معظم ما يُثار من نقاش حول الشرق الأوسط ينكفئ على متابعة الحدث الراهن، وقلما يتوقف عند دراسة الأمس بعمق وأناة. والحقيقة أن هذه الجغرافيا لا يتغير فيها الفاعلون وحدهم، بل كثيرا ما يتبدل الفاعلون فيما تبقى الأساليب التي يعملون بها حية، تتوارثها الأجيال والدول جيلا بعد جيل.
في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حين تنافست بريطانيا وفرنسا وروسيا، ثم لحقت بهن ألمانيا، لم يكن هذا التنافس مدفوعا برغبة عابرة في ضم الأراضي فحسب. بل كانت هذه القوى تسعى، قبل أن تبسط سيطرتها المباشرة، إلى فهم عميق لطبيعة المنطقة وأهلها. فأُعدت التقارير القنصلية، ودُرست تركيبة العشائر، وتُتبعت طرق التجارة، وقُيّمت مشاريع السكك الحديدية، وجُمعت إحصاءات السكان بدقة متناهية. ذلك أن النفوذ الحقيقي في هذه الديار لم يكن يُبنى على حيازة الخرائط وحدها، بل على استقراء التوازنات الاجتماعية الدقيقة التي تحكم نسيجها.
من هنا لم تكن الموصل وكركوك والبصرة ودمشق، ولا الخليج العربي بامتداده، مجرد نقاط جغرافية على الخريطة، بل غدت بوابات مشرعة على الطاقة والتجارة وممرات العبور الاستراتيجية. وحين اكتُشف النفط لاحقا، تضاعف هذا الاهتمام أضعافا مضاعفة. غير أن اللافت أن القوى الكبرى لم تنظر إلى هذه الديار من زاوية الثروة الباطنية فحسب، بل أولت البنية الاجتماعية والتوزيع العرقي والتوازنات المذهبية والعلاقات المحلية عناية لا تقل عن عنايتها بالنفط ذاته.
على امتداد أكثر من قرن، تبدلت الخرائط مرارا. تداعت الإمبراطوريات، وقامت الممالك ثم سقطت، وولدت الجمهوريات، ووقعت الاحتلالات، ونسجت تحالفات جديدة محل القديمة. ومع ذلك، يصعب على المتأمل أن يزعم أن الصورة الراهنة لهذه المنطقة منقطعة الصلة عن ماضيها.
فما كانت تعنيه خطوط السكك الحديدية بالأمس، تعنيه اليوم ممرات الطاقة. وما كانت تمثله مناطق النفوذ في زمن مضى، تمثله اليوم الشراكات الأمنية. وما كانت تضطلع به القنصليات والمبعوثون الخاصون من مهام، تضطلع به اليوم مراكز الأبحاث الاستراتيجية بتقاريرها المفصلة.
تبدلت الأدوات، وتبدلت المفاهيم معها، غير أن ثمة خيطا خفيا من الاستمرارية يربط بين الطريقة التي كانت تُقرأ بها هذه المنطقة بالأمس والطريقة التي تُستقرأ بها اليوم.
وهنا تحديدا تبرز جغرافيا ولاية الموصل القديمة نموذجا فريدا يستحق التأمل. فخط الموصل وكركوك لم يكن يوما مجرد مدينتين متجاورتين، بل ظل طوال القرن المنصرم مسرحا استراتيجيا تتقاطع فيه موارد الطاقة وحركات السكان والجدل حول التمثيل السياسي وصراعات السيادة. لذا فإن حكاية هذه البقعة ليست حكاية عمران فحسب، بل هي في جوهرها حكاية الأساليب التي مورست عبر الشرق الأوسط بأسره.
والحق أن جانبا واسعا من محن هذه المنطقة لا يرجع إلى تعدد مكوناتها في ذاته. فقد تشاركت هذه الجغرافيا، على مر العصور، التركمان والعرب والكرد والسريان وسواهم من الأقوام. وإنما تكمن المعضلة في أن هذا التنوع كثيرا ما نُظر إليه لا بوصفه ثراء يُعتز به، بل خطرا ينبغي احتواؤه وضبطه. وهذا التصور بالذات هو الذي مهّد الأرض لكل من التدخل الخارجي والاحتقان الداخلي على حد سواء.
والحديث عن الشرق الأوسط اليوم لا يكتمل بالوقوف عند آخر المستجدات وحدها. فالأحداث قد تتبدل، لكن المنطق الذي يولّدها كثيرا ما يظل على حاله. قد تتغير أسماء القوى الكبرى، وقد تتغير أدواتها، بل قد تتغير لغتها ذاتها، إلا أن استمرارية تاريخية راسخة تظل ماثلة في أساليب التأثير على هذه الديار.
فمن أراد أن يفقه الشرق الأوسط حق الفقه، عليه ألا يكتفي بمراقبة فاعلي اليوم، بل عليه أن يتقصى أي إرث تاريخي تمتد منه جذور هذه الأساليب المعاصرة.
فالحسابات التي كانت تُدار بالأمس على جغرافيا ولاية الموصل القديمة، أيا كانت الأدوات التي أُديرت بها، تُقرأ اليوم من جديد على الجغرافيا نفسها، بأدوات مختلفة لكن بهواجس متشابهة. وما يستوقف الناظر ليس تبدل الفاعلين بقدر ما هو ثبات هذه الأساليب وتكرارها.
فخرائط هذه الديار تبدلت مرات كثيرة عبر التاريخ.
أما الأساليب التي صاغت هذه الخرائط، فلم تتبدل بالقدر الذي يُظن.