تُنتسب الإسماعيلية إلى إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد، وهي إحدى الفرق التي تفرعت عن التشيع الإمامي، وتقول بإمامة علي بن أبي طالب وذريته. وارتبط ظهورها بالخلاف الذي نشأ بعد وفاة الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق عام 148هـ/765م حول تحديد الإمام الذي يخلفه؛ ففي حين قالت الإمامية الاثنا عشرية بإمامة موسى بن جعفر الكاظم، تمسكت جماعات أخرى بإمامة إسماعيل بن جعفر أو ذريته.
ويذكر النوبختي في كتابه «فرق الشيعة» أن جماعة قالت إن الإمام بعد جعفر بن محمد هو ابنه إسماعيل، وإنها أنكرت وفاته في حياة أبيه، وفسرت ذلك بأنه كان نوعًا من التلبيس والستر، وأن إسماعيل هو القائم الذي سيظهر ويقيم أمر الناس. وتطورت هذه الجماعات لاحقًا إلى فروع متعددة، من بينها الإسماعيلية الطيبية التي انقسمت في أواخر القرن السادس عشر إلى الداوودية والسليمانية.
وتشير “موسوعة إيرانكا” إلى أن الانقسام السليماني–الداوودي نشأ بعد وفاة الداعي المطلق داود بن عجب شاه، عندما اختلف أتباع الدعوة الطيبية حول من يخلفه. واعترفت غالبية الطيبية في الهند بداود برهان الدين، بينما اعترفت غالبية الطيبية في اليمن بسليمان بن حسن، ومن هنا عُرف أتباع هذا الخط بالسليمانيين.
ومن ثم فإن الإسماعيلية السليمانية في نجران ليست امتدادًا مباشرًا للخلاف الأول حول إسماعيل بن جعفر فحسب، وإنما هي نتيجة لمسار طويل من التطور والانقسامات داخل الإسماعيلية نفسها، انتهى إلى نشوء مؤسسة دعوية مستقلة أصبح مركزها التاريخي في اليمن ثم نجران.
ويعتقد السليمانيون، شأنهم شأن التقاليد الإسماعيلية، بوجود إمام أو مرجع ديني مستمر، وتطورت لديهم مؤسسة «الداعي المطلق» التي أصبحت مركز السلطة الدينية للجماعة.
وما يهمنا في هذا البحث هو واقع المذهب الإسماعيلي السليماني في نجران، ليس من الناحية العقائدية، وإنما من ناحية تأثيره وتأثره بمحيطه السياسي والاجتماعي، وكيف انتقلت الدعوة من بيئتها اليمنية الأولى إلى نجران، ثم تحولت من مؤسسة ذات نفوذ سياسي واجتماعي واسع إلى مرجعية دينية داخل الدولة السعودية الحديثة.
موقف الدولة الزيدية تجاه الجماعة الإسماعيلية
كان اليمن المحطة الأساسية لنشاط الدعوة السليمانية، وأصبح حراز أحد أبرز مراكزها التاريخية. ومع مرور الوقت ارتبطت قيادة الدعوة بعائلة المكارمة، التي أصبحت الأسرة الدينية الرئيسية في السليمانية.
وتشير «موسوعة إيرانكا» إلى أن السليمانيين اتخذوا من اليمن مركزًا لدعوتهم، وأن الدعاة ارتبطوا بعائلة المكارمة، بينما تمكنوا في فترات تاريخية من ممارسة نفوذ سياسي على نجران بمساندة من بني يام.
وهذا يعني أن العلاقة بين الدعوة والقبيلة لم تكن علاقة مذهبية فقط، بل كانت جزءًا من البنية السياسية للمنطقة. فالمكارمة مثلوا القيادة الدينية، بينما شكلت يام القوة القبلية الرئيسية التي وفرت للدعوة في مراحل تاريخية سندًا اجتماعيًا وعسكريًا.
وتقدم دراسة أكاديمية بعنوان «من باريس إلى الطائف: السيادة والحدود ومسألة الأقليات في شبه الجزيرة العربية»، نشرتها جامعة كامبردج عام 2024، صورة أكثر وضوحًا لهذه البنية. وتشير الدراسة إلى أن نجران كانت تضم اتحاد يام القبلي، في حين ارتبطت النخبة الدينية الإسماعيلية بدرجة أكبر بالمكارمة، وهو ما أدى إلى وجود مستويين متداخلين من القيادة: قيادة قبلية وقيادة دينية.
ومن هنا لا يصح الربط الآلي بين الانتماء القبلي والانتماء المذهبي؛ فوجود الإسماعيلية بين أبناء يام لا يعني أن يام كتلة مذهبية واحدة، كما أن الخلاف داخل البيئة الإسماعيلية لا يتطابق بالضرورة مع خطوط الانقسام القبلي.
دخل السليمانيون في مراحل مختلفة في صراعات مع القوى الزيدية في اليمن، ولم تكن هذه الصراعات مذهبية خالصة، بل تداخل فيها الصراع على النفوذ والسيطرة المحلية.
وفي القرن التاسع عشر أدى التوسع العثماني في اليمن إلى إضعاف القوة السياسية والعسكرية للسليمانيين في حراز، وتحول مركز الثقل بصورة أكبر نحو نجران.
وقد شكلت هذه المرحلة أحد الأسباب التاريخية التي جعلت نجران تتحول من منطقة طرفية بالنسبة إلى الدعوة إلى مركزها السياسي والديني والاجتماعي.
نجران والدعوة السليمانية بين الماضي والحاضر
دخلت العلاقة بين الدعوة السليمانية والسلطة اليمنية مرحلة شديدة الحساسية خلال عامي 1933 و1934. وتشير دراسة المؤرخ سلطان العامر، المنشورة في Nationalities Papers عن طريق مطبعة كامبردج في 17 أكتوبر 2024، إلى أن قوات ولي العهد اليمني أحمد بن حميد الدين احتلت أجزاء واسعة من نجران خلال عام 1933، وأن مدينة بدر، التي كانت مقرًا للقيادة الدينية السليمانية، تعرضت في سبتمبر من ذلك العام لتدمير عدد من المساجد والمنازل. كما دفعت الحملة عددًا من القيادات الدينية والقبلية، من بينهم الداعي الإسماعيلي علي بن محسن ونائبه حسين بن أحمد المكرمي والزعيم القبلي جابر بن حسين أبو ساق، إلى اللجوء إلى الأراضي السعودية. وتوضح الدراسة أن الإمام يحيى حميد الدين كان ينظر إلى نجران باعتبارها جزءًا من اليمن، وأن سلطته سعت إلى إخضاع المنطقة، في حين كانت نجران في تلك المرحلة ذات غالبية إسماعيلية.
وفي 22 مارس 1934 اندلعت الحرب السعودية–اليمنية، وتمكنت القوات السعودية من إخراج القوات اليمنية من نجران، قبل أن تنتهي الحرب رسميًا بتوقيع معاهدة الطائف في 19 مايو 1934. وأدت المعاهدة، إلى جانب الترتيبات التي أُبرمت مع نخبة نجران، إلى إدماج المنطقة في المملكة العربية السعودية، وتحول الإسماعيليين في نجران من جماعة تقع داخل المجال السياسي المتنازع عليه بين سلطتين إلى أقلية دينية داخل دولة سعودية مركزية.
وكان لهذا التحول أثر عميق في طبيعة الدعوة السليمانية. فبحسب موسوعة إيرانكا، كان الدعاة السليمانيون قد أقاموا مقرهم في نجران، ومارسوا تاريخيًا نفوذًا سياسيًا على المنطقة بالاستناد إلى الدعم العسكري والاجتماعي من بني يام، إلا أن نفوذهم السياسي تراجع بصورة متزايدة خلال القرن العشرين، ثم تعزز هذا التحول بعد ضم نجران إلى السعودية عام 1934. وفي المقابل، استمرت مكانة الداعي باعتباره المرجعية الدينية الأساسية للسليمانيين.
وهذا التحول يفسر جانبًا مهمًا من طبيعة بيت الدعوة في صورته الحديثة؛ إذ لم يعد يمثل سلطة سياسية محلية بالمعنى الذي عرفته بعض المراحل التاريخية، وإنما أصبح مركزًا للمرجعية الدينية والاجتماعية داخل المجتمع السليماني. وبذلك انتقل مركز الثقل من ممارسة السلطة على المجال المحلي إلى إدارة الشأن الديني والمحافظة على تماسك الجماعة وهويتها داخل إطار الدولة الحديثة.
وتكشف قراءة تاريخ الدعوة السليمانية في نجران عن تحول تدريجي في وظيفة الداعي. ففي مراحل تاريخية سابقة، كان الداعي يجمع بين المرجعية الدينية ونفوذ اجتماعي وسياسي واسع، وكانت علاقته ببني يام عنصرًا مهمًا في حماية موقع الدعوة ومكانتها المحلية. أما بعد التحولات التي انتهت إلى ضم نجران إلى السعودية عام 1934، فقد أصبح الداعي يعمل داخل دولة تمتلك مؤسسات سياسية وقانونية مركزية، فتراجع الدور السياسي المباشر للدعوة، بينما استمر دورها الديني والاجتماعي داخل الجماعة. وهذا يتوافق مع توصيف موسوعة إيرانكا للتراجع التاريخي في النفوذ السياسي للدعاة السليمانيين مع بقاء المرجعية الدينية.
أما في المرحلة المعاصرة، فقد ظهرت طبقة مختلفة من التحديات لا تتعلق فقط بموقع الداعي، وإنما بطبيعة المجتمع الذي يعمل داخله. فقد توسع حضور أبناء الجماعة خارج نجران، وأصبح التعليم والعمل والتنقل عوامل مؤثرة في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، بالتوازي مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة وتزايد قدرة الأجيال الأصغر على مناقشة القضايا الدينية والاجتماعية بصورة لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
وتقدم الدراسة الإثنوغرافية التي أعدتها عائدة الجُرّان وجاريد بروستر، ونُشرت في مجلة Languages في 22 نوفمبر 2023، دليلًا مهمًا على هذه التحولات. فقد اعتمد الباحثان على مقابلات مع أفراد من المجتمع السليماني في نجران ومناطق أخرى من السعودية، وخلصا إلى وجود اختلافات بين الأجيال في فهم مفهوم التقية ووظيفتها، وفي تقييم مدى استمرار الحاجة إليها في البيئة الاجتماعية السعودية المتغيرة. ويربط الباحثان هذه الاختلافات بمحطتين رئيسيتين: أحداث نجران عام 2000، ثم التحولات الاجتماعية التي بدأت منذ عام 2016.
وتشير الدراسة كذلك إلى أن أفراد المجتمع السليماني أصبحوا موزعين بصورة أوسع بين نجران ومناطق أخرى داخل السعودية وخارجها، نتيجة التعليم والعمل والهجرة الداخلية والخارجية. وهذا يعني أن المجتمع الذي تمارس فيه المرجعية الدينية دورها لم يعد محصورًا بالبيئة المحلية في نجران، بل أصبح أكثر اتساعًا وتنوعًا من الناحية الاجتماعية والجغرافية.
ومن هنا، فإن الخلافات أو النقاشات التي تظهر حول بيت الدعوة اليوم لا يمكن اختزالها في مسألة شغل منصب الداعي وحدها؛ فجزء منها يرتبط بالسؤال الأوسع حول وظيفة الداعي وحدود سلطته وموقع بيت الدعوة داخل مجتمع سليماني تغيرت بنيته الاجتماعية بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة.
وبذلك يمكن فهم التطور التاريخي لبيت الدعوة باعتباره انتقالًا من مؤسسة كان لها في مراحل سابقة حضور ديني وسياسي واجتماعي متداخل، إلى مرجعية دينية واجتماعية تعمل داخل دولة مركزية، ثم إلى مؤسسة تواجه اليوم مجتمعًا أكثر تعليمًا وانتشارًا جغرافيًا وتنوعًا بين الأجيال. وهذا التحول التاريخي مهم لفهم طبيعة النقاشات المعاصرة حول الدعوة السليمانية؛ إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بمن يتولى المرجعية، وإنما أيضًا بكيفية تعريف هذه المرجعية ودورها وحدود علاقتها بالمجتمع السليماني المعاصر.
أزمة الداعي والدعوة في خشيوة
بعد وفاة الداعي (53) أحمد الجمالي في عام 1444هـ/2023م انتقلت رئاسة الدعوة إلى الداعي الحالي (54) علي حاسن المكرمي ، ولم تخلو عملية انتقال الرئاسة داخل الطائفة المكرمية من اعتراض وتشكيك بعض الفقهاء والوجهاء في صحة التنصيب على أساس أن عملية تنصيب الجمالي وما بعده غير شرعي لأنه نتيجة توصية من غير ذي صفة وهو الداعي (52) “العديني” الذي تفرد عن سابقيه بتولى الرئاسة بدون نَصٍ من سلفه.
وعليه انقسمت الطائفة الإسماعيلية في نجران حالياً الى أربعة فرق:
- فرقة الحاسنية: وهم أتباع الداعي الحالي علي حاسن المكرمي ويؤيدهم الشيخ سلطان بن سالم بن منيف شيخ شمل قبائل جشم يام.
- فرقة المحسنية : أتباع محسن بن علي المكرمي. ويؤيدهم آل ابو ساق وآل سدران.
- فرقة الشبامية : أتباع علي بن علي شبام الذي ادعى انه داعي بعد وفاة الداعي (52) عبدالله العديني المكرمي. ويؤيده الشيخ جابر بن حسين بن نصيب وفقهاء آل مخلص وبعض الوعَله.
- فرقة الحزوبرية : رغم ان هذه الفرقة تضم افراد من عدة قبائل إلا أن أغلب أتباعها من آل حزوبر ولذلك نسبت اليهم، وهذه الفرقة تجاهر بالعداء للداعي (54) علي بن حاسن الرئيس الحالي وتعتقد بانتهاء دور الدعاة وتنتظر ظهور القائم من الأئمة.
وعادة ما يصل الباحث في الملف الإسماعيلي إلى الخلاف على شرعية تنصيب الداعي الحالي علي حاسن وما تبعه من تعدد لأطراف النزاع داخل البيت الإسماعيلي في نجران لم يقتصر على ملف التنصيب فقط بل تعداه إلي ملفات أخري شخصية ومالية وحتى جنائية يتناولها أهل نجران في مجالسهم الخاصة وعلى منتدياته في مواقع التواصل الاجتماعي .
ومن أبرز من تحدث عن بعض قضايا الفساد داخل بيت الدعوة “الإسماعيلي” في خشيوة النجرانية، هو محمد عبدالله المكرمي حفيد الداعي (52) عبدالله محمد المكرمي الذي توفى في أبريل 2015 وكان يعتبر مرجعية لطائفة السليمانية الإسماعيلية في نجران، وقد نقل حينها أمير منطقة نجران جلوي بن مساعد تعازي القيادة السعودية إلى أسرة المكارمة.
وتظهر أهمية اتهامات محمد المكرمي من عدة اعتبارات منها انه حفيد لداعي سابق وكان يرى ويسمع ما كان يدور في بيت الدعوة، وكان والده مسؤول بيت المال، الاعتبار الآخر المهم أنه يكتب ويتحدث باسمه وصورته الحقيقية على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يتخفى كبقية المعارضين للداعي الحالي علي حاسن مثل الكاسر اليامي و القلم اليامي ومطنوخ يام، وآخرون كثر.
ففي تغريدة مطولة على حسابة في x يصف محمد الحفيد: زعماء الإسماعيلية الذين يديرون الطائفة من مقرهم في خشيوة النجرانية بأنهم تنظيم سري ومغلق وحركة باطنية تحاول إخفاء حقيقتها عن قبيلة يام بهدف ربطهم بالولاء المطلق لهم وتلغي ولاية الملك. والادعاء بأنهم خلفاء شرعيين تعقد لهم البيعة وقولهم هو الفصل وطاعتهم واجبة والخروج عنها خروج من الإسلام .
كما اتهم الحفيد محمد المكرمي، المجموعة الحالية التي تدير الطائفة الاسماعيلية في نجران، بانهم عصابة تسعى من خلال تُبنى شبكة علاقات داخل المجتمع تبدأ بمشايخ الشمل وعراف ووجهاء يام الإسماعيلية، والدفع بطبقة الموظفين والمسؤولين المتميزين وذوي الكفاءات للتغلغل في مؤسسات الدولة والاقتصاد والعمل الاجتماعي. وباستخدام خطاب التسامح أحيانًا لاستدرار التعاطف، بهدف الاستثمار السياسي وبناء كيان اقتصادي وسياسي موازٍ داخل الدولة، بما يهدد أمن الوطن ويلغي أي ارتباط بين المواطن ووطنه وولي أمره .
كما اتهم محمد المكرمي إدارة الطائفة في خشيوة باستخدام بعض الموظفين في إدارة الأحوال المدنية والجوازات في نجران بالتلاعب في إجراءات الجنسية والمساعدة في منحها ليمنيين وبجمع الأموال خارج الرقابة.
أما من كان مهتماً بمعتقدات وطقوس بيت الدعوة الإسماعيلية في نجران و ثورة بعض شبابها ضدها، فله أن يشاهد إذا شاء، فيديوهات بعض الناشطين على اليوتيوب مثل السعوديين الإسماعيليين سابقا: رمزي سالم آل حارث اليامي، و حسين ظافر آل معجبة الياموعليه، فإن أزمة بيت الدعوة في خشيوة تبدو، وفق المعلومات والتحليلات المتاحة، أوسع من مجرد خلاف شخصي حول من يخلف الداعي؛ فهي تتصل، من جهة، بمسألة شرعية انتقال منصب الداعي والأسس الدينية والاجتماعية التي تمنح هذا الانتقال مشروعيته، ومن جهة أخرى بالخلاف حول الشخص الذي يتولى منصب الداعي وحدود سلطته وعلاقته بأصول الدعوة والمجتمع، بالتيارات المتنافسة داخل المجتمع، فضلًا عن اتهامات شخصية ومالية وإدارية لا تزال تفاصيلها بحاجة إلى توثيق مستقل.