كشكول اليمن

المخا : سقوط بعد انسحاب،، قراءة في الصحف الغربية

حظي سقوط مدينة المخا اليمنية بيد الحوثيين في 10 سبتمبر/أيلول 2026 بتغطية واسعة في الصحافة الدولية، ولا سيما الأمريكية والأوروبية، التي لم تتعامل مع الحدث باعتباره مجرد خسارة لمدينة ساحلية، بل وضعته في سياق التحول المتسارع في ميزان السيطرة على الساحل الغربي لليمن والاقتراب من مضيق باب المندب. الإعلام الغربي وصف السيطرة على المخا بأنها جزء من تحرك حوثي أوسع للسيطرة على ساحل البحر الأحمر، وأن سقوط المدينة منح الحوثيين وإيران ورقة ضغط إضافية في ظل الحرب الأمريكية–الإيرانية الجارية. كما اعتبر معهد دراسة الحرب أن السيطرة على ميناء المخا حسّنت بصورة ملموسة موقع الحوثيين في مواجهة الملاحة عبر باب المندب.

وفي المقابل، فإن رواية “الانسحاب التكتيكي أو الاستراتيجي لإعادة التجميع” التي قدمها طارق صالح تحتاج إلى تحليل ومراجعة أكثر. فقد أعلن صالح بالفعل أن القوات التابعة له أعادت انتشارها جنوب المخا بهدف إعادة التنظيم في موقع أكثر أمنًا، لكن هذه الرواية لا تقدم تفسيرا مقنعاً يبرر سرعة فقدان المدينة والميناء، خصوصًا أن قوات صالح تمتلك المكان والعناصر المدربة والعتاد والسلاح النوعي، تقارير أخرى أفادت بأن القوات الحكومية انسحبت جنوبًا مع دخول الحوثيين إلى المخا، فيما وصفت بعض التغطيات دخول الحوثيين إلى المدينة بأنه تم تقريبًا من دون قتال داخلها.

والأهم أن المعطيات المتاحة لا تشير إلى مجرد مناورة محدودة حول مدينة المخا؛ إذ تحدثت التقارير عن تراجع القوات الحكومية من مواقع عدة على الساحل الغربي، بالتزامن مع تقدم الحوثيين جنوبًا باتجاه ذُباب، بينما رأى معهد دراسة الحرب أن السيطرة على المخا جاءت نتيجة استغلال الحوثيين للظروف الميدانية التي نشأت خلال أيام القتال السابقة في محافظتي الحديدة وتعز.

وبناءً على ذلك، تبدو القراءة الأكثر دقة هي أن الانسحاب كان بالفعل قرارًا معلنًا من جانب القوات المدافعة، لكنه حدث تحت ضغط عسكري وربما تفاهمات سياسية، وليس انسحابًا طوعيًا منفصلًا عن التجاذبات والصراعات الإقليمية. ومن ثم فإن الحكم على ما إذا كان الانسحاب استراتيجيًا بالمعنى العسكري الكامل يحتاج إلى انتظار اتضاح ما إذا كانت القوات التي أعادت انتشارها جنوبًا ستتمكن من الاحتفاظ بمواقعها الجديدة ووقف التقدم الحوثي نحو باب المندب.

 معركة على المدينة أم خطوة نحو باب المندب؟

أثار سقوط مدينة المخا اليمنية في 10 سبتمبر/أيلول 2026 اهتمامًا واسعًا في الصحافة الأمريكية والأوروبية والروسية، كما استحوذ على اهتمام عدد من مراكز الأبحاث والدراسات الأمنية. وتكشف مقارنة هذه التغطيات أن الحدث لم يُنظر إليه باعتباره مجرد خسارة لمدينة يمنية، وإنما باعتباره تحولًا في خريطة السيطرة على الساحل الغربي لليمن، يمكن أن تمتد تداعياته إلى باب المندب وأمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.

صحيفة The Guardian البريطانية كانت من أوائل وسائل الإعلام التي سلطت الضوء على أهمية التطور، إذ نشرت في 10 سبتمبر تقريرًا بعنوان: “Houthis seize key Yemeni port of Mocha in drive to take control of Red Sea coast”، أي: «الحوثيون يستولون على ميناء المخا اليمني الرئيسي في مسعى للسيطرة على ساحل البحر الأحمر».

وقالت الصحيفة إن سقوط المخا يأتي ضمن تقدم حوثي أوسع باتجاه باب المندب، معتبرة أن السيطرة على المدينة تقرب الحوثيين وحلفاء إيران من نقطتي اختناق بحريتين مهمتين في المنطقة. وبهذه القراءة، لم تقدم الصحيفة المخا باعتبارها هدفًا عسكريًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من تحرك أوسع للسيطرة على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

وفي الاتجاه نفسه، ذكرت Al Jazeera في 10 سبتمبر أن الحوثيين استولوا على «مدينة المخا الاستراتيجية على البحر الأحمر»، في تقرير حمل عنوان “Yemen’s Houthis seize strategic Red Sea city of Mocha”، أي: «الحوثيون في اليمن يستولون على مدينة المخا الاستراتيجية على البحر الأحمر».

ونقلت القناة عن محللين أن سقوط المخا يمثل ضربة كبيرة للحكومة اليمنية، وأن سيطرة الحوثيين عليها تمنحهم موقعًا أفضل للضغط على باب المندب والتحكم بجزء كبير من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.

أما Deutsche Welle الألمانية، فقد نشرت في اليوم نفسه تقريرًا بعنوان “Yemen: Houthis take control of strategic Red Sea port city”، أي: «اليمن: الحوثيون يسيطرون على مدينة الميناء الاستراتيجية على البحر الأحمر».

وربطت DW سقوط المخا باحتمال عودة الحرب الأهلية إلى مستويات أوسع، مشيرة إلى أن أهمية المدينة لا ترتبط بموقعها المحلي فقط، وإنما بقربها من باب المندب، خصوصًا في ظل الاضطراب الذي تشهده حركة الملاحة في المنطقة.

وكانت Reuters أكثر تركيزًا على التداعيات الإقليمية والاقتصادية، إذ نشرت في 10 سبتمبر تقريرًا بعنوان “Houthi advance along Yemeni coast threatens Saudi oil exports”، أي: «تقدم الحوثيين على الساحل اليمني يهدد صادرات النفط السعودية».

وربطت الوكالة السيطرة على المخا بالتقدم الحوثي جنوبًا على ساحل البحر الأحمر، محذرة من أن اتساع نطاق السيطرة بالقرب من باب المندب يمكن أن يضيف مخاطر إلى طرق تصدير النفط السعودية. وبذلك انتقلت قراءة الحدث من ساحة الحرب اليمنية إلى أمن الطاقة الإقليمي.

وفي تقرير آخر نشرته رويترز في اليوم نفسه، تناولت الوكالة الدور الإيراني تحت عنوان: «مصادر: أسلحة ومشورة إيران ساعدت الحوثيين في اليمن على السيطرة على المخا».

وأوضحت رويترز أن هذه المعلومات تستند إلى مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية، وهو ما يجعل من الضروري التعامل معها باعتبارها معلومات منسوبة إلى تلك المصادر، وليس باعتبارها دليلًا مستقلًا يثبت أن طهران أصدرت أمرًا مباشرًا بالعملية.

أما The Washington Post الأمريكية، فقد ربطت سقوط المخا مباشرة بالصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران. ونشرت في 10 سبتمبر تقريرًا بعنوان “Houthi rebels take key Red Sea city in Yemen, as Iran’s wartime leverage grows”، أي: «المتمردون الحوثيون يستولون على مدينة رئيسية على البحر الأحمر في اليمن، فيما يتزايد النفوذ الإيراني خلال الحرب».

وركزت الصحيفة على البعد الجيوسياسي، معتبرة أن وصول الحوثيين إلى مواقع تمكنهم من التأثير في باب المندب يمثل انتكاسة للإدارة الأمريكية في صراعها مع إيران، وليس مجرد تطور عسكري داخل الحرب اليمنية.

وفي 11 سبتمبر، تناولت CNN تداعيات السيطرة الحوثية على المخا في تقرير بعنوان “What we know about the Houthi capture of Mocha and its implications”، أي: «ماذا نعرف عن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وتداعيات ذلك؟».

ونقلت CNN عن أحمد ناجي، محلل اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، أن السيطرة على المخا تضع الحوثيين في موقع جيد لتعزيز نفوذهم حول باب المندب، كما تمنحهم عمقًا أكبر في مواجهة أي عمليات برية تستهدفهم.

وفي اليوم نفسه، وسعت Financial Times البريطانية نطاق القراءة، إذ نشرت تقريرًا بعنوان “Houthis seize Red Sea islands in lightning offensive”، أي: «الحوثيون يستولون على جزر في البحر الأحمر في هجوم خاطف».

ووضعت الصحيفة سقوط المخا في 10 سبتمبر ضمن عملية أوسع شملت جزرًا في البحر الأحمر وميون، معتبرة أن هذه التطورات عززت قدرة الحوثيين على التأثير في أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم، مع انعكاسات محتملة على أسواق الطاقة.

كما ركزت وكالة فرانس برس AFP في 11 سبتمبر على البعد الدولي للتطور، ونشرت تقريرًا بعنوان “Yemen’s Houthis take over strait vital to global shipping”، أي: «الحوثيون في اليمن يسيطرون على مضيق حيوي للتجارة العالمية».

وأبرزت الوكالة أن انتقال التقدم الحوثي من الساحل إلى الجزر الاستراتيجية جعل القضية تتجاوز الصراع اليمني إلى أمن الملاحة العالمية، وهو ما يعكس حجم المخاوف المرتبطة بالسيطرة على المواقع القريبة من باب المندب.

مراكز الأبحاث: المخا ليست مجرد مدينة

لم يتوقف الاهتمام عند وسائل الإعلام، إذ قدمت مراكز بحثية أمريكية وبريطانية قراءات أكثر ارتباطًا بالتغير في خريطة السيطرة العسكرية.

وقال Institute for the Study of War (ISW) في تحديثه الصادر في 10 سبتمبر بعنوان “Iran Update, September 10, 2026”، أي: «تحديث إيران – 10 سبتمبر 2026»، إن الحوثيين تقدموا جنوبًا على السهل الساحلي وسيطروا على ميناء المخا الذي كان تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

وأضاف المعهد أن المخا كانت، حتى سقوطها، آخر ميناء رئيسي على البحر الأحمر بيد الحكومة، وأن سقوط ذباب بعد ذلك كان سيمنح الحوثيين السيطرة على معظم الساحل اليمني على البحر الأحمر.

ويعطي هذا التقييم سقوط المخا أهمية عسكرية تتجاوز حجم المدينة نفسها، لأنها كانت تمثل نقطة رئيسية في سلسلة المواقع التي تفصل الحوثيين عن باب المندب.

وفي السياق ذاته، ذكر Critical Threats Project في تحليل نشره في 10 سبتمبر أن السيطرة على المخا لم تكن مجرد تقدم تكتيكي محدود، مشيرًا إلى أن الحوثيين تحركوا جنوبًا باتجاه ذباب بعد سقوط المدينة، وأن السيطرة على ذباب كانت ستقربهم من السيطرة على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.

كما أشار المركز إلى أن القوات الحكومية أعادت تموضعها من المخا باتجاه ذباب، وهي معلومة مهمة عند تقييم الكيفية التي حدث بها سقوط المدينة.

أما Royal United Services Institute (RUSI) البريطاني، فقد نشر في 10 سبتمبر مادة بعنوان “Houthis seize key Yemeni port of Mocha in drive to take control of Red Sea coast”، أي: «الحوثيون يستولون على ميناء المخا اليمني الرئيسي في مسعى للسيطرة على ساحل البحر الأحمر».

ونقل المعهد عن براء شيبان، المتخصص في الشأن اليمني لدى RUSI، أن الوضع في اليمن كان يتجه نحو فقدان السيطرة، وأن الحوثيين حققوا خلال 48 ساعة تقدمًا كبيرًا جنوبًا على الساحل الغربي، واقتربوا من المرتفعات المطلة على باب المندب.

وفي 11 سبتمبر، قال JINSA، في تقرير بعنوان “All Is Not Quiet on the Houthi Front”، أي: «الجبهة الحوثية ليست هادئة»، إن سيطرة الحوثيين على المخا وميون وضعتهم على عتبة القدرة على التأثير في حركة الملاحة التجارية عبر باب المندب.

وربط المعهد هذا التطور بالتنافس الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن مواقع الحوثيين على الساحل والجزر تمنحهم قربًا جغرافيًا من السفن التي تدخل البحر الأحمر وتخرج منه، بما يجعل التهديد مختلفًا عن التهديد المرتبط بمضيق هرمز.

التغطية الروسية: الانسحاب بدلًا من المعركة

تكتسب التغطية الروسية أهمية خاصة في النقاش حول كيفية سقوط المخا. فقد نشرت Interfax في 10 سبتمبر عنوانًا يقول: “Йеменские военные признали, что оставили хуситам город близ Баб-эль-Мандебского пролива”، وترجمته: «القوات اليمنية تعترف بأنها تركت للحوثيين مدينة قرب مضيق باب المندب».

وركز التقرير على انسحاب القوات اليمنية من المدينة الاستراتيجية تحت ضغط الحوثيين، وعلى أهمية المخا بسبب قربها من باب المندب.

وفي السياق نفسه، ذكرت Euronews Russian في 10 سبتمبر أن الحوثيين يهاجمون الساحل اليمني للبحر الأحمر بهدف السيطرة على باب المندب، في عنوانها: “Хуситы атакуют йеменское побережье Красного моря, стремясь захватить Баб-эль-Мандеб”، أي: «الحوثيون يهاجمون الساحل اليمني للبحر الأحمر بهدف السيطرة على باب المندب».

وبذلك وضعت التغطية الروسية سقوط المخا في إطار هجوم أوسع، وليس باعتباره عملية منفصلة للاستيلاء على المدينة.

كما ذكرت The Insider الروسية في اليوم نفسه أن الحوثيين سيطروا على ميناء المخا الرئيسي وحصلوا على «ورقة ضغط إضافية» على مضيق باب المندب، مستندة إلى معلومات رويترز، ومركزة على النفوذ الذي تمنحه السيطرة على المدينة بالنسبة إلى الممر البحري.

هل سقطت المخا أم سُلّمت؟

تكشف مجمل هذه التغطيات أن هناك فرقًا مهمًا بين ثبوت السيطرة الحوثية على المخا وبين تفسير الطريقة التي انتقلت بها السيطرة.

فالمصادر الصحفية ومراكز الأبحاث الواردة في المادة تؤكد بدرجة عالية أن المخا أصبحت تحت سيطرة الحوثيين في 10 سبتمبر. كما أن عددًا من المصادر يضع هذا التطور ضمن تقدم باتجاه ذباب وميون وباب المندب.

لكن المصادر نفسها تشير إلى أن القوات الحكومية انسحبت أو أعادت تموضعها باتجاه ذباب. وتبرز التغطية الروسية هذه النقطة بصورة خاصة، من خلال الحديث عن ترك القوات اليمنية المدينة للحوثيين.

ومع ذلك، لا تقدم المادة المتاحة دليلًا مستقلًا كافيًا لإثبات أن المخا سُلّمت عمدًا إلى الحوثيين بموجب اتفاق أو صفقة سياسية. لذلك فإن الوصف الأكثر دقة، استنادًا إلى المصادر المتاحة، هو أن المخا سقطت تحت السيطرة الحوثية عقب انسحاب القوات الحكومية وإعادة تموضعها، بينما تبقى فرضية التسليم المتعمد بحاجة إلى أدلة إضافية.

وهذا التفريق ضروري أيضًا عند تقييم تبريرات الانسحاب. فإثبات انسحاب القوات لا يعني تلقائيًا إثبات وجود قرار سياسي بتسليم المدينة، كما أن تقييم مدى إقناع مبررات الانسحاب يتطلب معلومات ميدانية وسياسية إضافية لا توفرها هذه المادة وحدها.

الخلاصة

تتفق غالبية التغطيات الغربية والأمريكية والروسية، رغم اختلاف زواياها، على أن أهمية سقوط المخا لا تكمن في المدينة وحدها. فالمخا تقع ضمن جغرافيا استراتيجية على الساحل الغربي، والسيطرة عليها تفتح الطريق أمام ضغط أكبر باتجاه ذو باب وميون وباب المندب.

ولهذا ركزت The Guardian وAl Jazeera وDW على الموقع الاستراتيجي، بينما ربطت Reuters التطور بأمن صادرات النفط السعودية والدور الإيراني، وركزت Washington Post على انعكاساته في الصراع الأمريكي الإيراني، بينما وسعت Financial Times وAFP القراءة لتشمل أمن التجارة والملاحة العالمية.

أما مراكز الأبحاث، فقد أعطت الحدث بعدًا عسكريًا وجيوسياسيًا أعمق؛ إذ رأت ISW وCritical Threats أن سقوط المخا جزء من تغير في خريطة السيطرة على الساحل، بينما اعتبر RUSI أن الحوثيين حققوا تقدمًا سريعًا نحو المناطق المطلة على باب المندب، ورأى JINSA أن السيطرة على المخا وميون تضع الحوثيين في موقع أكثر قدرة على التأثير في الملاحة.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه معركة المخا ليس فقط من يسيطر على المدينة؟ وإنما إلى أين يتجه ميزان القوى بعد سقوطها؟ فإذا استمر التقدم الحوثي جنوبًا، فإن المخا قد تتحول من مكسب عسكري إلى حلقة في تحرك أوسع يعيد رسم خريطة الساحل الغربي ويزيد الضغط على باب المندب، بما يحول المعركة من شأن يمني داخلي إلى قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية مباشرة.

الدولة اليمن
متابعات أجنبية

متابعات أجنبية

فريق التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات