تقرير مصر

الإخوان المسلمون وإيران: من سيد قطب ونواب صفوي إلى خامنئي وإخوان لندن

كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران عام 2026 عن مفارقة مصرية تستحق التوقف عندها. ففي الوقت الذي أعلنت فيه المعارضة الإخوانية في الخارج، ولا سيما جبهة لندن، موقفًا متعاطفًا مع إيران أثناء قصفها لمناطق مدنية في دول الخليج العربي، بحجة مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ظهرت داخل مصر نفسها عبر مقاطع ومناقشات منشورة على يوتيوب ومنصات التواصل، أصوات لمواطنين مصريين عبّرت عن تأييدها لإيران وبنفس الحجة، ووصل بعض هذا الخطاب الاحتفالي من داخل مصر إلى تبرير الهجمات الإيرانية على دول الخليج باعتبارها ردًا على مواقف تلك الدول من الحرب.

ولا يعني ذلك أن المصريين في الداخل الذين اتخذوا موقفًا موحدًا في تأيدهم لإيران، رغم أصواتهم العالية وحجمهم الواسع، يمثلون كل الرأي العام المصري، وإنما يعكس تقاطعاً لافتاً في المواقف من الحرب بين دوائر متباعدة سياسيًا: مواطنين مصريين داخل البلاد من جهة، وبعض تيارات المعارضة الإخوانية في الخارج من جهة أخرى، ويبدو أن هذا الموقف يروق إلى حد ما لجنرالات القاهرة لأن فيه إشغال للمعارضة عنهم ولو مؤقتاً، ومن جهة أخرى يشكل ضغطاً شعبياً وإعلامياً ضد الرياض التي تراجع دعمها المالي للقاهرة.

وفي 19 يونيو 2026، تناولت قناة الجزيرة من مقرها في العاصمة الدوحة التي تعرضت للقصف الإيراني، ظاهرة التعاطف الشعبي المصري مع إيران خلال الحرب، وربطت ذلك بموقف قطاعات من المصريين التي ترى في إيران قوة تواجه إسرائيل والولايات المتحدة. وأظهرت تغطية الجزيرة أن النقاش الرقمي لم يقتصر على إدانة الهجوم على إيران، بل امتد إلى جدل حول الهجمات الإيرانية على دول الخليج وموقف المصريين منها.

وفي الخارج، كان الموقف الإخواني أكثر وضوحًا. ففي 28 فبراير 2026 نشر الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، التابعة لجبهة لندن، بيانًا وقعه صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام، أدان فيه الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران ووصفه بأنه اعتداء على دولة ذات سيادة، وربطه بمشروع إسرائيلي للهيمنة الإقليمية.

لكن المفارقة الأبرز ظهرت في محاولة جبهة لندن الجمع بين متناقضين، دعم إيران من جهة، والتعاطف مع دول الخليج التي تعرضت لاعتداءات إيران من جهة أخرى. ففي 16 مارس 2026، أصدر صلاح عبد الحق بيانًا أعلن فيه رفض الاعتداءات على الدول العربية، مؤكدًا وقوف الجماعة مع الدول والشعوب في مواجهة مشاريع الهيمنة والسيطرة. ويبدو هذا الموقف، عند مقارنته بالبيانات السابقة للجبهة التي أدانت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وأكدت تضامنها مع طهران، أقرب إلى محاولة استباقية لتبرئة الجماعة من أي اتهامات دينية وأخلاقية نتيجة دعمها لاعتداءات إيران الفارسية الشيعية ضد دول عربية وسنية، رغم أن تاريخ الجماعة أظهر تسامحه تجاه كثير من القضايا والاختلافات العقائدية، لتحقيق المشتركات السياسية.

وفي 2 أبريل 2026، نشر مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية دراسة بعنوان «انقسامات حادة: لماذا تباينت مواقف أفرع الإخوان المسلمين تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية؟». ووضعت الدراسة جبهة لندن في خانة «الدعم والمساندة»، لكنها سجلت في الوقت نفسه أن مواقف الفروع الإخوانية الأخرى لم تكن موحدة، وأن إخوان سوريا واليمن اتخذوا مواقف مختلفة من التصعيد الإيراني.

وعليه، فإن حرب 2026 لم تكشف فقط عن استمرار التقارب بين بعض الإسلاميين وإيران؛ بل كشفت أيضًا انهيار فكرة وجود موقف إخواني موحد من طهران، ولفهم هذه المفارقة بين دعم بعض الجماعة وتحفظ بعضها ، لا بد من العودة إلى ما قبل الجمهورية الإسلامية نفسها.

نواب صفوي وسيد قطب وعلي خامنئي: من طهران إلي القاهرة

في إيران، برز اسم نواب صفوي،الذي أسس عام 1945 جماعة Fada’iyan-e Islam، أي فدائيو الإسلام، التي أصبحت من أبرز الحركات الإسلامية الشيعية في إيران قبل الثورة.  وقد بدأ تأثير الإخوان المسلمين يظهر داخل بعض الأوساط الإسلامية الإيرانية. وقد وثّق الباحث سهراب بهداد هذا التأثير في دراسته Islamic Utopia in Pre-Revolutionary Iran: Navvab Safavi and the Fada’ian-e Eslam، المنشورة في دورية Middle Eastern Studies عام 1997، إذ خصص جزءًا من الدراسة لبحث «تأثير الإخوان المسلمين المصريين» (Influence of the Egyptian Muslim Brotherhood) في فكر فدائيان إسلام.

ثم جاءت إحدى أهم محطات هذا التواصل عام 1954، عندما سافر نواب صفوي إلى الأردن ومصر بدعوة من سيد قطب، بحسب الباحث الإيراني مهدي خلجي في دراسته “الإخوان المسلمون في مصر وإيران” (Egypt’s Muslim Brotherhood and Iran)، التي نشرها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 12 فبراير 2009، وفيها ذكر خلجي أن صفوي ذهب إلى البلدين للقاء قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وأن هذه الاتصالات عززت صلته بالحركة الإسلامية المصرية، كما أسهمت في دفع اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في تاريخ العلاقة بين الإسلاميين السنة والشيعة؛ إذ جاءت في مرحلة كان فيها الطرفان يسعيان إلى تجاوز الخلاف المذهبي لصالح تصور أوسع للوحدة الإسلامية ومواجهة النفوذ الغربي. ويشير خلجي إلى أن جماعة فدائيان إسلام التي أسسها صفوي كانت ترى أن مواجهة الهيمنة الغربية تقتضي الحد من الصراع السني-الشيعي وتشكيل جبهة إسلامية موحدة.

وتؤكد دراسة أكاديمية حديثة أعدّها داود عثمان زاده وفتاح سعيدي بعنوان Muslim Brotherhood Legacies and Local Adaptations in Iran: The Iranian Call and Reform Organization، ونُشرت في دورية Politics, Religion & Ideology في 21 ديسمبر 2025، أن تأثير جماعة الإخوان المسلمين في إيران لم يقتصر على الأوساط السنية الكردية، بل وصل أيضًا عبر تواصل مبكر بين جماعة فدائيان إسلام، التي أسسها نواب صفوي عام 1945، وشخصيات مرتبطة بالإخوان في مصر. ويشير الباحثان إلى أن هذه الصلات تعمقت بعد زيارة نواب صفوي إلى القاهرة عام 1954، ثم تعزز انتقال الأفكار الإخوانية إلى إيران مع ترجمة مؤلفات عدد من أبرز مفكري الجماعة، ولا سيما سيد قطب، على أيدي علماء وباحثين في قم ومشهد.

وإذا كان نواب صفوي قد مثّل إحدى أبرز حلقات الاتصال بين الإسلاميين الإيرانيين وجماعة الإخوان المسلمين، فإن سيد قطب مثّل حلقة الاتصال الفكري التي انتقلت عبرها أفكار الإسلام السياسي من مصر إلى إيران. وتوثق دراسة الباحث يوسف أونال، “سيد قطب في إيران: ترجمة المفكر الإسلامي في الجمهورية الإسلامية” (Sayyid Qutb in Iran: Translating the Islamist Ideologue in the Islamic Republic)، المنشورة في Journal of Islamic and Muslim Studies عام 2016، أن أفكار قطب انتشرت في إيران قبل الثورة من خلال حركة واسعة لترجمة مؤلفاته إلى الفارسية، كان علي خامنئي أحد أبرز المشاركين فيها.

ويذكر أونال أن خامنئي، وكان في الثامنة والعشرين من عمره آنذاك، ترجم عام 1967 كتاب سيد قطب “مستقبل هذا الدين” (Al-Mustaqbal li-hadha al-Din) إلى الفارسية، ونشره بعنوان “آينده در قلمرو اسلام”، أي “المستقبل في نطاق الإسلام”. كما تكشف مقدمة خامنئي للترجمة عن تقديره الواضح لقطب وأفكاره، وعن نظرته إلى الكتاب بوصفه ذا أهمية في مواجهة الأيديولوجيات العلمانية وتقديم الإسلام باعتباره مشروعًا للحياة والمجتمع.

ولا تعني هذه الحقيقة أن خامنئي أصبح إخوانيًا، أو أن الفكر الشيعي الإيراني تحول إلى نسخة من فكر سيد قطب؛ فالفروق العقائدية والفكرية بين الطرفين ظلت إلى حد ما قائمة. لكنها تكشف، في المقابل، عن تواصل فكري وحركي عابر للاختلافات المذهبية، وعن وصول بعض أفكار وأساليب الإسلام الحركي السني، الذي مثّل الإخوان المسلمون أحد أبرز تياراته، إلى البيئة الفكرية التي نشأ فيها جيل من قادة الثورة الإيرانية الشيعية.

ومن هذه الزاوية، تبدو ترجمة خامنئي لأعمال قطب أكثر من مجرد نشاط أدبي؛ إذ تعكس اهتمامًا مبكرًا بأدبيات إسلامية حركية كانت تتناول علاقة الدين بالمجتمع والدولة، ودور التنظيم والحركة في مواجهة الأنظمة القائمة، وهي قضايا أصبحت لاحقًا جزءًا من المناخ الفكري الذي تشكلت داخله رؤية عدد من قادة الثورة الإيرانية.

وهنا تكمن إحدى أهم حلقات العلاقة: فقد كان قطب يتحدث عن الإسلام باعتباره مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا شاملًا، وليس مجرد نظام تعبدي، بينما كان الإسلاميون الإيرانيون يبحثون عن صيغة لإعادة الإسلام إلى مركز السياسة والمجتمع، اختلف الطرفان في المذهب ونظرية الحكم، لكنهما التقيا في فكرة أساسية: الإسلام قادر على أن يكون مشروعًا سياسيًا يُوصل أصحابه إلى الحكم ويتحدى النظام الذي تفرضه القوى الغربية.

 الثورة الإيرانية عام 1979: لحظة الانبهار

عندما انتصرت الثورة الإيرانية في فبراير 1979، بدت بالنسبة إلى قطاعات من الإسلاميين السنة تجربة استثنائية؛ فقد أطاحت نظام الشاه، ورفعت شعار إقامة نظام إسلامي، واتخذت موقفًا معاديًا للولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السياق، بادرت قيادة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين إلى التواصل مع المسؤولين الإيرانيين، بهدف تهنئة الثورة وبحث إمكانات التعاون معها. وتذكر مصادر تاريخية صادرة عن الجماعة أن يوسف ندا، القيادي المصري المقيم في سويسرا والمسؤول عن جانب من الاتصالات الخارجية للتنظيم، كان في تلك المرحلة حلقة اتصال مهمة بين الإخوان وقيادة الثورة الإيرانية، وفي مايو 1979، اجتمعت أمانة سر التنظيم الدولي في مدينة لوجانو السويسرية لبحث العلاقة مع إيران، واتخذت قرارًا بتشكيل وفد لزيارة إيران وتقديم التهاني بمناسبة نجاح الثورة والإطاحة بالشاه. ووفقًا للمصادر الإخوانية (مذكرات يوسف ندا وكتاب عبدالله النفيسي عن الحركة ألإسلامية)، ضم الوفد عبد الرحمن خليفة، المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن، وجابر رزق ممثل الإخوان في مصر، وسعيد حوى وغالب همت من الإخوان في سوريا، وعبد الله سليمان العقيل من السعودية. وتذكر هذه المصادر أن الزيارة تمت في يونيو 1979، وأن أخبارها وصور أعضاء الوفد أثناء زيارتهم للقيادة الإيرانية نُشرت في الصحف الإيرانية الناطقة بالعربية.

وقد سبق لقيادات إخوانية، كما ذكر يوسف ندا نفسه في مقابلة في برنامج شاهد على العصر ، أن شكّلوا وفدًا ضم راشد الغنوشي وحسن الترابي وأعضاء من التنظيم في لبنان و التقوا الخميني في باريس قبل عودته إلى إيران، وأنه كان هو المسؤول عن الاتصال بإيران. لكنه قال صراحة إنه لا يستطيع تحديد التاريخ بدقة، بينما تضع بعض المصادر الزيارة في أواخر 1978 أو يناير 1979.

وفي دراسة معهد واشنطن المنشورة في 12 فبراير 2009، نقل مهدي خلجي عن المرشد عمر التلمساني أنه قال عام 1982 إن الإخوان دعموا الخميني سياسيًا لأن شعبًا مظلومًا أطاح بحاكم مستبد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “السنية شيء والشيعة شيء آخر”.

حسن البنا والتقريب بين السنة والشيعة

لم تكن علاقة حسن البنا بالشيعة الإيرانيين موقفًا عابرًا أو مجرد تعاطف نظري، بل ارتبطت منذ أربعينيات القرن العشرين بنشاط عملي في إطار مشروعه الأوسع للوحدة الإسلامية. فقد انفتح البنا على مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية الذي نشأ في القاهرة، وتعامل مع شخصيات شيعية إيرانية بارزة كانت تسعى إلى بناء جسور بين السنة والشيعة.

وكان من أبرز هذه الشخصيات العالم الإيراني محمد تقي القمي، الذي أقام في القاهرة وأصبح من أهم الشخصيات المرتبطة بمشروع دار التقريب. وتشير دراسة منشورة في دورية Politics and Religion إلى أن القمي كان يستقبل من جانب البنا في المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين، حيث جرت بينهما مناقشات حول التقريب والوحدة الإسلامية. وتقدم الدراسة هذه الاتصالات باعتبارها جزءًا من الدور الذي أداه البنا في إنشاء ودعم دار التقريب بين المذاهب الإسلامية (Dār al-Taqrīb bayna al-Madhāhib al-Islāmiyya)، وهي المؤسسة التي هدفت إلى تقليص الخلافات بين السنة والشيعة وتعزيز التعاون الإسلامي.

ولم تقتصر صلات الإخوان على التواصل مع شخصيات شيعية خارج مصر، إذ بدأت أفكار الحركة التي أسسها البنا عام 1928 تجد صدىً داخل بعض الأوساط الإسلامية الإيرانية. وتشير Encyclopaedia Iranica إلى تأثير الإخوان المسلمين في عدد من التيارات الإسلامية الإيرانية، ومن بينها جماعة فدائيان إسلام المرتبطة بنواب صفوي، التي برزت في إيران خلال أربعينيات القرن العشرين. ولا يعني ذلك تطابقًا تنظيميًا أو فكريًا كاملًا بين الجماعتين، وإنما يشير إلى انتقال بعض الأفكار والشعارات والأساليب الحركية من تجربة الإخوان في مصر إلى البيئة الإسلامية الإيرانية.

وتزامن ذلك مع اتصالات مباشرة بين قيادة الإخوان وشخصيات شيعية إيرانية. ففي عام 1948 التقى حسن البنا، خلال موسم الحج، آية الله أبو القاسم الكاشاني، أحد أبرز رجال الدين والسياسة في إيران آنذاك.ويؤكد  الباحث الفرنسي بيير-جان لويزار على مشاركة الإخوان في مشروع التقريب، وإلى لقاء الكاشاني بالبنا أثناء الحج، مع اختلافه في تحديد السنة إلى 1947، وتضع دراسة منشورة في دورية Politics and Religion التابعة لجامعة كامبريدج هذا اللقاء ضمن سلسلة أوسع من الاتصالات التي ربطت الإسلاميين السنة والشيعة في مصر وإيران خلال تلك الفترة. وفي الوقت نفسه كان تأثير الإخوان قد بدأ يظهر داخل البيئة الإسلامية الإيرانية نفسها؛ إذ تشير موسوعة  Encyclopaedia Iranica التابعة لمركز الدراسات الإيرانية في جامعة كولومبيا بنيويورك، إلى تأثير الحركة التي أسسها البنا عام 1928 في بعض الحركات الإسلامية الإيرانية، ومنها فدائيان إسلام التي ارتبطت بنواب صفوي في أربعينيات القرن العشرين.

  التقريب من فكرة إلى مؤسسة إيرانية

رغم أن التقريب لم يكن في الأصل مشروعًا أنشأته الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فقد بدأت فكرته قبل الثورة الإيرانية بثلاثة عقود تقريبًا كما سبق الإشارة إليه،  وهناك من يفترض أن المشروع لم يكن قائماً على نوايا حسنة آو افتراضات وحدوية إسلامية خالصة، وهذا ما يفسر تحول التقريب لاحقًا إلى أحد أدوات السياسة الدينية الإيرانية،

ويقدم الباحث البريطاني إدوارد وِستنج (Edward Wastnidge)، المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية والدبلوماسية والقوة الناعمة، إطارًا مهمًا لفهم هذا التحول. ففي دراسته عن القوة الناعمة الإيرانية، يرى أن الجمهورية الإسلامية لم تعتمد فقط على أدوات القوة الصلبة، وإنما سعت أيضًا إلى توسيع حضورها الثقافي والسياسي من خلال الدبلوماسية العامة والثقافية، بما يساعدها على تشكيل صورتها وتعزيز نفوذها خارج إيران.

ويذهب وِستنج في دراسة أخرى إلى أن المؤسسات الدينية وشبه الحكومية الإيرانية تؤدي دورًا في ترسيخ الروابط الدينية العابرة للحدود بين إيران والعالم الإسلامي، من خلال النشاطات الدينية والتعليمية والبعثات الدبلوماسية التي تنفذها الدولة الإيرانية في الخارج. ويصف هذا الانتشار بأنه تعبير متعدد المستويات عن تداخل المهمة الروحية والسياسية لإيران في المجال الدولي.

وفي كتابه The Geopolitics of Religious Soft Power، يوضح وِستنج أن إيران، منذ محاولاتها تصدير الثورة الإسلامية في ثمانينيات القرن العشرين، استثمرت في بناء بنية دبلوماسية ودينية وتوسيع نشاطها الديني خارج حدودها، بما أسهم في تنمية ما يسميه «القوة الناعمة الدينية» الإيرانية. كما يبين أن الهوية الدينية لا تعمل في السياسة الخارجية الإيرانية باعتبارها مسألة مذهبية فقط، وإنما يمكن توظيفها لتبرير التحرك الاستراتيجي وبناء قنوات للتأثير في الشرق الأوسط.

وبعد ثورة الخميني، لم تتخل إيران عن خطاب الوحدة الإسلامية، بل جعلته جزءًا من سياستها الإقليمية، لكن هنا حدث تحول مهم. ففي مدخلها عن العلاقات بين الشيعة والسنة شرحت موسوعة Encyclopaedia Iranica، أن إيران بعد الثورة قدمت نفسها باعتبارها راعية للتقريب المذهبي، وأن هذه الجهود ازدادت بعد وفاة الخميني، وتذكر الموسوعة أن منظمة للتقريب بين المذاهب أُعلنت في طهران عام 1990 بدفع من علي خامنئي، ثم تطورت إلى مؤسسة رسمية معنية بالتقريب، لكن الموسوعة تضيف ملاحظة شديدة الأهمية: قرب المؤسسة من الحكومة وخدمتها لأهداف النظام السياسية والإقليمية كان واضحًا،وهنا يظهر التحول التاريخي، التقريب بدأ كحوار ديني عابر للدول، ثم أصبح في الجمهورية الإسلامية جزءًا من بنية الدولة وسياساتها الخارجية، فهل نشاط التقريب غطاءً لنشر التشيع، ولماذا بدأ بعض المفكرين السنة ينظرون بريبة إلى المؤسسة الإيرانية للتقريب؟

النقد السني لمشروع التقريب: عمارة والقرضاوي مثالاً

كان محمد عمارة من أبرز المتحمسين لفكرة الحوار والتقريب بين السنة والشيعة، لكنه رفض أن يتحول التقريب إلى إلغاء للفوارق المذهبية أو إلى مدخل لنشر التشيع في المجتمعات السنية. وفي محاضرة له بالأزهر في 11 أكتوبر 2012، انتقد ما اعتبره توظيفًا لمفهوم التقريب في ظل استمرار الخلافات العقدية، متسائلًا: فكيف نتفاعل مع هذا الغلو من خلال التقريب بين المذاهب الذي يزعمونه، كما أكد في حديث نشره مصراوي في 31 أكتوبر 2012 أن الحوار مع الشيعة مهم، لكنه شدد على أن جوهر الخلاف يتعلق بالعقيدة والأصول.

وكذلك الشيخ يوسف القرضاوي باعتباره من أبرز الأمثلة على هذا التحول. فقد أكد بنفسه أنه كان في السابق من دعاة التقريب، وقال في برنامج «الشريعة والحياة» على قناة الجزيرة، في 12 أبريل 2013: أنا كنت قديماً من دعاة التقريب، وظللت سنوات في هذه المسيرة أحضر كل مؤتمرات التقريب، إلا أنه كما قال غيّر موقفه بعدما خلص، من خلال تجربته، إلى أن عملية التقريب لم تكن متوازنة. وقال صراحة: وجدت أن الذين يستفيدون من عملية التقريب هم الشيعة، أما أهل السنة فلا يستفيدون شيئاً. وربط ذلك بما قال إنه انتشار للمؤسسات والنشاطات الشيعية في مناطق ذات غالبية سنية، موضحًا: ذهبنا إلى سوريا وعملنا تقريب، فبعد ذلك فتحوا حسينيات، عشرات الحسينيات، وفي أماكن ليس فيها شيعة، أماكن السنة.

لماذا كان الإخوان مهمين بالنسبة لإيران؟

لم تكن أهمية جماعة الإخوان المسلمين بالنسبة لإيران نابعة من مجرد كونها حركة سنية واسعة الانتشار، وإنما من موقعها داخل المجال الإسلامي السني ومن قدرتها على توفير قنوات اتصال سياسية وفكرية واجتماعية لا تستطيع طهران الوصول إليها بسهولة من خلال علاقاتها التقليدية مع القوى الشيعية. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، واجهت إيران معضلة أساسية في مشروعها الإقليمي: كيف تقدم نفسها بوصفها قوة إسلامية عابرة للانقسام المذهبي، بينما ترتبط صورتها في العالم العربي، بدرجة كبيرة، بالهوية الشيعية وبصراعها مع القوى السنية العربية؟

ولتحقيق ذلك الهدف، عمل الإيرانيون على تطوير تواصلهم مع جماعة الإخوان تدريجيًا ليتحول إلى أداة يمكن أن تخدم أهدافًا سياسية أوسع. فبحسب دراسة  توقعات متباينة: إيران والإخوان المسلمون بعد الانتفاضات العربية، المنشورة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 19 مارس 2019، نظرت إيران إلى جماعة الإخوان باعتبارها “جسرًا” يمكن من خلاله الوصول إلى العالم السني، وإلى جماعات إسلامية أخرى يصعب على طهران التواصل معها بصورة مباشرة. وتكمن قيمة هذا الجسر في أن إيران لم تكن تحتاج إلى أن تحوّل الإخوان إلى حلفاء شيعة أو إلى وكلاء لها؛ كان يكفيها في بعض الحالات الاحتفاظ بعلاقات مع قياداتهم وشخصياتهم، واستخدام هذه العلاقات لفتح قنوات مع دوائر أوسع داخل الإسلام السياسي السني. ومن ثم أصبحت شبكة الإخوان نفسها، بما تتضمنه من شخصيات وتنظيمات وامتدادات عابرة للحدود، موردًا سياسيًا يمكن لطهران الاستثمار فيه.

وتتجاوز الفائدة هنا مسألة الاتصال المباشر إلى مسألة أكثر أهمية، هي توسيع المجال الذي تستطيع إيران أن تتحرك داخله من دون أن تبدو محصورة في إطار مذهبي شيعي. فوجود علاقات مع شخصيات وحركات سنية يسمح لطهران بتقديم خطابها حول فلسطين ومناهضة إسرائيل والولايات المتحدة و”المقاومة” باعتباره خطابًا إسلاميًا مشتركًا، وليس مجرد تعبير عن مشروع شيعي تقوده إيران.

ومن هذه الزاوية، كان الإخوان مفيدين لإيران أيضًا في مواجهة العزلة الإقليمية. فقد اعتمدت طهران، إلى جانب علاقاتها الحكومية، على بناء صلات مع الفاعلين من غير الدول والحركات الإسلامية والشبكات الاجتماعية والسياسية في المنطقة. وكانت جماعة الإخوان، بحكم انتشارها وعلاقاتها الدولية، من أكثر القنوات التي يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه. ويتضح ذلك بصورة خاصة خلال مرحلة ما بعد «الربيع العربي»، عندما رأت إيران في صعود الإخوان فرصة لإعادة بناء بعض علاقاتها مع العالم العربي، ولا سيما مصر. فصعود محمد مرسي إلى الرئاسة عام 2012 فتح الباب أمام اتصالات إيرانية–مصرية رفيعة المستوى، وصلت إلى زيارة مرسي لطهران، ثم زيارة محمود أحمدي نجاد للقاهرة، في محاولة إيرانية لاستثمار التحول السياسي المصري وكسر جانب من العزلة التي فرضتها القطيعة الطويلة بين البلدين.

 

 

الدولة مصر
ابراهيم الهطلاني

ابراهيم الهطلاني

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات