تملك دول الخليج العربي واحدة من أهم مصادر القوة الاقتصادية في العالم. فالنفط والغاز منحاها ثروة كبيرة ومكانة مؤثرة في الاقتصاد والسياسة الدوليين. لكن هذه القوة لا تعني بالضرورة امتلاك جميع عناصر القوة الأخرى؛ فما زالت دول الخليج تعتمد بدرجات مختلفة على الخارج في مجالات حيوية، من الصناعات المتقدمة والتقنيات إلى الغذاء والدواء وبعض متطلبات الأمن والدفاع.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم العمل الخليجي المشترك. فالتحديات التي تواجه دول المنطقة لم تعد منفصلة، كما أن الأزمات الأخيرة أظهرت أن الاعتماد على القدرات الوطنية لكل دولة بمفردها قد لا يكون كافياً في مواجهة أزمات واسعة تتداخل فيها السياسة والأمن والاقتصاد وسلاسل الإمداد.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في تطوير مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي تأسس في 25 مايو 1981، من صيغة التعاون الحالية إلى مستوى أكثر تقدماً من التكامل. وليس المقصود بالضرورة إلغاء سيادة الدول الأعضاء أو إقامة دولة واحدة، وإنما يمكن بحث صيغة اتحادية أو كونفدرالية تمنح الدول مساحة واسعة للحفاظ على استقلال قراراتها، مع إنشاء مؤسسات مشتركة في المجالات التي تتطلب قوة جماعية.
فبعد أكثر من أربعة عقود على تأسيس المجلس، لا يزال مستوى التكامل الخليجي أقل من الإمكانات التي تتيحها الموارد المشتركة وحجم المصالح المتداخلة بين دوله. وقد كشفت الأزمة الخليجية التي بدأت عام 2017 عن هشاشة العمل الجماعي عندما تصل الخلافات السياسية إلى مستوى عميق بين الدول الأعضاء. ومن ثم فإن المطلوب ليس مجرد عقد المزيد من الاجتماعات أو إنشاء لجان جديدة، وإنما بناء آليات قادرة فعلاً على تحويل القرارات المشتركة إلى مشاريع ومؤسسات تعمل على الأرض.
وأهم هذه المشاريع هو الانتقال من مفهوم التعاون الاقتصادي إلى مفهوم الاعتماد المتبادل الاستراتيجي. تستطيع دول الخليج، إذا جمعت إمكاناتها المالية والعلمية والبشرية، أن تبني قاعدة صناعية أكثر قوة، وأن تطور صناعات متقدمة في المجالات ذات الاستخدامات المدنية والاستراتيجية، وأن تستثمر بصورة أكبر في الأمن الغذائي والمائي والصناعات الدوائية والتقنيات الحديثة.
ولا ينبغي أن تكون هذه المؤسسات مجرد أجهزة بيروقراطية إضافية. المطلوب لجان ومؤسسات ذات أهداف محددة، وميزانيات واضحة، ومؤشرات لقياس النتائج، بحيث يعرف المواطن الخليجي ما الذي تحقق فعلاً من كل مشروع مشترك. فالثروة وحدها لا تصنع الاستقلال؛ الاستقلال يحتاج إلى معرفة وإنتاج وقدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية وقت الأزمات.
وفي هذا السياق، تستحق التجربة الإيرانية دراسة موضوعية، بصرف النظر عن الخلاف السياسي العميق بين دول الخليج وإيران. فقد تعرضت إيران لعقوبات أمريكية منذ عام 1979، وطورت على مدى عقود خبرات محلية في عدد من القطاعات، واستثمرت في تقليل بعض أشكال اعتمادها على الخارج. وتشير دراسات عن العقوبات المفروضة على إيران إلى أن البلاد راكمت خبرة طويلة في التعامل مع الضغوط الاقتصادية ومحاولة الحد من آثارها.
لكن دراسة التجربة الإيرانية لا تعني اعتبارها نموذجاً مثالياً أو تجاهل سياساتها الإقليمية. فهناك فارق كبير بين الاستفادة من تجربة دولة في بناء قدرات محلية وبين تبني خياراتها السياسية. والدرس الأهم بالنسبة لدول الخليج هو أن امتلاك القدرات الذاتية يمنح الدولة مساحة أوسع للمناورة، حتى عندما تكون مرتبطة بشراكات قوية مع قوى دولية.
لذلك لا تحتاج دول الخليج إلى الدخول في مواجهة مع الغرب حتى تحقق قدراً أكبر من الاستقلال. العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا يمكن أن تستمر كشراكة استراتيجية واقتصادية مهمة، لكن الشراكة تكون أكثر توازناً عندما يمتلك كل طرف خياراته وقدرته على حماية مصالحه. فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة، كما أن التعاون مع القوى الكبرى لا ينبغي أن يعني الاعتماد عليها في كل قطاع حيوي.
ويبرز الأمن الغذائي مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أثبتت تجارب المنطقة أن الإنتاج الزراعي في بيئة شحيحة المياه يواجه حدوداً اقتصادية وبيئية حقيقية، ولذلك لا يمكن اختزال الأمن الغذائي في زراعة القمح أو زيادة الإنتاج المحلي بأي ثمن. المطلوب هو استراتيجية أوسع تشمل الزراعة الحديثة، وتحلية المياه، وإعادة استخدام المياه، والاستثمار الزراعي الخارجي، والمخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الاستيراد. وتجربة السعودية نفسها توضح أن السياسات الزراعية يمكن أن تتغير عندما تصبح كلفة استهلاك المياه والموارد عاملاً حاسماً؛ فقد بدأت المملكة منذ 2008 برنامجاً تدريجياً لإنهاء شراء القمح المنتج محلياً.
ومن هنا، فإن القضية ليست أن تقول دول الخليج «لا» للغرب لمجرد الرفض، وإنما أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تقول «نعم» أو «لا» وفقاً لمصالحها الوطنية، لا وفقاً لحاجتها إلى الخارج. وهذا يتطلب بناء القوة من الداخل: اقتصاداً أكثر تنوعاً، وصناعة أكثر تقدماً، وأمناً غذائياً ومائياً أفضل، وقدرات علمية وتقنية متطورة، وتكاملاً حقيقياً بين الدول الست.
ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لمجلس التعاون بعد أكثر من أربعة عقود على تأسيسه: هل يبقى إطاراً للتنسيق بين دول متجاورة، أم يتحول إلى مشروع استراتيجي قادر على بناء قوة خليجية جماعية؟
إن الانتقال إلى اتحاد خليجي أكثر تكاملاً لن يكون سهلاً، وسيحتاج إلى توافق سياسي طويل المدى وإلى معالجة هواجس السيادة وتوزيع الأدوار والمصالح بين الدول الأعضاء. لكنه، إذا تحقق تدريجياً، قد يمنح الخليج قدرة أكبر على حماية مصالحه والتعامل مع القوى الكبرى من موقع أكثر توازناً.
فالخليج لا يفتقر إلى المال أو الموارد. ما ينقصه، في المقام الأول، هو تحويل جزء أكبر من هذه الثروة إلى قدرة إنتاجية ومعرفية واستراتيجية مشتركة. وعندها لن تكون قوة الخليج قائمة فقط على ما يستخرجه من باطن الأرض، بل أيضاً على ما ينتجه بعقول أبنائه ومؤسساته.