كشكول

الدبلوماسية السعودية في أديس أبابا.. دعم ترشيح حنان بلخي وتعزيز الشراكة مع إثيوبيا

تتجه أنظار القطاع الصحي الإفريقي خلال هذه الأيام إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي تستضيف أعمال الدورة السادسة والسبعين للجنة الإقليمية لإفريقيا التابعة لمنظمة الصحة العالمية. وفي ظل هذا الحضور الدولي والإفريقي، تتحرك الدبلوماسية السعودية في مسار يتجاوز المشاركة الرسمية في الاجتماعات، ليعكس طبيعة العلاقات المتنامية بين الرياض وأديس أبابا.

وفي هذا السياق، استضافت سفارة المملكة العربية السعودية لدى إثيوبيا حفل استقبال على شرف الدكتورة حنان بلخي، بمناسبة ترشيحها لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بحضور عدد من السفراء والشخصيات الدبلوماسية ووزراء الصحة الأفارقة.

ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المنصب الذي تسعى المملكة إلى أن تتولاه إحدى كفاءاتها الصحية. كما أن اختيار أديس أبابا لإبراز هذا الترشيح يحمل دلالة سياسية، فالعاصمة الإثيوبية ليست مجرد عاصمة لدولة إفريقية، وإنما مقر للاتحاد الإفريقي وواحدة من أهم مراكز العمل الدبلوماسي في القارة.

علاقات تتجاوز السياسة

العلاقات السعودية–الإثيوبية ليست جديدة، بل تمتد إلى تاريخ طويل من التواصل بين الشعبين والبلدين. ويشير سفير المملكة لدى إثيوبيا، عبدالله حسن الزهراني، إلى أن جذور هذه العلاقات تعود إلى أكثر من 1400 عام، فيما شهدت السنوات الأخيرة نشاطاً ملحوظاً في الزيارات والاتصالات الرسمية بين الجانبين.

لكن أهمية العلاقة اليوم ترتبط أيضاً بالمصالح المشتركة. فالسعودية تبحث عن فرص جديدة لتعزيز أمنها الغذائي والاستثمار في قطاعات واعدة، بينما تمتلك إثيوبيا موارد وإمكانات كبيرة في مجالات الزراعة والإنتاج الغذائي وغيرها.

ويرى السفير السعودي أن هناك فرصة حقيقية لبناء تكامل اقتصادي بين البلدين، بحيث تلتقي احتياجات المملكة مع الموارد المتاحة في إثيوبيا. وهذه المعادلة يمكن أن تفتح المجال أمام استثمارات وشراكات طويلة المدى، خصوصاً في الزراعة والأمن الغذائي.

ولا يقتصر الاهتمام السعودي بإثيوبيا على الجانب الاقتصادي. فالقرن الإفريقي يحتل موقعاً مهماً في حسابات المملكة، بحكم قربه الجغرافي من البحر الأحمر وارتباط أمنه واستقراره بمصالح دول المنطقة.

الصحة.. مساحة جديدة للتعاون

في المقابل، يمثل الملف الصحي أحد أبرز المجالات التي يمكن أن تتطور فيها العلاقات السعودية–الإفريقية. ويأتي ترشيح الدكتورة حنان بلخي لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في هذا السياق.

وخلال مشاركتها في اجتماعات اللجنة الإقليمية لإفريقيا، ركزت بلخي على أهمية الاستماع إلى القادة والمسؤولين الصحيين الأفارقة والتعرف بصورة مباشرة إلى أولويات القارة واحتياجاتها.

وتحمل بلخي خبرة واسعة في مجال الصحة العامة والأمراض المعدية، وهو مجال اكتسب أهمية متزايدة في إفريقيا، التي واجهت خلال العقود الماضية أوبئة وأزمات صحية متعددة.

ومن واقع خبرتها، تؤكد بلخي أن الأوبئة لا تنتهي بصورة نهائية، وأن التجارب التي تمر بها الدول خلال تفشي الأمراض يمكن أن تتحول إلى معرفة وخبرة تساعد على الاستعداد لأزمات مستقبلية.

وتبرز هنا أهمية الخبرات الإفريقية نفسها، إذ أنتجت الأزمات الصحية في القارة تجارب واسعة في التعامل مع الأوبئة والاستجابة للطوارئ الصحية. ومن ثم، فإن نقل هذه الخبرات وتبادلها بين الدول يمكن أن يسهم في بناء منظومة صحية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

لماذا أديس أبابا؟

أهمية أديس أبابا بالنسبة للسعودية لا ترتبط فقط بالعلاقات الثنائية مع إثيوبيا. فالعاصمة تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي، كما تمثل نقطة التقاء للعديد من الملفات السياسية والاقتصادية والصحية التي تهم القارة.

ومن هنا يمكن فهم الحضور السعودي في مناسبة مرتبطة بترشيح بلخي باعتباره جزءاً من تحرك دبلوماسي أوسع تجاه إفريقيا. فدعم مرشحة سعودية لمنصب دولي رفيع يوفر فرصة للتواصل المباشر مع المسؤولين الأفارقة، وفي الوقت نفسه يفتح مساحة للحديث عن مستقبل التعاون بين المملكة والقارة.

كما أن العلاقات السعودية–الإثيوبية نفسها شهدت خلال الفترة الماضية اهتماماً متزايداً، في ظل رغبة الطرفين في توسيع التعاون في مجالات الاستثمار والزراعة والسياحة والثقافة وغيرها.

شراكة تتسع تدريجياً

ما يجري في أديس أبابا يعكس في النهاية طبيعة التحول الذي تشهده العلاقات السعودية مع إفريقيا. فالمملكة لا تتعامل مع القارة من زاوية واحدة، وإنما عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والسياسية والإنسانية والصحية.

ومن هذه الزاوية، يأتي ترشيح الدكتورة حنان بلخي كأحد وجوه الحضور السعودي المتنامي في المؤسسات الدولية، فيما تمثل العلاقات مع إثيوبيا نموذجاً لشراكة يمكن أن تتوسع في أكثر من اتجاه.

وبالنسبة إلى الرياض وأديس أبابا، فإن القرب الجغرافي من البحر الأحمر، والمصالح الاقتصادية المشتركة، والحاجة إلى تعزيز التعاون الصحي والأمن الغذائي، كلها عوامل تمنح العلاقة بين البلدين مساحة واسعة للتطور.

لذلك، فإن الحضور السعودي في أديس أبابا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نشاطاً دبلوماسياً عابراً مرتبطاً بترشيح لمنصب دولي فحسب، بل كجزء من توجه أوسع نحو بناء شراكات أكثر عمقاً مع إفريقيا، والاستفادة من الفرص التي توفرها القارة، وتعزيز التعاون معها في ملفات تمس الأمن والاستقرار والتنمية.

متابعات من اديس ابابا

متابعات من اديس ابابا

فريق التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات