تقرير عُمان

عُمان بين مطرقة واشنطن وسِندان طهران

دخلت أزمة مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026 مرحلة غير مسبوقة، تحولت فيها واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم إلى ساحة صراع عسكري وسياسي ودبلوماسي مفتوح. وقد أدى الصراع إلى انخفاض حاد في حركة السفن، فيما أصبحت إعادة فتح المضيق جزءًا أساسيًا من أي تسوية محتملة بين واشنطن وطهران.

وفي قلب هذه المعادلة تقف سلطنة عُمان في وضع بالغ الحساسية. فهي دولة ساحلية للمضيق، وتملك في الوقت نفسه علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وقناة اتصال تاريخية مع إيران. ولذلك وجدت مسقط نفسها أمام معادلة صعبة: المحافظة على حيادها التقليدي ودورها كوسيط، من دون أن تتحول ترتيباتها مع طهران إلى ما تعتبره واشنطن تغييرًا في طبيعة إدارة الملاحة في المضيق.

وتكتسب الأزمة أهمية إضافية بعدما دخلت واشنطن ومسقط وطهران في سجال علني حول صيغة إعادة الملاحة. ففي 5 أغسطس كشفت رويترز أن مقترحًا عُمانيًا ـ إيرانيًا يمنح طهران دورًا مهمًا في تنظيم حركة السفن الداخلة إلى الخليج، بينما قالت واشنطن في 7 أغسطس إنها تتوقع التوصل إلى اتفاق قريب يعيد حركة التجارة الطبيعية مقابل رفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.

هرمز ،، من أزمة ملاحة إلى أزمة نفوذ

لم يعد الخلاف حول المضيق مقتصرًا على مسألة أمن السفن. فقد أصبح السؤال الأساسي: من يملك حق تنظيم الحركة التجارية في المضيق، ومن يحدد شروط المرور بعد انتهاء الحرب؟

وتظهر التطورات الأخيرة وجود رؤيتين متعارضتين:

  • الرؤية الأمريكية: إعادة الملاحة التجارية من دون منح إيران أو أي دولة أخرى سلطة احتكارية على حركة السفن، مع رفض فرض رسوم عبور أو استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية.
  • الرؤية الإيرانية: اعتبار أمن المضيق وترتيبات الملاحة شأنًا يرتبط أساسًا بالدول الساحلية، مع ربط إعادة فتحه بشروط سياسية واقتصادية تتعلق بالولايات المتحدة.
  • الرؤية العُمانية: محاولة تحويل الخلاف من مسألة سيطرة إلى مسألة تنظيم فني للملاحة، بما يسمح بفتح الممر مع المحافظة على قنوات الاتصال بين الأطراف.

وقد حذرت واشنطن صراحة من أي نظام لفرض رسوم على السفن. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في مايو إن الولايات المتحدة لن تتسامح مع فرض إيران أو عُمان رسومًا على السفن التجارية، ملوحًا بإجراءات عقابية.

 الاتفاق العُماني ـ الإيراني المقترح

أصبحت المفاوضات بين مسقط وطهران خلال أغسطس محور الجهود الرامية إلى إيجاد صيغة لإعادة الملاحة.

وبحسب ما نقلته رويترز في 5 أغسطس، فإن المقترح يمنح إيران دورًا رئيسيًا في تنظيم السفن الداخلة إلى الخليج عبر المضيق. وفي 8 أغسطس قالت إيران إن الاتفاق مع عُمان بات قريبًا، لكنها أوضحت أن التوصل إلى تفاهم ثنائي لن يكون وحده كافيًا لفتح المضيق، إذ تربط طهران إعادة الملاحة بمطالب أخرى موجهة إلى الولايات المتحدة.

وفي 9 أغسطس أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الاتفاق مع عُمان بشأن تحديد مسارات ملاحية جديدة وصل إلى مراحله النهائية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن إعادة فتح المضيق ترتبط بتحقيق شروط إيرانية أخرى تجاه واشنطن.

وهنا تظهر أهمية الدور العُماني: فمسقط لا تتفاوض على مسألة الملاحة بمعزل عن الصراع، وإنما تحاول استخدام موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة لتوفير مخرج عملي لأزمة أصبحت ذات آثار اقتصادية عالمية

 التصعيد الأمريكي تجاه مسقط

بلغ الضغط الأمريكي على عُمان مستوى غير معتاد بالنسبة إلى دولة خليجية حافظت لعقود على علاقة استراتيجية مع واشنطن.

ففي مايو، حذرت الإدارة الأمريكية من فرض رسوم على السفن في المضيق، ثم تصاعد الخطاب في أغسطس مع تعثر المفاوضات حول إعادة الملاحة.

وفي 17 أغسطس، هدد الرئيس دونالد ترامب بضرب عُمان إذا وقفت في طريق الجهود الأمريكية المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، في واحدة من أكثر الرسائل الأمريكية حدة تجاه مسقط منذ عقود. ونقلت رويترز أن ترامب ربط التهديد بسلوك عُمان في ملف الملاحة وبالمفاوضات المرتبطة بإيران.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها جاءت بعد أيام فقط من إعلان واشنطن أنها تتوقع اتفاقًا بين إيران وعُمان، الأمر الذي يعكس انتقال الخلاف من مستوى دبلوماسي هادئ إلى ضغط علني مباشر.

لماذا تنزعج واشنطن من الدور العُماني؟

المشكلة الأمريكية مع مسقط لا تتمثل في مجرد استمرار الحوار مع طهران؛ فهذا الدور معروف منذ سنوات ويحظى أحيانًا بتقدير أمريكي.

المعضلة الحالية هي احتمال تحول الوساطة العُمانية إلى ترتيب تشغيلي دائم للمضيق يمنح إيران نفوذًا مباشرًا على حركة السفن.

ومن المنظور الأمريكي، فإن السماح لطهران بامتلاك قدرة فعلية على تحديد مسارات الملاحة أو فرض رسوم أو منع سفن معينة من العبور قد يعني تثبيت نتيجة استراتيجية للحرب بدلًا من العودة إلى الوضع السابق.

وقد أكدت تقارير رويترز أن الخطة الإيرانية المقترحة تتضمن قيودًا على مرور السفن الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يجعل القضية تتجاوز الجانب الفني للملاحة إلى صلب التنافس الاستراتيجي بين طهران وواشنطن.

 

أزمة الملاحة تعكس حجم المأزق

تؤكد بيانات حركة السفن أن الأزمة لم تعد نظرية. فقد أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أن سبع سفن تجارية فقط عبرت المضيق في أحد أيام 20 أغسطس، مقارنة بتسع سفن في اليوم السابق، مع استمرار انخفاض حركة ناقلات النفط والغاز بصورة كبيرة.

وفي 18 أغسطس بقيت حركة العبور في خانة الأرقام الأحادية، رغم ارتفاع طفيف مقارنة بيوم سابق، بينما استمرت حالة عدم اليقين بشأن شروط العبور.

وتشير هذه الأرقام إلى أن أي تفاهم سياسي لا ينعكس سريعًا على الملاحة قد يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته، لأن شركات الشحن والتأمين تحتاج إلى مستوى مرتفع من اليقين قبل استئناف الحركة الطبيعية.

 

 عُمان أمام اختبار عقيدة الحياد

تكمن خصوصية الموقف العُماني في أن الحياد بالنسبة إلى مسقط ليس مجرد شعار دبلوماسي، بل أداة استراتيجية.

فقد تمكنت السلطنة خلال العقود الماضية من الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة، واستفادت من هذه المكانة في ملفات أمريكية ـ إيرانية حساسة.

لكن أزمة هرمز تضع هذا النموذج أمام اختبار مختلف. فكلما أصبحت الوساطة العُمانية مرتبطة بترتيبات ملموسة على الأرض، تقلصت المسافة بين الوسيط والطرف صاحب المصلحة.

وهذه هي المعضلة الرئيسية أمام مسقط: إذا رفضت المطالب الإيرانية بصورة كاملة فقد تفقد قدرتها على التأثير في طهران، وإذا وافقت عليها بصورة واسعة فقد تواجه ضغوطًا أمريكية وخليجية متزايدة.

إيران تستخدم هرمز كورقة تفاوض

تتعامل طهران مع المضيق بوصفه واحدًا من أقوى أوراق الضغط المتاحة لها في مواجهة واشنطن.

فمن خلال التحكم في مستوى الملاحة تستطيع إيران التأثير في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وفي الوقت ذاته الضغط على الولايات المتحدة للحصول على تنازلات تتعلق بالحصار والموانئ والتعويضات.

وفي 9 أغسطس، نقلت رويترز أن الآمال في اتفاق سريع بدأت تتراجع بسبب مطالب إيرانية تتعلق بالتعويضات ورفع القيود الأمريكية، ما يؤكد أن إعادة فتح هرمز أصبحت مرتبطة مباشرة بالمفاوضات الأوسع لإنهاء الحرب.

ومن ثم فإن أي اتفاق عُماني ـ إيراني بشأن الملاحة لن يكون اتفاقًا تقنيًا محضًا، حتى لو صيغ بهذه اللغة؛ لأنه سيؤثر في ميزان القوة بين طهران وواشنطن.

 البعد الخليجي

تضع الأزمة دول الخليج أمام معادلة دقيقة، فمن ناحية، تحتاج دول مجلس التعاون إلى إعادة فتح المضيق بصورة عاجلة بسبب اعتماد اقتصاداتها على حرية التجارة والطاقة. ومن ناحية أخرى، لا ترغب في ترسيخ صيغة تمنح إيران قدرة دائمة على التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية المحيطة بها.

أما عُمان فتختلف عن بعض جيرانها في قدرتها على التعامل مع إيران مباشرة، الأمر الذي يمنحها هامشًا دبلوماسيًا لا يتوفر بالقدر نفسه لغيرها.

ولهذا يمكن أن يكون الدور العُماني جزءًا من الحل الخليجي، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر توتر إذا اعتبرت واشنطن أو بعض العواصم الخليجية أن مسقط تجاوزت دور الوسيط إلى دور الشريك في ترتيبات تمنح طهران نفوذًا طويل الأمد.

السيناريوهات المحتملة

  • السيناريو الأول: تسوية عُمانية ـ أمريكية ـ إيرانية

وهو السيناريو الأكثر استقرارًا. وفيه تنجح مسقط في تحويل التفاهم مع إيران إلى ترتيبات فنية للملاحة، مع تقديم ضمانات لواشنطن بعدم استخدام المضيق لفرض حصار سياسي أو اقتصادي على السفن.

نجاح هذا السيناريو سيعيد لعُمان دور الوسيط ويمنح إيران مخرجًا يحفظ ماء الوجه، في مقابل استعادة الولايات المتحدة جزءًا من حرية الملاحة التي تطالب بها.

  • السيناريو الثاني: تصعيد الضغط الأمريكي على عُمان

قد تنتقل واشنطن من التهديدات إلى إجراءات مالية أو سياسية، خصوصًا إذا اعتبرت أن الاتفاق العُماني ـ الإيراني يمنح طهران سلطة فعلية على المضيق.

وقد بدأ هذا المسار بالفعل مع التحذيرات الأمريكية بشأن الرسوم، فيما يبقى التصعيد العسكري ضد عُمان أقل احتمالًا بسبب الكلفة الاستراتيجية الكبيرة لمواجهة دولة شريكة للولايات المتحدة.

  • السيناريو الثالث: استمرار الإغلاق الجزئي للمضيق

وهو السيناريو الذي قد يصبح واقعًا طويل الأمد إذا فشلت المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية. وفي هذه الحالة ستستمر طهران في استخدام مستوى الملاحة كورقة تفاوض، بينما ستبحث الدول المتضررة عن طرق تصدير بديلة.

وقد بدأت بعض الدول بالفعل في البحث عن مسارات أخرى لتقليل اعتمادها على هرمز، وهو ما يعكس تحول الأزمة من أزمة مؤقتة إلى عامل قد يعيد رسم خريطة الطاقة الإقليمية.

  • السيناريو الرابع: تحول عُمان إلى طرف في الصراع

يبقى هذا السيناريو الأخطر، لكنه ليس السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن. ويتطلب تحوله إلى واقع تعرض الأراضي أو المنشآت العُمانية لهجوم مباشر، أو اتخاذ مسقط خطوات تعتبرها واشنطن مشاركة فعلية في فرض السيطرة الإيرانية على المضيق.

 تقدير الموقف

تكشف أزمة هرمز أن عقيدة الحياد العُمانية تواجه أصعب اختبار لها منذ سنوات. فالدور الذي منح مسقط نفوذًا دبلوماسيًا كبيرًا أصبح في الوقت ذاته سببًا لضغوط أمريكية مباشرة.

لكن من الخطأ النظر إلى عُمان باعتبارها مجرد طرف عالق بين واشنطن وطهران. فمسقط تمتلك ورقة استراتيجية مهمة: قدرتها على التواصل مع الطرفين في وقت تتراجع فيه قنوات الاتصال المباشر بينهما.

ومن المرجح أن تحاول السلطنة خلال المرحلة المقبلة الحفاظ على ثلاث ثوابت:

  1. منع تحول أراضيها أو مياهها إلى منصة عسكرية ضد إيران.
  2. عدم السماح بتحويل اتفاقها مع طهران إلى صيغة تعطي إيران سيطرة دائمة على الملاحة.
  3. إقناع واشنطن بأن الترتيب العُماني ـ الإيراني وسيلة لإعادة فتح المضيق، وليس آلية لتثبيت النفوذ الإيراني فيه.

أما بالنسبة إلى إيران، فالمصلحة الأساسية تتمثل في الحفاظ على نفوذها في هرمز واستخدامه للحصول على تنازلات أمريكية. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن الهدف هو منع طهران من تحويل الموقع الجغرافي إلى أداة ابتزاز اقتصادي وسياسي.

 الخلاصة

لم تعد أزمة مضيق هرمز مجرد أزمة ملاحة؛ إنها أصبحت اختبارًا لموازين القوة في الخليج بعد الحرب.

وإذا نجحت عُمان في التوصل إلى صيغة تعيد حركة السفن من دون منح إيران سيطرة دائمة على المضيق، فإنها ستخرج من الأزمة باعتبارها أحد أهم الفاعلين الدبلوماسيين في المنطقة.

أما إذا فشل المسار، فقد تجد مسقط نفسها أمام ضغط أمريكي متزايد من جهة، واعتماد إيراني أكبر عليها من جهة أخرى، وهو وضع قد يهدد النموذج العُماني القائم على التوازن والوساطة.

وتشير المعطيات حتى 23 أغسطس إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار التفاوض مع بقاء الملاحة عند مستويات منخفضة، مع محاولة عُمانية لإيجاد صيغة وسط بين المطالب الأمريكية والإيرانية. فبيانات رويترز الأخيرة تؤكد أن حركة السفن لا تزال في مستويات شديدة الانخفاض، بينما منحت إيران في 22 أغسطس بعض ناقلات النفط العراقية إذنًا خاصًا بالعبور، بما يدل على أن طهران لا تتعامل مع المضيق باعتباره مغلقًا بصورة مطلقة، بل تستخدم الوصول إليه بصورة انتقائية ضمن حساباتها السياسية.

وعليه، فإن المعركة الحقيقية في هرمز لم تعد فقط حول فتح المضيق أو إغلاقه، وإنما حول السؤال الأوسع: من سيحدد قواعد المرور فيه بعد انتهاء الحرب؟

الدولة عُمان
قسم التقارير

قسم التقارير

فريق الإعداد

مقالات ذات صلة

التعليقات