تقرير عُمان

الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر في عُمان

لا تكفي البيانات المتاحة للقول إن سلطنة عُمان تشهد «تجارة واسعة ومنظمة للأطفال لأغراض الجنس»، لكن جمع ما أعلنته الجهات الحكومية العُمانية مع ما ورد في التقارير الدولية والقضايا التي نشرتها الصحافة المحلية يقود إلى نتيجة أكثر تعقيدًا.

فهناك حالات موثقة للاتجار الجنسي بالنساء والأطفال، وقضايا استغلال جنسي لقاصرين عبر الإنترنت، إلى جانب مخاطر تواجه العاملات المهاجرات، فضلًا عن آلاف الحالات التي تعاملت معها مؤسسات حماية الطفل بسبب أشكال مختلفة من الإساءة.

وتزداد أهمية هذا الملف مع القضايا التي ظهرت في الصحافة العُمانية خلال أغسطس 2026، في وقت لا تزال فيه التقارير الدولية تحذر من مخاطر الاتجار والاستغلال، خصوصًا في أوساط العمالة المهاجرة والعاملات في الخدمة المنزلية.

أطفال يصل إليهم المستغلون عبر الألعاب والإنترنت

في 23 أغسطس، نشرت صحيفة «مسقط ديلي» تفاصيل قضية تعود إلى سنوات، لكنها انتهت بأحكام قضائية بحق أشخاص أدينوا باستغلال طفلين يبلغان من العمر 14 و16 عامًا.

وبحسب الصحيفة، كان الطفلان قد غادرا منزل الأسرة بعد تعرضهما للعنف، قبل أن يتعرف إليهما أشخاص عبر ألعاب الفيديو والمنصات الرقمية. واستغل هؤلاء ظروف الطفلين، ثم جرى عزلهما واستخدامهما في الاستغلال الجنسي والاتجار.

وتضمنت القضية أيضًا استخدام الهاتف وتطبيق «واتساب» وصور الطفلين في عمليات استدراج أخرى.

وتكشف هذه القضية عن جانب يتزايد حضوره في جرائم استغلال الأطفال: الوصول إلى الضحية لم يعد يحتاج بالضرورة إلى لقاء مباشر أو وجود المستغل في المكان نفسه. أحيانًا تبدأ القصة من شاشة هاتف أو لعبة إلكترونية، خصوصًا عندما يكون الطفل أصلًا في وضع أسري هش.

وأصدرت المحكمة أحكامًا بالسجن وغرامات تراوحت، بحسب الصحيفة، بين ألف و10 آلاف ريال عُماني، في قضايا شملت استغلال الأطفال والاغتصاب والمساعدة على انحراف الأحداث.

لكن القضية لا تعني أن منصات الألعاب نفسها مصدر للجريمة؛ ما توضحه هو إمكانية استغلالها كوسيلة للوصول إلى أطفال يعيشون ظروفًا تجعلهم أكثر عرضة للاستدراج.

امرأة أخرى في قضية اتجار بمسقط

وفي اليوم التالي، 24 أغسطس، نشرت «تايمز أوف عُمان» بيانًا لشرطة عُمان السلطانية أعلنت فيه القبض على شخصين من جنسية عربية في محافظة مسقط، للاشتباه في تورطهما في الاتجار بالبشر بحق امرأة، وقالت الشرطة إن المرأة حُرمت من حريتها واستُغلت في أعمال مخالفة للآداب العامة، وإن الإجراءات القانونية كانت مستمرة تمهيدًا لإحالة القضية إلى الجهات المختصة.

ولا يقدم البيان تفاصيل أخرى عن جنسية المرأة أو المدة التي قضتها في الاحتجاز أو الظروف الدقيقة التي أحاطت بالقضية. لذلك، لا توجد مبررات لإضافة معلومات لم تعلنها الشرطة.

كما لا توجد معلومات تسمح بالربط بين هذه القضية وقضية الطفلين التي ظهرت في اليوم السابق، رغم أن تزامن القضيتين يعيد ملف الاتجار والاستغلال إلى واجهة النقاش العام.

أكثر من أربعة آلاف حالة إساءة للأطفال

الصورة تصبح أوسع عند النظر إلى أرقام حماية الطفل، فبحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية التي نشرتها «مسقط ديلي» في أبريل 2026، تعاملت لجان حماية الطفل في عُمان مع 4,199 حالة إساءة للأطفال خلال عام 2025، وكان الإهمال أكثر أشكال الإساءة شيوعًا، بنسبة 51.1%، تليه الإساءة الجسدية بنسبة 19.4%، ثم النفسية بنسبة 18.8%. أما الإساءة الجنسية فشكلت 10.7% من إجمالي الحالات، وخلال العام نفسه، استقبل خط حماية الطفل 2,072 بلاغًا، فيما أُودع 117 طفلًا في مراكز الحماية.

هذه الأرقام لا تعني أن جميع حالات الإساءة الجنسية كانت مرتبطة بالاتجار بالبشر. فالاعتداء الجنسي على الطفل والاتجار الجنسي جريمتان مختلفتان، وقد تقع إحداهما من دون الأخرى.

لكن الأرقام تكشف شيئًا آخر لا يقل أهمية: هناك عدد كبير من الأطفال الذين احتاجوا إلى تدخل رسمي بسبب تعرضهم لأشكال مختلفة من الإساءة.

39 حالة مرتبطة بالاتجار بالبشر

وفي البيانات نفسها، قالت وزارة التنمية الاجتماعية إنها تعاملت خلال 2025 مع 39 حالة مرتبطة بالاتجار بالبشر، إضافة إلى 26 حالة زواج قسري وثماني حالات إساءة للنساء، وتقدم بيانات وزارة الخارجية الأمريكية زاوية أخرى للمقارنة، فبحسب تقرير الاتجار بالبشر لعام 2025، حققت السلطات العُمانية في 27 قضية اتجار بالبشر شملت 67 مشتبهًا بهم. ومن بين هؤلاء، كان 55 مشتبهًا بهم في قضايا اتجار جنسي، وتسعة في قضايا اتجار بالعمالة، وثلاثة في قضايا استغلال لم تحدد طبيعته.

كما حددت السلطات 50 ضحية للاتجار بالبشر، بينهم 41 امرأة ضحية للاتجار الجنسي، وثلاثة أطفال ضحايا للاتجار الجنسي، إضافة إلى خمس نساء ورجل ضحايا للاتجار بالعمالة.

وكان جميع الضحايا الذين تمكنت السلطات من تحديدهم من الأجانب.

وتشير هذه الأرقام إلى أن النساء المهاجرات يمثلن الجزء الأكبر من الضحايا الذين تم التعرف إليهم في قضايا الاتجار الجنسي، مع وجود أطفال أيضًا ضمن الحالات التي تمكنت السلطات من اكتشافها.

العاملات المنزليات في دائرة الخطر

تظهر العمالة المهاجرة، وبالأخص العاملات في الخدمة المنزلية، في قلب التحذيرات الدولية المتعلقة بالاتجار والاستغلال في عُمان.

ويشير تقرير وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن النساء القادمات من جنوب وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا للعمل في المنازل يواجهن مخاطر تشمل عدم دفع الأجور، ومصادرة جوازات السفر، وتقييد الحركة، وساعات العمل الطويلة، إلى جانب أشكال من الإساءة الجسدية والنفسية والجنسيّة.

وفي بعض الحالات، تصل العاملة إلى عُمان على أساس وظيفة منزلية، لكنها تجد نفسها أمام ظروف مختلفة تمامًا عما وُعدت به، وقد تنتهي بعض الحالات إلى العمل القسري أو الاستغلال الجنسي.

وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون العاملة بعيدة عن أسرتها، ولا تعرف اللغة أو النظام القانوني جيدًا، وتعتمد على صاحب العمل في السكن والدخل والإقامة.

وسطاء على مواقع التواصل

ومن النقاط التي تلفت الانتباه في التقرير الأمريكي انتشار وسطاء غير رسميين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لربط أصحاب العمل في عُمان بالعاملات المنزليات، المشكلة هنا ليست في استخدام وسائل التواصل بحد ذاته، وإنما في ضعف الرقابة على بعض الوسطاء، خصوصًا عندما يكون الاستقدام خارج القنوات الرسمية، فكلما قلت المعلومات المتاحة عن صاحب العمل أو طبيعة الوظيفة أو حقوق العاملة، زادت مساحة الاستغلال.

وهذا يعيدنا، من زاوية مختلفة، إلى قضية الطفلين. ففي الحالتين يظهر الفضاء الرقمي كوسيلة للوصول إلى شخص في وضع هش، وإن كانت الجريمة والظروف والضحايا مختلفة تمامًا.

حالات أطفال ظهرت في التقارير السابقة

ولا يبدو وجود أطفال بين ضحايا الاتجار أمرًا جديدًا في البيانات الدولية الخاصة بعُمان، ففي تقرير الاتجار بالبشر لعام 2022، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن السلطات العُمانية حددت 16 ضحية للاتجار، بينهم 13 امرأة بالغة ضحايا للاتجار الجنسي، وطفلة واحدة ضحية للاتجار الجنسي، إضافة إلى طفلين كانا ضحايا للتسول القسري.

وفي تقرير 2023، ارتفع العدد إلى 34 ضحية، بينهم 17 امرأة ضحية للاتجار الجنسي، من بينهن طفلتان، إضافة إلى 17 ضحية للاتجار بالعمل.

أما تقرير 2024، الذي يغطي عام 2023، فأشار إلى 36 ضحية، بينهم 34 امرأة ضحية للاتجار الجنسي وطفلان استُغلا في التسول القسري.

وبالتالي، فإن الحديث عن وجود أطفال ضمن ضحايا الاتجار في عُمان ليس مبنيًا على استنتاج صحفي، بل على حالات قالت التقارير الدولية إن السلطات العُمانية نفسها تمكنت من تحديدها.

لا ينبغي الخلط بين الإساءة والاتجار

يبقى الفصل بين ظاهرتي الإساءة والاتجار ضروريًا، فالرقم الكبير لحالات إساءة الأطفال لا يمكن استخدامه لإثبات وجود اتجار جنسي واسع. وكذلك فإن وجود حالات اتجار جنسي لا يعني أن كل حالات الاعتداء الجنسي مرتبطة بشبكات منظمة، وهنا تتداخل عدة مشكلات في هذا الملف: العنف داخل الأسرة، وإهمال الأطفال، والاعتداء الجنسي، والاستغلال عبر الإنترنت، والاتجار بالبشر، والاستغلال التجاري، وقد تجتمع أكثر من مشكلة في قضية واحدة، كما حدث في قضية الطفلين؛ فالعنف الأسري كان أحد العوامل التي سبقت وصولهما إلى المستغلين عبر الإنترنت. لكن ذلك لا يعني أن كل طفل يتعرض للعنف الأسري يصبح ضحية للاتجار.

تشريع أكثر صرامة

من ناحيتها تحركت الحكومة العمانية تشريعيًا في هذا الملف، ففي 10 سبتمبر 2025، صدر المرسوم السلطاني رقم 78/2025 بإصدار قانون مكافحة الاتجار بالبشر، ليحل محل التشريع السابق وينظم بشكل أوسع مواجهة الجريمة وحماية الضحايا، وفي يوليو 2026، أكدت وزارة الخارجية العُمانية أن القانون الجديد عزز قدرة السلطنة على مواجهة الأساليب المتغيرة للاتجار بالبشر، وعلى تعزيز حماية الضحايا، كما وفرت الحكومة خدمة إلكترونية للإبلاغ عن جرائم الاتجار بالبشر، تشمل الاستغلال الجنسي والعمل القسري والخدمة القسرية والتسول، وقد جرى تحديث صفحة الخدمة رسميًا في 25 أغسطس 2026، لكن وجود قانون جديد وآلية للإبلاغ لا يعني أن المشكلة انتهت.

المشكلة الأصعب: الوصول إلى الضحية

تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2025 وضع عُمان في المستوى الثاني (Tier 2)، معتبرًا أن الحكومة لا تستوفي بالكامل المعايير الدنيا للقضاء على الاتجار بالبشر، رغم أنها تبذل جهودًا مهمة.

ومن أبرز التحديات التي يطرحها التقرير محدودية القدرة على اكتشاف بعض ضحايا العمل القسري والاستغلال في الخدمة المنزلية.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن عدد الضحايا الذين تظهرهم الإحصاءات الرسمية يعكس الحالات التي تمكنت المؤسسات من الوصول إليها والتعرف عليها، وليس بالضرورة كل الحالات الموجودة في الواقع.

بالنسبة إلى عاملة منزلية تعيش داخل منزل خاص، وتعتمد على صاحب العمل في السكن والدخل، قد يكون الوصول إلى الشرطة أو مؤسسات الحماية أكثر صعوبة. والأمر نفسه قد ينطبق على طفل يعيش في أسرة مضطربة أو يخشى الإبلاغ عما يتعرض له.

كما وثقت Human Rights Watch في تقارير سابقة أوضاعًا صعبة لبعض العاملات المنزليات في عُمان، بما في ذلك ساعات العمل الطويلة، ومصادرة جوازات السفر، وعدم دفع الأجور، وتقييد الحركة، والعنف الجسدي والتحرش والاعتداء الجنسي، وفي دراسة ركزت على عاملات من تنزانيا، قالت غالبية النساء اللواتي قابلتهن المنظمة إنهن كن يعملن بين 15 و21 ساعة يوميًا دون يوم راحة.

لكن هذه النتائج لا يمكن تحويلها إلى إحصائية عن جميع العاملات في السلطنة؛ فهي تعتمد على مقابلات نوعية مع عاملات، ولا تمثل مسحًا شاملًا للعمالة المنزلية.

الخلاصة

الصورة التي تظهر من البيانات الحكومية العُمانية والتقارير الدولية والقضايا المنشورة في الصحافة المحلية ليست صورة «سوق واسعة ومنظمة للاتجار الجنسي بالأطفال».

الأدلة المتاحة تقول تحديدًا أن هناك حالات موثقة للاتجار الجنسي بنساء وأطفال، وآلاف الحالات المسجلة من إساءة الأطفال، وقضايا حديثة تكشف استخدام الوسائل الرقمية في استدراج القاصرين، ومخاطر مستمرة تواجه العاملات المهاجرات، خصوصًا في الخدمة المنزلية، ومع ما اتخذته  عُمان من خطوات تشريعية ومؤسسية لمواجهة الاتجار، كان أبرزها قانون مكافحة الاتجار بالبشر الجديد وآليات الإبلاغ والحماية، إلا أن التحدي الأكبر لا يتوقف عند سن القوانين، بل في الوصول إلى الضحية قبل أن تتحول الهشاشة إلى استغلال، خصوصًا عندما يكون الطفل خارج حماية أسرته، أو عندما تكون العاملة المهاجرة خلف أبواب منزل خاص ولا تملك القدرة على طلب المساعدة.

الدولة عُمان

سعيد بن همام

كاتب عماني في المهجر

مقالات ذات صلة

التعليقات