نصٌّ وُقّع في مكة
في السابع من أغسطس 2026، وفي قصر الصفا بمكة المكرمة، وقّع ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، اتفاقية مكة للدفاع المشترك. وقد اختُصر مضمونها المعلن في جملة واحدة استوقفت العواصم كلها: أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعدّ هجوماً عليها جميعاً. وأُلحقت بهذه الجملة إحالة إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، أي إلى حق الدفاع عن النفس فردياً وجماعياً، وتأكيد متكرر من عواصم الدول الثلاث بأن الاتفاقية دفاعية الطابع ولا تستهدف دولة بعينها، وأنها مفتوحة أمام من يرغب في الانضمام إليها.
ومنذ تلك الجمعة انقسمت القراءات انقساماً حاداً. فبين من رأى فيها زلزالاً سياسياً يعلن نهاية النظام الأمني الذي أدارته واشنطن في المنطقة منذ عقود، ومن رأى فيها ورقة سياسية بلا مضمون عملياتي، تقع مساحة واسعة من التحليل تستحق أن تُقرأ بهدوء. والسؤال الذي ينبغي أن يحكم هذه القراءة ليس ما إذا كانت الاتفاقية مهمة أم لا، فأهميتها الرمزية والسياسية لا تحتاج إلى برهان، وإنما ما إذا كان في وسع أطرافها أن ينقلوها من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى الترتيب الدفاعي القابل للتفعيل. وهذه مسافة قطعتها أحلاف قليلة في تاريخ المنطقة، وتعثّرت عندها أحلاف كثيرة.
وثمة ملاحظة منهجية لا بد من تقديمها منذ البداية: النص الكامل للاتفاقية لم يُنشر حتى اليوم. وكل ما بين أيدي الباحثين هو البيان الختامي المشترك، وتصريحات المسؤولين في العواصم الثلاث، وما تسرّب إلى الصحافة من مصادر دبلوماسية. ومعنى ذلك أن أي حكم قاطع على طبيعة الالتزام الذي تفرضه الاتفاقية، سلباً أو إيجاباً، هو حكم على ما نعرفه عنها لا على ما فيها.
ما الذي سبق مكة؟ مسارٌ لا لحظة
يُخطئ من يقرأ اتفاقية مكة بوصفها ردَّ فعل مرتجلاً على حرب مشتعلة. فالمسار الذي انتهى إليها يمتد إلى ما يقرب من عام كامل، وفيه محطات تكشف عن تراكم لا عن ارتجال.
بدأ المسار في سبتمبر 2025، حين استهدفت إسرائيل وفداً لحركة حماس في مجمّع سكني بالدوحة، في سابقة هي الأولى من نوعها ضد دولة خليجية. وبعد أيام قليلة، وفي السابع عشر من الشهر نفسه، وقّعت المملكة العربية السعودية وباكستان في قصر اليمامة بالرياض اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك، وهي الاتفاقية التي حملت المبدأ ذاته الذي سيتكرر لاحقاً في مكة. ثم جاء التاسع من يناير 2026 ليحمل أول إعلان عن محادثات وُصفت آنذاك بالمتقدمة، تهدف إلى توسيع الترتيب السعودي الباكستاني ليشمل تركيا، أو إلى صياغة اتفاق ثلاثي جديد.
وفي الثاني والعشرين من فبراير 2026، أي قبل أيام من اشتعال الحرب، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن خطة لتشكيل تحالف سداسي يضم إسرائيل واليونان والهند وقبرص وعدداً من دول اتفاقيات أبراهام، وقدّمه بوصفه ترتيباً في مواجهة ما سمّاه المحور الشيعي المتداعي والمحور السني الناشئ. وهذا الإعلان، بصرف النظر عن حظوظه من التحقق، يضع اتفاقية مكة في سياقها الصحيح: نحن أمام محاولتين متوازيتين لإعادة اصطفاف الإقليم، لا أمام مبادرة منفردة.
وفي الثامن والعشرين من فبراير 2026 اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وردّت طهران وحلفاؤها بضربات واسعة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية طالت منشآت النفط والموانئ والبنى التحتية الحيوية في المملكة والكويت والإمارات، فتعطّلت الملاحة في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، وأُغلق مضيق هرمز. وفي هذه الأثناء أرسلت باكستان إلى المملكة آلاف الجنود ومنظومات دفاع جوي وسرباً من الطائرات المقاتلة، بينما اضطلعت في الوقت نفسه بدور الوسيط بين طهران وواشنطن.
ثم تسارعت الخطوات في الأسابيع الأخيرة قبل التوقيع. ففي الثالث عشر من مايو أعلن وزير الدفاع الباكستاني أن ترتيبات انضمام تركيا وقطر إلى الاتفاق القائم في طور الإنجاز. وفي العشرين من يونيو اجتمع في القاهرة وزراء خارجية اللجنة الرباعية التي تضم مصر إلى جانب الدول الثلاث. وفي السادس والعشرين من يوليو أعلنت الكويت اتفاقية تعاون دفاعي مع باكستان. وفي الثلاثين من يوليو استضافت الرياض اجتماعاً بمشاركة ثلاث وأربعين دولة لبحث تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الممرات المائية، يكون مقره وقيادته في المملكة، ووقّعت أربع عشرة دولة على دعم المشروع، من بينها تركيا وباكستان. وقبل التوقيع بأيام، أقرّت الإدارة الأمريكية اتفاقاً نووياً مع المملكة يتيح لها تخصيب الوقود لاستخدامه في المفاعلات المدنية لمدة ثلاثين عاماً.
هذه السلسلة تقول شيئاً واحداً بوضوح: الرياض لا تنتقل من مظلة أمنية إلى مظلة أخرى، بل تبني طبقات متعددة يجاور فيها الترتيب الإقليمي الشراكةَ مع واشنطن بدل أن يحل محلها. وهذه الملاحظة وحدها تُسقط كثيراً من التفسيرات المتسرعة التي رأت في مكة قطيعة مع الولايات المتحدة.
منطق التكامل: المال والصناعة والردع والجغرافيا
تكاد كل القراءات، على تباينها، تتفق على نقطة واحدة: أن قدرات الدول الثلاث متكاملة إلى حد لافت. فالمملكة العربية السعودية تجمع الثقل المالي والمكانة الدينية والمركزية في سوق الطاقة العالمية، وتمتلك طاقة إنتاجية فائضة تمنحها تأثيراً استثنائياً في الإمدادات والأسعار. وتركيا تملك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وقاعدة صناعية دفاعية سريعة التوسع، انتقلت خلال عقدين من الاستيراد إلى التصنيع فالتصدير، ولها خبرة ميدانية متراكمة في سوريا وليبيا والقوقاز. وباكستان تقدّم جيشاً كبيراً محترفاً وخبرة عملياتية طويلة، وهي الدولة المسلمة الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً.
غير أن الجغرافيا في هذه المعادلة لا تقل شأناً عن القدرات. فالمملكة تربط بموقعها بين الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، ولها سواحل على البحر الأحمر والخليج معاً، وقد أثبت إغلاق هرمز أن موانئها على البحر الأحمر قادرة على أن تكون بديلاً لوجستياً لإمدادات الطاقة. وتركيا تصل آسيا الوسطى بجنوب أوروبا، ولها فوق ذلك حضور عسكري متقدم في القرن الأفريقي عبر قاعدتها في الصومال، على مقربة من باب المندب. وباكستان تصل الشرق الأوسط بجنوب آسيا وآسيا الوسطى وغرب الصين. فإذا وُضعت هذه المواقع الثلاثة على خريطة واحدة، ظهر أن الاتفاقية لا تجمع ثلاث قدرات عسكرية فحسب، بل تربط ثلاث مساحات جيوستراتيجية كانت تُقرأ حتى الأمس بوصفها أقاليم منفصلة.
وهنا تكمن الأهمية الجيوسياسية الحقيقية للاتفاقية. فهي، بصرف النظر عن مآلها العملياتي، تُقلّص المسافة الاستراتيجية بين الخليج وشرق المتوسط وجنوب آسيا، وتجعل أي أزمة في إحدى هذه المساحات مسألة تعني الأخريين. وهذا تحوّل في خريطة التفكير الأمني قبل أن يكون تحولاً في موازين القوة.
وقد أشار الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق والسفير السابق في واشنطن ولندن، إلى وجه مهمل في هذه المعادلة، حين اعترض على القراءة التي تختزل دور المملكة في قدرتها المالية وحدها. فأهميتها الجيوستراتيجية، في رأيه، ليست أقل من أهمية الأطراف الأخرى إن لم تكن تفوقها، لأنها تجمع الموقع والموارد والمكانة الدينية والاعتدال السياسي والدور الدبلوماسي في آنٍ واحد. وهذه ملاحظة تستحق التوقف، لأن كثيراً من التحليلات الغربية وقعت فعلاً في هذا الاختزال، فوزّعت الأدوار على نحو مبسّط: المال من الرياض، والصناعة من أنقرة، والردع من إسلام آباد.
ما لا تقوله الاتفاقية
إذا كان منطق التكامل يشرح لماذا وُقّعت الاتفاقية، فإن قراءة ما غاب عنها تشرح لماذا يتحفظ كثير من المحللين على تسميتها حلفاً. والفجوات هنا ليست تفصيلية.
أولاً، لا تنشئ الاتفاقية، بحسب ما هو معلن، قيادة مركزية مشتركة، ولا ترسم مساراً محدداً لتحقيق القابلية للعمل المشترك بين الجيوش الثلاثة، ولا تفرض التزامات واضحة في الإنفاق الدفاعي أو التسليح المشترك. وهذه العناصر الثلاثة هي بالضبط ما يميز الحلف المؤسسي عن التفاهم السياسي.
ثانياً، لا تتضمن الاتفاقية أي ذكر للسلاح النووي. وقد حرص المسؤولون الباكستانيون منذ اتفاقية 2025 على التأكيد أن الترتيب لا يشمل مظلة نووية، وأكد المسؤولون السعوديون بدورهم أن الاتفاقية لا صلة لها بأي مساعٍ نووية ولا بسباق تسلح. ويبقى البعد النووي حاضراً في الأذهان وغائباً عن النص، وهو غياب مقصود على الأرجح، لأن إدراجه كان سيحوّل الاتفاقية من ترتيب إقليمي إلى ملف انتشار دولي.
ثالثاً، وهو الأهم عملياً، تظل طبيعة الاستجابة غامضة. فالتضامن الجماعي لا يعني بالضرورة أن كل هجوم يستدعي تلقائياً رداً عسكرياً متماثلاً بصرف النظر عن حجمه وظروفه وسياقه السياسي. وحين وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بند الدفاع الجماعي بأنه مماثل تقنياً للمادة الخامسة من ميثاق الأطلسي، أضاف في الوقت نفسه أن طبيعة المساعدة تتوقف على الظروف. وهذا الغموض قد يكون مقصوداً ومفيداً، لأنه يوسّع هامش القرار السياسي، لكنه يضعف الردع في اللحظة نفسها. فالردع لا يقوم على ما تستطيع الدول فعله، بل على ما يعتقد الخصم أنها ستفعله.
وقد وضع الواقع هذا الغموض على المحك سريعاً. فبعد يومين فقط من التوقيع، تعرّضت منشأة نفطية في جازان لهجوم بطائرة مسيّرة من دون أن يترتب على ذلك تحرك جماعي معلن. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاتفاقية بلا أثر، إذ من غير المنطقي أن يُفعّل بند الدفاع الجماعي عند كل ضربة محدودة، لكنه يكشف أن آلية الاستجابة لم تُختبر بعد بصورة عملية ومعلنة.
ثلاث قراءات متعارضة لهدف الاتفاقية
لعل أطرف ما في الجدل حول اتفاقية مكة أن المحللين لم يختلفوا على تقدير قوتها فحسب، بل اختلفوا على تحديد الطرف الذي وُجّهت إليه أصلاً. وثلاث قراءات متمايزة تتنازع الميدان.
القراءة الأولى ترى أن الاتفاقية موجّهة إلى إسرائيل أكثر مما هي موجّهة إلى إيران. وهي قراءة شائعة في التعليق الروسي، ويسندها أصحابها إلى تدهور العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، وإلى الحديث الإسرائيلي المتصاعد عن تركيا بوصفها الخصم القادم، وإلى ضربة الدوحة التي أثبتت لدول الخليج أن التهديد قد يأتي من الجهة التي لم تكن محسوبة. ويضاف إلى ذلك أن الإعلان عن التحالف السداسي سبق اتفاقية مكة بخمسة أشهر فقط.
والقراءة الثانية ترى العكس تماماً: أن الاتفاقية توازنٌ في مواجهة المحور الإيراني الروسي، وأنها تمنع هيمنة طرف واحد على الإقليم. وهي قراءة حاضرة في كتابات عربية عدة، وتستند إلى أن الضربات التي تلقّتها المملكة خلال الحرب جاءت من إيران وحلفائها لا من غيرهم، وأن التوقيت يشير إلى ذلك بوضوح.
والقراءة الثالثة تنفي الاثنتين معاً. ويمثّلها علي باكير، أستاذ الشؤون الدولية والأمن والدفاع في جامعة قطر، الذي يرى أن مرونة الاتفاقية تنبع تحديداً من أن أولويات التهديد لدى أطرافها مختلفة. فتركّز المملكة على التهديدات الناشئة في الخليج وعلى المواجهة الإيرانية الإسرائيلية الأوسع، وتنشغل تركيا بعدم الاستقرار في المشرق وبالأجندة الإسرائيلية في جوارها، بينما تبقى الهند مصدر القلق التقليدي لباكستان. وهذا التباين، في رأيه، لا ينتقص من قيمة الاتفاقية بل يكشف اتساع نطاق المصالح الأمنية التي يشملها الإطار. ويضيف باكير ملاحظة مهمة: أن قراءة الاتفاقية بوصفها تحالفاً طائفياً لا تتجاهل منطقها الاستراتيجي فحسب، بل تُستخدم أحياناً لتأجيج التوترات الإقليمية أو للتقليل من شأنها.
وأما الأمير تركي الفيصل فقد ذهب أبعد من ذلك في مواجهة المشكّكين، إذ رأى أن إقامة التحالفات لمواجهة تهديدات قائمة أو متوقعة حق مشروع للدول بموجب القانون الدولي وممارسة طبيعية في التاريخ الدبلوماسي، وأن من يشكّك في جدوى حلف دفاعي بين دول غير مذهبية إنما يُضمر لها شراً أو يخطط لاستهدافها مستقبلاً. وهي عبارة حادة، لكن حدّتها نفسها تكشف عن حجم الانزعاج الذي أثارته موجة التشكيك في الرياض.
وربما كان أصدق ما يقال إن القراءات الثلاث ليست متنافية بالضرورة. فالاتفاقية التي لا تسمّي عدواً تسمح لكل طرف بأن يقرأ فيها ما يخدم حساباته، وهذه في ذاتها ميزة تفاوضية لا عيب في الصياغة.
الردود الإقليمية: بين التقليل والترقّب
جاء الرد الإيراني على مستويين متمايزين. فعلى المستوى البرلماني وصف أحد أعضاء لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الاتفاقية بأنها اتفاق ورقي لن يحقق للمملكة أمناً، ودعا الرياض إلى تغيير سياستها حتى لا تضطر إلى طلب الأمن من الآخرين. وعلى المستوى الرسمي جاءت اللهجة أهدأ بكثير، إذ رحّب وزير الخارجية عباس عراقجي بوحدة الدول الإسلامية ودعاها إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية، بينما قال المتحدث باسم الخارجية إن لا داعي للقلق من اتفاقية مكة لأن لإيران علاقات عميقة مع تركيا وباكستان وحتى مع المملكة.
ثم جاء تطور لافت في الثالث والعشرين من أغسطس، حين نُقل عن مسؤول إيراني أن طهران تلقّت دعوة للانضمام إلى الاتفاقية وأنها تدرسها، قبل أن ينفي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية تلقّي دعوة رسمية، مع إقراره بأن مقترحات للحوار بشأن الأمن الجماعي الإقليمي قد طُرحت فعلاً. ويجب التعامل مع هذه الرواية بحذر شديد، فمصدرها دون مستوى الموقف الرسمي، ولم تؤكدها أي من العواصم الثلاث. لكن مجرد تداولها يستحق التأمل، لأن انضمام طهران، لو تحقق، سيحوّل ترتيباً وُصف على نطاق واسع بأنه حماية من إيران إلى منتدى أمني إقليمي بالمعنى الكامل. وهو احتمال بعيد في الأمد المنظور، لكنه يكشف أن الاتفاقية أوسع من ثنائية الصديق والعدو التي حُشرت فيها.
أما إسرائيل فامتنع مكتب رئيس وزرائها عن التعليق، وهو صمت لافت في ذاته. وأعلنت الخارجية الهندية أنها تراقب الوضع عن كثب. وجرى قبل التوقيع بيوم واحد اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ونظيره الهندي بحثا فيه تطورات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ولا يوجد ما يثبت صلة بين الحدثين، لكن تزامنهما لا يمكن إغفاله، ولا سيما أنه رافق دخول اتفاقية استثمار بين نيودلهي وتل أبيب حيز التنفيذ.
وفي الخليج، لزمت أبو ظبي الصمت، وهو موقف يُقرأ على الأرجح بوصفه تفضيلاً للمراقبة مع حماية شراكاتها المتنوعة. وتبدو قطر المرشح الأول للانضمام بحكم علاقاتها العسكرية الوثيقة مع تركيا وعودة علاقاتها مع الرياض، تليها الكويت التي وقّعت للتو اتفاقية تعاون دفاعي مع باكستان.
ويبقى غياب مصر هو السؤال الأبرز. فالقاهرة عضو في اللجنة الرباعية التي تضم الدول الثلاث، وقد سعت أنقرة إلى صيغة رباعية قبل أن تستقر الأمور على الثلاثية، وتوقّع وزير الخارجية التركي انضمام مصر بعد إنجاز بعض المسائل الفنية. والأرجح أن الغياب يعكس حرص القاهرة على هامش واسع من الحركة وتجنّب الالتزامات العسكرية الملزمة ما لم تتطابق مباشرة مع أولويات أمنها القومي، لا رفضاً للمسار في ذاته. ويلاحظ إلى جانب ذلك أن أكبر دولتين إسلاميتين من حيث عدد السكان بعد باكستان، أي إندونيسيا ومصر، تقفان خارج الترتيب، وهو ما يحدّ من قدرته على تقديم نفسه إطاراً إسلامياً جامعاً.
قراءات القوى الكبرى: واشنطن وموسكو وبكين
تنقسم القراءة الأمريكية على نفسها. فثمة اتجاه يرى في اتفاقية مكة دليلاً على أن النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة قد انتهى، وأن الرياض وشركاءها الجدد يسعون إلى نظام يتيح لهم هم لا لواشنطن أن يشكّلوا المنطقة. وفي المقابل يذكّر اتجاه أكثر تحفظاً بأن للمملكة اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان منذ 2025 ومع دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2000، ولم تُترجم أي منها عملياً إلى استجابة من النوع المرتبط بالمادة الخامسة الأطلسية. ويرى هذا الاتجاه أن الميزة الدبلوماسية التي توفرها الاتفاقية قد تكون أهم أثراً من التعاون الأمني الملموس، وأن الترتيب لا يتعارض بالضرورة مع السعي الأمريكي إلى الانتقال من دور الضامن الأمني إلى دور المُنسّق. وهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك فرأى أن دعم واشنطن للاتفاقية يتيح لها أن تقدّم تراجع الثقة الخليجية بها في صورة تقاسم ناجح للأعباء.
والقراءة الروسية أشد تبايناً في داخلها. فبين من رأى في الاتفاقية صداقة موجّهة ضد إسرائيل أكثر منها ضد إيران، ومن قدّم قراءة أهدأ تقول إن هدفها الأساس حماية الحدود والبنى التحتية وإمدادات الطاقة والممرات البحرية ومنع عدم الاستقرار، ومن اعتبرها مجرد ورق لأن الرد على ضربة جازان لم يأتِ. وتجمع هذه القراءات على أن الاتفاقية تملأ فراغاً تركته واشنطن، وتلفت في الوقت نفسه إلى أنها قد تشكّل تحدياً لروسيا والصين والهند لا للولايات المتحدة وحدها.
أما القراءة الصينية فتتجه إلى التوصيف القانوني أكثر من التوصيف السياسي. إذ يغلب على التحليل الصيني الرسمي اعتبار الاتفاقية إطاراً سياسياً دفاعياً لا كتلة عسكرية على النمط الأطلسي، وأنها لا تزال في طور النية السياسية، وتفتقر إلى قواعد إلزامية لإرسال القوات وإلى منظومة قيادة موحدة. وقد نقلت الصحافة الصينية عن أندرياس كريغ، أستاذ الدراسات الدفاعية في كينغز كوليدج بلندن، أن الاتفاقية لن تتحول إلى ناتو إسلامي تقبل فيه عشرات الدول الالتزامات الدفاعية نفسها، وأنها ستجتذب بدل ذلك تعاوناً على شكل دوائر متحدة المركز: دول تشارك في مناورات مشتركة، وأخرى تنخرط في الأمن البحري والاستخبارات ومشاريع المشتريات الدفاعية.
ويبقى في الحساب الصيني بُعد لا يُذكر كثيراً: أن العلاقات الدفاعية الوثيقة بين باكستان والصين تجعل إسهام إسلام آباد في هذا الترتيب غير قابل للفصل تماماً عن السلاح والتكنولوجيا والبنية التحتية الصينية. فبكين حاضرة في الاتفاقية من دون أن تكون طرفاً فيها. وفي المقابل، ثمة ملاحظة يكررها المحللون العرب والأتراك على السواء، وهي أن الصين لم تُظهر حتى الآن رغبة ولا قدرة على الاضطلاع بدور أمني شامل يماثل الدور التقليدي للولايات المتحدة، وأن هذا بالذات أحد أسباب لجوء القوى الإقليمية إلى بناء آلياتها الخاصة.
العراق في معادلة الاتفاقية
يحضر العراق في اتفاقية مكة حضوراً مزدوجاً: فهو غائب عن نصها تماماً، وحاضر بقوة في الحسابات التي أنتجتها.
فحين تُعدَّد مصادر التهديد التي دفعت الرياض إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، تأتي الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في المرتبة نفسها التي يأتي فيها الحوثيون. وقد صرّح مسؤول سعودي قبيل التوقيع بأن المملكة تستعد لهجوم كبير منسّق تشنّه ميليشيات مدعومة من إيران في العراق واليمن. وخلال الحرب شاركت المملكة إلى جانب القوات الأمريكية في ضربات دقيقة على أهداف تابعة لتلك الفصائل شرقي العراق. ومعنى ذلك أن الأراضي العراقية دخلت فعلياً في نطاق العمليات التي تشكّل خلفية الاتفاقية، من دون أن تكون بغداد طرفاً في أي من ترتيباتها.
وهذا الوضع يضع العراق في موقع دقيق. فهو من جهة ساحة لصراع لا يملك أدوات ضبطه، ومن جهة أخرى دولة تسعى منذ سنوات إلى إعادة تعريف موقعها بوصفها نقطة التقاء لا نقطة اشتباك. وقد أدارت بغداد سياسة توازن دقيقة بين طهران والرياض وأنقرة وواشنطن، وهي سياسة تزداد صعوبة كلما تصلّبت الاصطفافات من حولها.
ولتركيا في هذه المعادلة حساب إضافي. فأنقرة ترتبط بالعراق بملفات ثقيلة ومتشابكة: الأمن الحدودي وملف حزب العمال الكردستاني، والمياه، والطاقة، ومشروع طريق التنمية الذي يمتد من ميناء الفاو إلى الحدود التركية ويحمل معه رهاناً على تحويل العراق إلى ممر تجاري بين الخليج وأوروبا. وإذا نظرنا إلى اتفاقية مكة بوصفها ترتيباً يربط الخليج بشرق المتوسط، فإن العراق هو الجسر الجغرافي الطبيعي بين طرفي هذا الترتيب. ومن هنا فإن أي استقرار عراقي يخدم منطق الاتفاقية، وأي انزلاق عراقي نحو ساحة مواجهة مفتوحة يقوّضه.
والسؤال الذي يستحق أن يُطرح في بغداد لا في غيرها هو التالي: هل تنظر الحكومة العراقية إلى هذا الترتيب الجديد بوصفه تهديداً يضيّق هامشها، أم بوصفه فرصة لتوسيع شبكة ضماناتها الأمنية والاقتصادية؟ فالمملكة وتركيا شريكان اقتصاديان أساسيان لبغداد، وباكستان دولة لا خصومة بينها وبين العراق. والانفتاح على الصيغة الجديدة، ولو على مستوى التشاور لا الالتزام، قد يمنح العراق مقعداً في نقاش يدور عنه من دونه. وهذه مسألة تتجاوز نطاق هذه المقالة، لكنها تستحق أن تُدرَج في أي تفكير عراقي جاد بالأمن الإقليمي.
حدود التفعيل: خمسة اختبارات
ينتظر اتفاقية مكة، إن أُريد لها أن تتحول إلى ترتيب دفاعي فعلي، خمسة اختبارات على الأقل.
الاختبار الأول هو تباين تصوّر التهديد. فالتصور المشترك للخطر هو أهم عوامل تماسك الأحلاف، وهو محدود هنا. فباكستان تضع الهند في المقدمة، ثم حركة طالبان والجماعات المسلحة على حدودها الغربية وفي بلوشستان. وتركيا تضع الأمن الحدودي والتدخل الإسرائيلي في المشرق في الصدارة. والمملكة تضع إيران وأذرعها في المقام الأول. وقد صاغ الإعلامي الباكستاني أفتاب إقبال هذا الإشكال في صورة أسئلة مباشرة يصعب تجاوزها: إن دخلت باكستان حرباً مع الهند، فهل تقف تركيا والسعودية إلى جانبها بموجب الاتفاقية؟ وباكستان اليوم في اشتباك مع أفغانستان، فهل تقف الرياض وأنقرة معها؟ وجوابه قاطع: لا. ويضيف أن باكستان بدورها لن تقف مع المملكة في مواجهة إيران لاعتبارات داخلية.
والاختبار الثاني هو عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي. وهي عضوية لا تمنع أنقرة من بناء شراكات دفاعية خارج الحلف، لكنها تضيف طبقة من الحسابات السياسية والمسؤوليات العسكرية عند كل أزمة تستدعي استجابة مشتركة. وتزداد المسألة تعقيداً في حال نشوب مواجهة مباشرة بين تركيا ودولة تنتمي إلى المنظومة الغربية. وقد شدّد المسؤولون الأتراك مراراً على أن الاتفاقية لا تتعارض مع عضوية الحلف ولا تحل محله، وهو تأكيد صحيح على المستوى القانوني، لكنه لا يلغي التعقيد على المستوى السياسي.
والاختبار الثالث هو تفاوت القدرات وتقاسم الأعباء. فالالتزام الدفاعي المتبادل هو في جوهره التزام مالي مؤجل. إذ لا بد لأحدٍ أن يدفع كلفة القابلية للعمل المشترك والمخزونات والمناورات والإمداد وشبكات الاستخبارات. وما لم تُحدَّد طبيعة إسهام كل طرف وآليات تقاسم الأعباء بوضوح، فإن التكامل الذي يبدو اليوم مصدر قوة قد يتحول غداً إلى مصدر خلاف.
والاختبار الرابع هو الملفات الثنائية العالقة، ومنها ملفات بين تركيا وبعض دول الخليج، وملفات بين إسلام آباد والرياض تتعلق بالعمالة والديون. تُضاف إليها هشاشة الوضع الاقتصادي الباكستاني، وهي هشاشة تجعل بعض المحللين يقرؤون دوافع إسلام آباد قراءة اقتصادية صريحة: بيع السلاح والخدمات العسكرية مقابل المال.
والاختبار الخامس، وهو الأقل تداولاً، هو خطر التوريط المتبادل. فالمنطق نفسه الذي يجعل الاتفاقية رادعة قد يجعلها آلية جرّ. فاعتبار كل هجوم على طرف هجوماً على الأطراف الثلاثة يفتح الباب نظرياً أمام أثر الدومينو، وقد يجرّ تركيا وباكستان إلى حرب حرصتا طويلاً على النأي بنفسيهما عنها. وهذا الخطر هو الوجه الآخر لغموض آلية الاستجابة: الغموض يحمي من التوريط بقدر ما يُضعف الردع.
خاتمة: من الردع المعلن إلى الترتيب القابل للتفعيل
اتفاقية مكة للدفاع المشترك أكبر من مجرد توسيع للاتفاق السعودي الباكستاني، وأصغر بكثير من حلف عسكري مكتمل الأركان. وهي في مرحلتها الراهنة إطار للتشاور والتنسيق والردع أكثر منها تحالفاً صارماً مستنسخاً عن النموذج الأطلسي. ولعل تسميتها بالناتو الإسلامي أو الناتو السني هي أكثر التسميات تضليلاً، لأنها تحمّل النص ما لا يحتمله، وتُلبس ترتيباً استراتيجياً ثوباً مذهبياً لا يناسبه، ولا يخدم في النهاية سوى من يريد إجهاضه.
غير أن التقليل من شأنها خطأ مقابل. فالاتفاقية أنجزت بالفعل أمراً لم ينجزه غيرها: ربطت ثلاث قوى إسلامية كبرى في إطار إقليمي لا تهيمن عليه قوة خارجية واحدة، ورفعت هامش تفاوضها مع الجميع في ملفات المشتريات الدفاعية ونقل التكنولوجيا ودبلوماسية الأزمات، وأتاحت في أوقات التوتر قناة تشاور سياسي أسرع واستجابة تتمتع بشرعية إقليمية أوسع. وهذه مكاسب حقيقية حتى لو لم يُطلق فيها رصاصة واحدة.
وستتحدد القيمة الاستراتيجية للاتفاقية في السنوات المقبلة بمؤشرات محددة يمكن رصدها: إنشاء غرف عمليات مشتركة، وانتظام تبادل المعلومات الاستخبارية، وتكرار المناورات المشتركة، وتحديد أدوار كل طرف، وإطلاق مشاريع إنتاج دفاعي مشترك، وتوسيع العضوية إلى دول عربية وإسلامية أخرى. فإن تحققت هذه المؤشرات، تكون الصيغة الثلاثية قد صارت نواة لشبكة أمنية إقليمية متعددة المستويات تتعايش مع الترتيبات القائمة بدل أن تحل محلها. وإن بقيت الخلافات حول التهديدات وآليات الالتزام من دون معالجة، فسيظل الاتفاق إطاراً سياسياً مهماً للتنسيق والردع من دون أن يرتقي إلى حلف دفاعي فعلي.
وفي الحالتين، فإن اتفاقية مكة قد سجّلت بالفعل تحولاً في وعي المنطقة بأمنها: أن الأمن الإقليمي مسؤولية أهله قبل أن يكون منّةً من غيرهم. وهذا الوعي، متى ترسّخ، أبقى أثراً من أي نص.