديه كقناة خلفية محتملة مع إيران.
وتكشف تفاصيل ظهرت لاحقًا أن التحضير للزيارة كان شديد الحساسية. ففي تحقيق نشره الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد في موقع «أكسيوس» بتاريخ 25 فبراير 2020، نقل عن مسؤولين إسرائيليين أن نتنياهو كان يعتزم في البداية السفر إلى عُمان برفقة مجموعة صغيرة من مساعديه ومن دون زوجته سارة نتنياهو، لكن الخطة تغيرت قبل الزيارة، الأمر الذي استدعى إرسال مسؤول كبير في الموساد إلى القيادة العُمانية قبل يوم واحد لإبلاغها بالتغيير في تشكيل الوفد. ويشير التحقيق إلى أن هذه الواقعة كانت واحدة من مظاهر الحساسية الشديدة التي أحاطت بالترتيبات السرية للزيارة.
لكن الأهم في كواليس الزيارة أن السلطان قابوس لم يكن ينظر إلى نتنياهو باعتباره شريكًا في تحالف إقليمي جديد، وإنما حاول توظيف اللقاء في إطار الدور الذي سعت عُمان إلى ترسيخه لنفسها كقناة اتصال بين الأطراف المتخاصمة. ففي تحقيق “أكسيوس” المنشور في 25 فبراير 2020، كشف مسؤولون إسرائيليون أن السلطان قابوس كان يأمل في استخدام زيارة نتنياهو منصة لطرح أفكار من شأنها إعادة تحريك عملية السلام الإسرائيلية–الفلسطينية. ولم يتوقف هذا المسار عند لقاء مسقط، إذ عاد وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي إلى طرح المقترح مع نتنياهو في وارسو في فبراير 2019، بعد أن كان نتنياهو قد طلب توضيحات بشأنه. وبذلك يظهر أن أحد الدوافع الأساسية لمسقط كان استخدام قناتها مع إسرائيل لخدمة وظيفة الوساطة، وليس الانتقال إلى إقامة تحالف معها.
وهذا الدور العُماني لم يكن جديدًا. فقد كشف باراك رافيد في “أكسيوس” بتاريخ 2 فبراير 2020، نقلاً عن أربعة مسؤولين إسرائيليين سابقين، أن السلطان قابوس كان قد عرض عام 2013 مبادرة لفتح قناة خلفية سرية للحوار بين إسرائيل وإيران بهدف تخفيف التوتر بينهما، لكن نتنياهو رفض المبادرة آنذاك. وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة عند تفسير زيارة 2018؛ لأنها تظهر أن قابوس لم يكن يرى في التواصل مع إسرائيل وسيلة لمواجهة إيران، بل كان يحاول امتلاك قناة تمكنه من التواصل مع الخصوم جميعًا.
ومن الجانب الإسرائيلي، كانت للزيارة دوافع مختلفة لكنها لا تتعارض بالضرورة مع الحسابات العُمانية. فقد رأى نتنياهو في مسقط فرصة لإظهار اتساع شبكة الاتصالات الإسرائيلية في الخليج، خصوصًا أن عُمان كانت تتميز بعلاقاتها مع إيران والولايات المتحدة في آن واحد. وفي تحليل معهد واشنطن بتاريخ 26 أكتوبر 2018، اعتبر سايمون هندرسون وأساف أوريون أن الزيارة أظهرت نجاح النهج الإقليمي لنتنياهو، كما أبرز التحليل موقع عُمان كقناة خلفية محتملة مع إيران، إضافة إلى كون الزيارة رسالة بأن السعودية والإمارات ليستا الطريقين الوحيدين للدبلوماسية الإسرائيلية في الخليج.
أما مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، فقد نشر تحليلاً لستيفن كوك في 7 نوفمبر 2018 تحت عنوان Oman Just Bought Israeli Insurance، ثم حدّثه المجلس في 14 نوفمبر 2018، ليقدّم تفسيرًا أكثر براغماتية للخطوة. ورأى كوك أن السلطان قابوس كان يتصرف وفق منطق «التأمين» السياسي؛ فمسقط كانت تواجه ضغوطًا إقليمية ودولية متزايدة، وكانت تحتاج إلى الحفاظ على علاقات قوية مع واشنطن، في الوقت الذي تتمسك فيه بعلاقاتها مع طهران. واعتبر أن الانفتاح العلني على إسرائيل يمكن أن يمنح السلطنة هامشًا إضافيًا لدى الولايات المتحدة، خصوصًا أن عُمان كانت قد لعبت دورًا مهمًا في الاتصالات الأمريكية–الإيرانية التي سبقت الاتفاق النووي لعام 2015.
وتتقاطع هذه القراءة مع ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 26 أكتوبر 2018 في تقرير بعنوان Israeli Prime Minister Visits Oman, Offering a Possible Back Channel to Iran، حيث ربطت الصحيفة أهمية الزيارة بإمكانية أن توفر مسقط قناة خلفية في التعامل مع إيران، بالنظر إلى العلاقات التي حافظت عليها السلطنة مع طهران. كما أشار التقرير إلى أن الزيارة جاءت في وقت كانت فيه إسرائيل تسعى إلى توسيع علاقاتها مع الدول العربية التي تشاركها مخاوفها بشأن إيران. ويعزز ذلك فكرة أن إيران كانت حاضرة في الخلفية الاستراتيجية للزيارة، وإن لم يكن هناك دليل علني يثبت أن نتنياهو وقابوس توصلا إلى ترتيبات مشتركة ضد طهران.
أما عُمان نفسها، فقد حرصت على تقديم الزيارة باعتبارها جزءًا من سياسة الحوار والوساطة، لا إعلانًا عن تحالف جديد. وفي اليوم التالي للزيارة، 27 أكتوبر 2018، نقلت وسائل إعلام دولية عن وزير الخارجية يوسف بن علوي قوله: إن إسرائيل دولة موجودة في المنطقة، وإن مسقط تسعى إلى تقديم أفكار تساعد في تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مع تأكيده أن عُمان لا تقوم بدور الوسيط الرسمي. وجاء هذا التصريح منسجمًا مع الرسالة التي أرادت مسقط إيصالها وهي أن الاعتراف بوجود إسرائيل والتواصل معها لا يعني التخلي عن العلاقة مع إيران أو الدخول في محور إسرائيلي.
وهكذا، فإن الأدلة المتاحة من معهد واشنطن في 26 أكتوبر 2018، ومجلس العلاقات الخارجية في 7 و14 نوفمبر 2018، ثم تحقيقات “أكسيوس” في 2 و25 فبراير 2020، ترسم صورة أكثر تعقيدًا من فكرة التحالف العُماني–الإسرائيلي، فالزيارة كانت نتيجة تقاطع مصالح، نتنياهو أراد توسيع شبكة العلاقات الإسرائيلية في الخليج وإظهار قدرته على اختراق الحاجز العربي، بينما أراد قابوس توظيف إسرائيل ضمن شبكة اتصالاته الإقليمية، والاستفادة من علاقته بواشنطن وطهران في الوقت نفسه، مع محاولة تحريك الملف الفلسطيني. ولذلك فإن زيارة 2018 تبدو، وفق هذه الأدلة، جزءًا من استراتيجية عُمانية أوسع تقوم على امتلاك قنوات اتصال متعددة الاتجاهات، لا خروجًا على العلاقة مع إيران ولا بداية لتحالف استراتيجي عُماني–إسرائيلي.
لماذا لم تنضم عُمان إلى اتفاقات أبراهام؟
بعد توقيع الإمارات والبحرين اتفاقات أبراهام مع إسرائيل عام 2020، اتجهت التوقعات إلى أن عُمان قد تكون الدولة الخليجية التالية التي تنضم إلى مسار التطبيع. وكانت هذه التوقعات تستند إلى سجل طويل من الاتصالات العُمانية–الإسرائيلية؛ فقد كانت مسقط من أوائل العواصم الخليجية التي فتحت قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل، واستقبلت مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، بما في ذلك زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مسقط في نوفمبر/تشرين الثاني 2018. ومع ذلك، لم تتحول هذه الاتصالات إلى اتفاق تطبيع رسمي.
وتقدم دراسة جيمس وورال المنشورة في دورية Middle Eastern Studies عام 2025 تفسيرًا مهمًا لهذه المفارقة. فالدراسة، التي حملت عنوان «Dissenting from the Inevitable? Understanding Omani Approaches to Israel and the Abraham Accords»، تجادل بأن انضمام عُمان إلى اتفاقات أبراهام لم يكن أمرًا حتميًا كما افترضت بعض التحليلات بعد تطبيع الإمارات والبحرين. ويرى وورال أن السياسة العُمانية تجاه إسرائيل لم تكن قائمة على هدف الوصول إلى التطبيع بحد ذاته، وإنما على استخدام العلاقة مع إسرائيل ضمن شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية والدولية، تسمح لمسقط بالحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة في آن واحد.
وتكمن أهمية هذا التفسير في أنه يوضح الفارق بين النموذج العُماني والنموذج الإماراتي. فقد تعاملت أبوظبي مع العلاقة مع إسرائيل باعتبارها مشروعًا يمكن أن يتطور إلى شراكة سياسية واقتصادية وأمنية معلنة، في حين تعاملت مسقط مع العلاقة باعتبارها أداة دبلوماسية وقناة اتصال يمكن استخدامها عندما تخدم سياسة الوساطة والتهدئة التي تتبناها السلطنة.
ومن هذه الزاوية، فإن الاتصالات العُمانية–الإسرائيلية لم تكن بالضرورة مقدمة تلقائية للتطبيع، بل كانت جزءًا من سياسة أوسع تقوم على إبقاء جميع الأبواب مفتوحة. فمسقط استطاعت أن تتحدث مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها التاريخية مع إيران، وتبقي قنواتها مفتوحة مع الولايات المتحدة، وتؤكد دعمها للقضية الفلسطينية. وهذه القدرة على التواصل مع أطراف متعارضة هي التي منحت الدبلوماسية العُمانية قيمتها الإقليمية.
ولهذا يمكن فهم عدم انضمام عُمان إلى اتفاقات أبراهام ليس باعتباره رفضًا مطلقًا للعلاقة مع إسرائيل، وإنما باعتباره رفضًا لتحويل علاقة الاتصال إلى التزام استراتيجي معلن. فالتطبيع الرسمي كان سيعيد تعريف موقع السلطنة داخل شبكة التوازنات الإقليمية، بينما كانت ميزة مسقط الأساسية تتمثل أصلًا في قدرتها على البقاء خارج الاصطفافات الحادة.
وعليه، فإن مفارقة السياسة العُمانية تجاه إسرائيل تتمثل في أن مسقط كانت من أكثر العواصم الخليجية استعدادًا للحوار مع إسرائيل، لكنها لم تكن بالضرورة من أكثرها استعدادًا للتطبيع الرسمي معها. فالانفتاح العُماني على إسرائيل كان جزءًا من سياسة «الإبقاء على الأبواب مفتوحة»، بينما كان الانضمام إلى اتفاقات أبراهام سيعني الانتقال من إدارة العلاقة إلى إعادة تعريفها.
ومن ثم، فإن عدم توقيع عُمان على اتفاقات أبراهام لا يمثل قطيعة مع سياستها السابقة تجاه إسرائيل؛ بل يمكن النظر إليه، باعتباره استمرارًا لهذه السياسة نفسها: التواصل مع الجميع، والتحالف مع أحد أقل قدر ممكن، والاحتفاظ بمساحة تسمح لمسقط بأن تتحدث مع الخصوم في الوقت ذاته.
القضية الفلسطينية هي الحد الفاصل
يبقى الموقف من القضية الفلسطينية العامل الأهم الذي يمنع وصف السياسة العُمانية بأنها تطبيع كامل مع إسرائيل. فعلى الرغم من أن مسقط أقامت منذ تسعينيات القرن الماضي قنوات اتصال مباشرة مع إسرائيل، واستقبلت مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، فإنها لم تنتقل إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، ولم تنضم إلى اتفاقات أبراهام التي وقعتها الإمارات والبحرين عام 2020.
ويظهر هذا الفارق بوضوح في الموقف الرسمي العُماني من التسوية الفلسطينية–الإسرائيلية. فقد حافظت مسقط على تأييدها لحل الدولتين، وربطت الوصول إلى السلام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس المرجعيات الدولية، مع تأكيد أن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. وتذكر خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) في تقريرها عن عُمان أن السلطنة ليست طرفًا في اتفاقات أبراهام، وأن المسؤولين العُمانيين واصلوا التأكيد على حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب انتقادهم للسياسات الإسرائيلية في غزة.
واللافت أن هذا الموقف لم يتراجع بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل أصبح أكثر وضوحًا وعلنية. ففي تحليل نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في 5 مارس/آذار 2024، رأى جيمس وورال أن الدبلوماسية العُمانية بدأت، بعد الحرب، في الانتقال من نمطها التقليدي القائم على الهدوء والقنوات الخلفية إلى خطاب أكثر علنية وحزمًا. وأشار إلى أن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دعا في فبراير/شباط 2024 إلى عقد مؤتمر دولي عاجل يتولى وضع ترتيبات قيام الدولة الفلسطينية.
وهنا تظهر خصوصية النموذج العُماني: مسقط لا تنظر إلى الاتصال بإسرائيل باعتباره غاية في ذاته، بل كجزء من سياسة أوسع تقوم على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الأطراف المتعارضة. ولذلك استطاعت السلطنة أن تتواصل مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقاتها مع إيران، وأن تستخدم هذه الشبكة من العلاقات في الوساطة والاتصالات السياسية، من دون أن تذهب إلى الخطوة التي اتخذتها الإمارات والبحرين، أي تحويل الاتصالات إلى علاقات دبلوماسية رسمية ضمن اتفاقات أبراهام.
ومن ثم، فإن القضية الفلسطينية تمثل الخط الفاصل بين “التواصل” و”التطبيع” في الحالة العُمانية. فمسقط قد تقبل بالاتصال والحوار وحتى استضافة المسؤولين الإسرائيليين عندما ترى في ذلك خدمة لدورها الدبلوماسي، لكنها لم تعتبر أن إقامة علاقة طبيعية مع إسرائيل يمكن أن تنفصل عن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية. وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا بقيت عُمان خارج اتفاقات أبراهام، رغم أن سجلها التاريخي في التواصل مع إسرائيل كان أقدم من سجل بعض الدول التي انضمت إليها.
حرب 2026: عندما أصبح التوازن نفسه مهددًا
قبل 2026 كان بإمكان عُمان أن تحافظ على علاقاتها المتعارضة لأن الصراع كان في الغالب خارج أراضيها. أما في 2026 فقد أصبح أمن الخليج ومضيق هرمز في قلب الصراع، ولم تعد السلطنة مجرد دولة تراقب التوتر من موقع الوسيط، بل أصبحت نفسها جزءًا من تداعياته الأمنية المباشرة, ففي 3 يونيو 2026 قالت خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي إن الحرب الأمريكية/الإسرائيلية–الإيرانية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز أمام معظم حركة الشحن شكلا مخاطر أساسية على الأمن والحيوية الاقتصادية لدول مجلس التعاون، بما فيها عُمان. وهنا ظهرت مشكلة لم تكن موجودة بالدرجة نفسها سابقًا: عُمان ليست مجرد وسيط في أزمة تتعلق بإيران؛ إنها دولة تقع على أحد أهم مسارح هذه الأزمة.
وتزداد حساسية هذا الوضع بالنظر إلى تعرض عُمان نفسها لهجوم إيراني خلال الحرب، وهو تطور حمل دلالة سياسية وأمنية تتجاوز الأضرار المباشرة للهجوم. فمسقط حافظت لعقود على علاقة خاصة مع طهران، وأبقت قنوات الحوار مفتوحة معها حتى في أكثر مراحل التوتر الإقليمي حساسية، كما لعبت دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة. ولذلك فإن تعرضها لهجوم من إيران كشف حدود الرهان على أن العلاقات التاريخية والاتصالات الدبلوماسية يمكن أن توفر للسلطنة حماية من تداعيات الصراع.
وبذلك أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف تستطيع عُمان أن تحافظ على دور الوسيط بين إيران وخصومها، في الوقت الذي تعرضت فيه هي نفسها لعمل عسكري إيراني يمس أمنها وسيادتها ويشكك في احترام طهران لمكانة مسقط ودورها الاقليمي، فالهجوم وضع السياسة العُمانية أمام اختبار لم تواجهه بالحدة نفسها في السابق؛ إذ لم يعد التوازن مجرد سياسة خارجية، وإنما أصبح مرتبطًا مباشرة بقدرة الدولة على حماية أراضيها ومصالحها.
وفي 29 يوليو 2026 ذكرت قناة الجزيرة أن إيران وعُمان تبادلتا مقترحات بشأن إدارة المضيق، وأن طهران رفضت مقترحًا عُمانيًا للرقابة المشتركة وطرحت تصورًا أكثر اتساعًا لدورها. وفي 8 أغسطس 2026 ذكرت الجزيرة أن طهران ومسقط كانتا تقتربان من تفاهم بشأن مسارات الملاحة، لكن إيران ربطت إعادة فتح المضيق بالكامل بتعهدات أمريكية.
ثم في 12 سبتمبر/أيلول 2026 نقلت رويترز أن اجتماعًا خليجيًا–إيرانيًا مرتقبًا في عُمان يبحث مستقبل الملاحة في المضيق، وأن مسقط تحاول التوصل إلى ترتيبات تضمن استمرار المرور التجاري، في حين تتمسك إيران بمطالب تتعلق بدورها في إدارة الملاحة، وهذه التطورات تكشف تحولًا جوهريًا في الدور العُماني. فمسقط لم تعد تتوسط فقط بين عاصمتين متخاصمتين، بل أصبحت تحاول إدارة أزمة تمس أمنها ومصالحها الاقتصادية وموقعها الجغرافي، بينما يتعين عليها في الوقت نفسه التعامل مع إيران بوصفها دولة جارة وشريكًا في الحوار وطرفًا تسبب في تهديد مباشر لأمن السلطنة خلال الحرب.
ومن هنا فإن حرب 2026 لا تختبر قدرة عُمان على الوساطة فحسب، وإنما تختبر حدود عقيدة الحياد العُماني نفسها. فالحياد قد يسمح لمسقط بالحفاظ على قنوات الاتصال مع الجميع، لكنه لا يضمن لها أن تبقى خارج تداعيات الصراع، ولا يمنع أحد الأطراف من التعامل معها باعتبارها جزءًا من مسرح العمليات عندما تتغير حسابات الحرب.
ولهذا تبدو السياسة العُمانية أمام معادلة دقيقة: لا تستطيع مسقط قطع قنواتها مع طهران، لأن الجغرافيا والتاريخ والمصالح الأمنية تجعل التواصل معها ضرورة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح للعلاقة الخاصة مع إيران بأن تتحول إلى عبء على أمنها وسيادتها. ومن ثم فإن الحفاظ على التوازن لم يعد يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف فقط، بل أصبح يعني أيضًا وضع حدود واضحة لما يمكن أن تقبله السلطنة من كل طرف.
وقد يكون هذا هو التحول الأهم الذي فرضته حرب 2026 على السياسة العُمانية: الانتقال من حياد يسعى إلى تجنب الاستقطاب إلى حياد أكثر صرامة في الدفاع عن المصالح الوطنية. فمسقط تستطيع أن تستمر في الحوار مع طهران وواشنطن ودول الخليج، وأن تواصل لعب دور الوسيط، لكنها في الوقت نفسه باتت مطالبة بإثبات أن الوساطة لا تعني التسامح مع المساس بأمنها.