تقرير السعودية

هل تعكس تصريحات الوزير السعودي توجه رسمي لتحجيم دور الجمعيات الخيرية أم إلى تطويرها ؟

 

في آخر لقاءاته المثيرة مع موقع إندبندنت عربية أواخر مايو الماضي، شن وزير الشؤون الإسلامية عبداللطيف آل الشيخ هجوما حاداً جديداً ضد نشاطات الجمعيات الخيرية والعاملين فيها من الإسلاميين داخل السعودية، وقال بأنه لايثق في هذه الجمعيات واتهم القائمين عليها بأنهم يستغلون العاطفة الدينية ويستولون علي أموال المحسنين ويصرفونها علي أنفسهم.

الوزير آل الشيخ لم يكتفِ  بقراراته السابقة التي اتخذها ضد الإسلاميين خلال فترة رئاسة لجهاز الأمر بالمعروف والنهي علن المنكر خلال الفترة 2012-2015 التي أعلن عن بعضها في لقاءات إعلامية عام 2016 ومنها أنه فصل كثير من الموظفين في جهاز الهيئة بهدف الإصلاح الإداري وكان بعضهم بوظيفة مستشار يتقاضون رواتب شهرية عالية تصل إلي 90000 ريال ($24000)  وهم غائبون وبعض الموظفين كانوا يستخدمون سيارات الهيئة لخدمة منازلهم،

كما اتهم تنظيم الإخوان المسلمين و الصحويين (= وهم تيار برز في الثمانينات جمع بين الفكر السلفي في العقائد وبين الحركي الإخواني في السياسة ) باختراق وإدارة جهاز هيئة الأمر بالمعروف وأنهم كانوا يستغلون مواقعهم لتحقيق مصالح شخصية وذات أبعاد فكرية. كما أعلن آل الشيخ في أكثر من مناسبة تعرض مكتبه لإطلاق النار وتعرضه مرتين للدهس وقت خروجه لصلاة الفجر وأن مقربين منه كانوا يتجسسون عليه عندما كان رئيسا لهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الوزير آل الشيخ منذ  تعيينه بأمر ملكي وزيرا للشؤون الإسلامية منذ عام 2018 وحتي الان حرص علي إعلان مواقفه واتهاماته ضد الأحزاب والجماعات الإسلامية في كل مناسبة إعلامية أو دينية يظهر فيها وبتعبيرات مبالغ فيها أحياناً.

وفي ابريل 2020 قال الوزير آل الشيخ خلال لقائه بقناة العربية أن جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الحزبية (الباغية) يستغلون العاطفة الدينية في السعودية والخليج وينشؤون جمعيات خيرية وهمية لجمع  التبرعات وسرقة الأموال  لبناء الفنادق والأبراج والعمائر لأنفسهم.

كما دعا آل الشيخ في فبراير 2025 من خلال قناة الإخبارية السعودية إلي وقف ما وصفه بالنزيف المالي الكبير الذي يخرج من جيوب المسلمين وانتقد طريق جمع الأموال التي يستخدمها القائمون علي تلك الجمعيات بحجة بناء المساجد وكفالة ألأيتام والأرامل ووصف أنشطتهم بالكذب وبأنهم يسوقون لأنفسهم .

كثير من المتابعين للأحداث السعودية مازالوا يشعرون بالدهشة من تلك التصاريح الجريئة التي لم يتعودوا علي سماعها من المسؤولين السعوديين الذين يحرصون عادة على ظهورهم المحافظ في أحاديثهم وأفعالهم، من جهتها لم تعلق الحكومة السعودية حتي هذه اللحظة لا بالنفي ولا بالإثبات علي اتهامات وزيرها المشهور بنقده الحاد والعلني ضد الأحزاب الدينية والجمعيات الخيرية .

هذه التصريحات الجريئة للوزير آل الشيخ التي يتفرد بإعلانها من داخل مجلس الوزراء السعودي وحتي من داخل أسرة آل الشيخ (وهم أحفاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي دعم الأمير محمد بن سعود في نشأت الدولة السعودية الأولي عام 1744) ضد الجمعيات الخيرية أثارت جدلاً واسعاً في المجتمع السعودي، وكما يبدو من حديث المجالس الخاصة ووسائل التواصل الاجتماعي أن صوت المؤيدين لكلام الوزير أعلي من المعارضين له، وبين الموقفين تظهر تساؤلات حول الهدف من تصريحات الوزير السعودي بشأن الجمعيات الخيرية وهل تعبر عن رأي شخصي أم أنه توجه حكومة.

أهم المحطات في نشأت وتطور الكيانات غير الربحية في السعودية

إرتبط إنشاء (وزارة العمل والشؤون الاجتماعية) في مايو 1960 بإضرابات مجموعة من العمال السعوديين والعرب في شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في الظهران ورأس تنورة وبقيق بداية من عام 1945-1958، وكانت الوزارة بمسماها القديم  تتولي مسؤوليات مباشرة ومؤثرة في تأسيس الجمعيات الخيرية ومتابعة نشاطاتها إضافة إلي مهمتها الأساسية في إدارة شؤون العمل والعمال،

وخلال فترة الاضطرابات العمالية التي مرت به المدن النفطية شرق السعودية في الخمسينات، أمر الملك سعود بن عبدالعزيز في عام 1954 بإنشاء مصلحة العمل والعمال ومقرها في الدمام وعين عبدالعزيز المعمر ،وهو أحد القيادات العمالية، رئيساً لهذا المكتب الحكومي كنوع من التهدئة والاحتواء بعد معاقبة أعضاد اللجنة وفصل بعضهم من وظائفهم كرد فعل علي سلسلة الاضرابات التي أدارتها (لجنة العمال) السعودية المنتخبة من قِبل عمال وموظفي أرامكو عام 1953 ومن أبرز أعضائها عبدالعزيز السنيد وعبدالرحمن البهيجان وعبدالعزيز المعمر وآخرين.

وبعد تغيير اسمها إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في 2021  فقدت الوزارة كثير من صلاحياتها المباشرة علي الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية لصالح مؤسسات مستحدثة مثل المركز الوطني لتنمية القطاع غير  الربحي  الذي أُنشئَ عام 2021 بقرار من مجلس الوزراء السعودي ويرتبط مباشرة برئيس الحكومة،  إضافة إلي احتفاظ كل وزارة بمسؤوليتها علي الجمعيات التابعة لها .

ورغم أن ثقافة العمل الخيري المؤسسي في المملكة العربية السعودية لم تكن منتشرة قبل الستينات، باستثناء بعض المبادرات الفردية المرتبطة بالزوار والحجاج في مكة المكرمة والمدينة المنورة بما في ذلك إنشاء أول جمعية خيرية لتحفيظ القران في مكة المكرمة نهاية عام 1962 ثم في المدينة المنورة والرياض بعد ذلك علي يد الشيخ الباكستاني الأصل محمد يوسف سيتي الذي قَدم إلي السعودية واستقر فيها، إلا أن نجاح تجربة الشيخ الباكستاني الذي حظيَ بالتقدير والاحترام في الأوساط الدينية والعلمية السعودية ، وتداول قصة تحوله للإسلام وسفره إلي مكة المكرمة، شجع ذلك كثير من الأفراد والمؤسسات علي تكرار التجربة وانشاء المزيد من جمعيات جديدة لتحفيظ القران حتي بلغت ذروتها في ثمانينات القرن الماضي.

ومع حداثة انشاء وزارة لرعاية شؤون العمال والمجتمع،  بادرت مجموعة من سيدات المجتمع السعودي في مدينة جدة الساحلية  بداية عام 1963 منهن سرية إسلام، جهان الدجاني، سعاد الحسيني بإنشاء أول جمعية خيرية نسائية مرخصة في المملكة تستهدف دعم الأُسر محدودة الدخل اقتصاديا وتعليميا.

وبحسب المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي ومهمته إصدار تصاريح الجمعيات غير الربحية وتنظيم عملها ومتابعة أداءها المالي والإداري،  فقد بلغ عديد الكيانات غير الربحية المسجلة في المركز 7863

منها 1041 جمعية أهلية تابعة لوزارة الشؤون الإسلامية ، والباقي تشرف عليها بعض الوزارات، خاصة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية التي تشرف بمفردها على 2591 جمعية والمئات من المجالس واللجان الخيرية، وهناك بعض الجمعيات عبارة عن صناديق خيرية تشرف عليها مجالس عائلية.

وبحسب آخر تقرير لمؤسسة الملك خالد الخيرية تجاوز حجم القطاع غير الربحي في السعودية خلال عام 2025 سقف 100مليار ريال (27مليار$ ) وهو ما يعادل 3،3 من الناتج المحلي للسعودية

ويظهر من خلال تقييم الحوكمة لعام 2024 التي نشرها المركز الوطني في وصفه للأداء الإداري والمالي للجمعيات المسجلة لديه ومدي التزامها بمعايير الإفصاح والشفافية، وقد حصلت اغلب تلك الجمعيات على درجات ممتازة.

ردود الأفعال على تصريحات الوزير آل الشيخ

في مقابل الموقف الصامت والمحايد من ناحية الحكومة السعودية، كما يظهر حتى الان تجاه الاتهامات والتصريحات الحادة المتكررة للوزير آل الشيخ التي لم يحدد فيها منطقة ولا طائفة معينة داخل السعودية، يبدو أن التباين والاختلاف في المواقف الشعبية واضحاً سواء كان داخل مجتمع الأكثرية السنية في مناطق الوسط والغرب والشمال، أو في مجتمع الأقليتين الشيعيتين الاثني عشرية في الشرق  والإسماعيلية في نجران جنوب السعودية.

فبعد أيام من آخر تصريح للوزير آل الشيخ في مايو الماضي الذي يتهم فيه الجمعيات الخيرية بالفساد، بادر أعضاد مجلس الجمعيات الأهلية الذي تأسس أواخر عام 2018 بنشر بياناً إعلامي بدون الإشارة إلى اسم الوزير يؤكدون فيه علي متابعتهم لجميع ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الجمعيات الأهلية، وهدد بيان المجلس برفع بلاغات للنيابة العامة ورفع الدعاوي الجزائية ضد كل من يسيء اليها

ويبدو أن أعضاء المجلس شعروا بأن سمعتهم قد تُستهدف في مواقع التواصل الاجتماعي وربما تأثرت نشاطاتهم الخيرية نتيجة ما قد تعكسه تصريحات الوزير آل الشيخ علي الرأي العام.

وبحسب ما هو مدون في التقرير السنوي للمجلس لعام 2025 فإن المجلس يضم ممثلين عن 5985 جمعية تعمل داخل السعودية ومسجلة في المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي وقد حصل معظمها على تقييمات عالية.

ومن على منصات التواصل الاجتماعي تظهر الكثير من التعليقات المؤيدة لتصريحات الوزير آل الشيخ حول فقدان الثقة بالجمعيات ومن ابرزها تعليق المحامي والمدرب القانوني مفلح الأشجعي الذي كتب علي حسابه X  أنه غرد سبع تغريدات عن فساد جمعية الملك عبدالعزيز الخيرية في تبوك ، وفي جمعية طريف الخيرية، كلاهما شمال السعودية، وأنه أكتشف اختفاء ملايين الريالات من حساب الجمعيتين وأضاف الاشجعي أن بعض العاملين في الجمعيتين ظهر عليهم الثراء الفاحش.

في المقابل إعتبر حسين الرقيب وهو مستشار ومحلل مالي أن تصريح الوزير لم يكن موفقاً وأنه يضرب ثقة المحسنين في الجمعيات.

كذلك  دافع آخرون عن الجمعيات الخيرية واستعرضوا بعض إنجازاتها الإنسانية مثل الأكاديمي الدكتور صالح الزهراني الذي رفض تعميم الاتهامات ضد الجمعيات الخيرية ويعتقد أن أغلبها يتمتع بالنزاهة وجودة العمل.

وفي نجران حيث يسيطر زعيم الطائفة الإسماعيلية الشيخ علي حاسن على بيت مال الطائفة وعلي كل الجمعيات الخيرية سواء بشكل مباشر أو عن طريق الوكلاء الذين يديرون تلك الجمعيات بشكل رسمي، يستخدم المعارضون ضد زعيم طائفتهم من داخل السعودية (تواصلت مع بعضهم شخصيا ) أسماء ومعرِّفات رمزية علي وسائل التواصل الاجتماعي، خوفا على حياتهم، ليكشفوا من خلالها ما يصفونه بفساد بيت الدعوة في قرية “خشيوة ” وهي مركز إدارة الشؤون الدينية والاجتماعية للطائفة، وقد كتب أحد المعارضين النجرانيين تحت اسم ” القلم اليامي” على حسابه في X مؤيداً اتهامات الوزير آل الشيخ ضد الجمعيات الخيرية،

كما أشار المواطن النجراني إلي  جمعيات خيرية في منطقته نجران تستغلها إدارة الشيخ علي حاسن لتدعيم سلطته وثروته، وطلب من الوزير آل الشيخ بسرعة التدخل ومراقبة المساجد في نجران وأن تكون تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية بشكل مباشر، ويضيف انها أصبحت مصدر قلق للمواطنين في نجران جميعًا وأنها تحولت إلى مراكز لغسيل الأموال وللأعمال المخالفة للقانون.

مواطن نجراني آخر يقيم خارج السعودية، قابلته شخصياً، إسمه محمد ويظهر بشخصيته الصريحة علي مواقع التواصل الاجتماعي وهو حفيد الزعيم الإسماعيلي الأسبق الراحل عبدلله المكرمي ،

وهو من أوائل النجرانيين  الذين أعلنوا تمردهم ضد زعيم الطائفة الأسبق وهو جده عبدالله المكرمي، واستمرعلي معارضته ضد زعيم الطائفة الحالي علي حاسن ، واتهم إدارته باستغلال المساجد والنشاط الاجتماعي لجمع الأموال خارج الرقابة، وانشاء كيان إداري واقتصادي موازي داخل المؤسسات الرسمية في نجران لتوسيع سلطته الاجتماعية والمالية .

أهم الأحداث  المؤثرة في نشاط الجمعيات الخيرية في السعودية

ثلاثة تطورات وأحداث محلية ودولية، أثرت في نشاط العمل الخيري من خلال المساجد والمؤسسات غير الربحية داخل السعودية:

  • حركة جهيمان نوفمبر 1979واستيلائه علي المسجد الحرام بمكة المكرمة لأكثر من أسبوعين وكان أعضاؤها يجتمعون في المساجد ويقوم احدهم بعد انتهاء الصلاة ويخاطب الناس بعبارات فيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ثم يدعوهم للانضمام الي جماعتهم ، نفس المساجد كانت تستخدم من ناشطين آخرين بمختلف الجنسيات للتبرع للعمل الخيري، وبعد نجاح جماعة جهيمان في اقتحام الحرم المكي والاستيلاء عليه من الداخل، شددت السلطات السعودية رقابتها على المساجد وجمعيات تحفيظ القران، ونفذت مجموعة إجراءات أمنية غير مسبوقة منها منع كل الأنشطة الاجتماعية والدينية ومنها استخدام المساجد لجمع التبرعات.
  • أحداث 11 سبتمبر2001 التي اتهم فيها 15 سعودي  من ضمن 19 شخصا ينتمون لتنظيم القاعدة  بتنفيذ الهجوم الإرهابي الذي استهدف الولايات المتحدة الامريكية وانعكاساتها السلبية علي كل ما له علاقة بالمؤسسات الإسلامية والجمعيات الخيرية خارج وداخل السعودية، ورغم ان الإجراءات الرقابية الصارمة التي اتخذتها السلطات السعودية لمنع استغلال العمل الخيري في دعم أي نشاطات غير مشروعة، شملت كل المؤسسات غير الربحية العاملة في الداخل ، إلا أن أكبر المتأثرين من تلك الإجراءات كانت الكيانات التي تنفذ مشروعاتها الخيرية خارج السعودية ومن ابرزها:
  1. لجنة البر الإسلامية (Lajnat al-Birr al-Islamiah – LBI)

التي أسسها رجل الأعمال السعودي عادل بترجي في مدينة جدة عام 1987 بهدف دعم الجهاد الأفغاني بداية تأسيسها، إلا ان نشاطها توسع بعد ذلك ليشمل مناطق أخري تعاني من نزاعات مسلحة مثل جنوب السودان والبوسنة والشيشان عبر مؤسسة البر الدولية التي أنشأها بترجي في شكاغو في مارس 1992 وعين في 1993 المواطن الأمريكي من أصل سوري إنعام أرناؤوط “أبو محمود” الذي تربطه به علاقة وثيقة، مديراً عاماً عليها.

وتقول وزارة الخزانة الأمريكية في قرارها الصادر في 21 ديسمبر 2004 إن بترجي أسس LBI في أواخر الثمانينات، وإن اللجنة قدمت، بحسب تقييم الوزارة، دعمًا ماليًا وتشغيليًا لمقاتلين في أفغانستان ومناطق أخرى. كما قالت الخزانة إن LBI كانت مرتبطة بنشاط مع “مكتـب الخِدمات” الذي شارك في تأسيسه ويموله أسامة بن لادن، وإنها اعتبرت LBI لاحقًا جزءًا من المسار الذي أدى إلى BIF.

وتكمن أهمية لجنة البر في أنها تمثل مرحلة مبكرة من تحول النشاط الخيري من نطاق محلي إلى شبكة تتعامل مع بيئات دولية مضطربة. فالنشاط في أفغانستان خلال الثمانينات لم يكن يجري في بيئة إنسانية مستقرة، بل في ظل حرب وصراع مسلح، الأمر الذي جعل الفصل بين الإغاثة والعمل المرتبط بالأطراف الموجودة على الأرض أكثر تعقيدًا.

وفي مرحلة مبكرة، عملت لجنة البر ضمن مظلة الندوة العالمية للشباب الإسلامي، في وقت لم تكن فيه للجنة شخصية قانونية مستقلة في السعودية بالصورة التي ستصبح عليها الجمعيات لاحقًا. وكانت هذه العلاقة توفر إطارًا مؤسسيًا للنشاط، بينما كان المشرفون من الندوة يتابعون العمل.

لكن العلاقة لم تستمر بالشكل نفسه. ومع اتساع نشاط اللجنة الخارجي ظهرت خلافات حول حدود النشاط، ولا سيما عندما أصبح العمل يتجاوز المساعدة الإنسانية والإغاثية إلى التعامل مع بيئات عسكرية. وهذه النقطة مهمة لأنها تكشف إحدى مشكلات نموذج العمل الخيري الخارجي في تلك المرحلة.

وفي بداية التسعينات انتقلت الشبكة المرتبطة بلجنة البر إلى إطار أمريكي أكثر اتساعًا هو Benevolence International Foundation – BIF، وتذكر وثائق لجنة 11 سبتمبر أن BIF تأسست في الولايات المتحدة عام 1992، وأنها حصلت على الإعفاء الضريبي في مارس 1993، وأن بترجي كان من أعضاء مجلس إدارتها في مرحلة التأسيس، قبل أن يتولى إينعام أرناؤوط “ابو محمود” الإدارة التنفيذية، أما وزارة الخزانة الأمريكية فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ قالت في قرار 2004 إن BIF وLBI ظلتا، من وجهة نظرها، منظمة واحدة ذات أصول قابلة للتبادل وتحت سيطرة بترجي،

إستمر البترجي يمارس نشاطه الخارجي حتي وقعت هجمات 11 سبتمر 2001، وبعدها بأشهر قليلة أوقف “إبو محمود” نشاطات المؤسسة وشطب سجلها في أمريكا بالاتفاق مع مؤسسها البترجي، إلا إن هذا الإجراء لم يحمي “أبو محمود” من الاعتقال  في ابريل  2002، ولم يحمي بترجي نفسه من وضعه ضمن قائمة داعمي الإرهاب بحسب قرار مجلس الأمن في ديسمبر 2004،

أصبح إينعام أرناؤوط، المعروف باسم أبو محمود، الشخصية الأكثر ارتباطًا بالقضية القضائية التي نشأت حول BIF في الولايات المتحدة،وفي فبراير 2003 أعلن وزير العدل الأمريكي آنذاك أن أرناؤوط أقر بالذنب في قضية تتعلق باستخدام أموال خيرية في دعم مقاتلين في البوسنة والشيشان. وقالت وزارة العدل إن أموالًا قدمها المتبرعون لأغراض إنسانية استخدمت في شراء معدات واحتياجات للمقاتلين، لكن القضية تحمل فارقًا قانونيًا مهمًا، فقد قالت وزارة العدل الأمريكية صراحة إن أرناؤوط لم يعترف بدعم تنظيم القاعدة في اتفاق الإقرار بالذنب، رغم أن الحكومة الأمريكية قالت إنها تتمسك بهذا الاتهام.

وبالتالي فإن الثابت قضائيًا في مسار الإقرار بالذنب هو استخدام أموال خيرية في دعم مقاتلين في البوسنة والشيشان، بينما تبقى مسألة صلته بالقاعدة ضمن الاتهامات التي طرحتها الحكومة الأمريكية في القضية الأوسع، وهذا التفريق يكتسب أهمية خاصة لأن كثيرًا من الكتابات اللاحقة خلطت بين الاتهامات الحكومية وما انتهت إليه الإجراءات القضائية.

في 21 ديسمبر 2004 أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية عادل بترجي بموجب الأمر التنفيذي 13224، واتهمته بتقديم دعم مالي ومادي للقاعدة ولأسامة بن لادن، كما ربط القرار بترجي مباشرة بتاريخ LBI وBIF، وقالت الوزارة إنه كان مديرًا تنفيذيًا وعضوًا في مجلس إدارة BIF، وإن LBI كانت المؤسسة السابقة لها، لكن مسار بترجي اختلف عن مسار أرناؤوط. فبينما انتهت قضية أرناؤوط إلى إقرار بالذنب أمام القضاء الأمريكي، فإن بترجي أصبح أساسًا موضوع إجراءات عقوبات مالية وإدراج على قوائم الإرهاب الأمريكية والأممية، ولم تكن قضيته القضائية مطابقة لقضية أرناؤوط.

ثم بدأ في يناير 2012 مسار مراجعة أمام أمين المظالم التابع لمجلس الأمن لإزالة اسمه من قائمة عقوبات تنظيم القاعدة، وتظهر سجلات الأمم المتحدة أن إجراءات قضية بترجي بدأت في 3 يناير 2012، واستمرت مرحلة جمع المعلومات حتى مايو، ثم مرحلة الحوار حتى أغسطس، قبل تقديم التقرير الشامل إلى لجنة العقوبات، وأزيل اسم بترجي لاحقًا من القائمة الأممية.

وهنا يجب التشديد على نقطة منهجية: الشطب من قائمة العقوبات ليس حكمًا قضائيًا بالبراءة، كما أن الإدراج على قائمة العقوبات ليس في ذاته حكمًا جنائيًا صادرًا عن محكمة. إنهما مساران مختلفان.

2- مؤسسة الحرمين الخيرية (Al Haramain Islamic Foundation – AHF)

مؤسسة الحرمين الخيرية التي أسسها الشيخ عقيل العقيل في باكستان عام 1988 ثم انتقل مقرها إلي الرياض، وكانت تحضي بثقة عالية على المستويين الرسمي والشعبي ما مكنها من جمع مابين 45-55 مليون دولا سنويا داخل السعودية تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية التي كان يديرها الوزير صالح آل الشيخ الذي كان من أبرز  وانشط الشخصيات في ادارتها داخلياً وخارجياً، وتوضح الوثائق الأمريكية أن السلطات لم تستهدف المؤسسة كلها دفعة واحدة، بل بدأت باستهداف فروع محددة، قبل أن تتوسع الإجراءات بصورة متدرجة، وفي مارس 2002، بعد أشهر من هجمات 11 سبتمبر، أعلنت الولايات المتحدة والسعودية بصورة مشتركة تصنيف فرعي مؤسسة الحرمين في البوسنة والصومال، وقالت السلطات الأمريكية إنهما قدما دعمًا لأنشطة ومنظمات إرهابية. كما تبنت الأمم المتحدة الإجراءات المتعلقة بالفروع.

كانت هذه أول إشارة كبرى إلى أن العمل الخارجي لمؤسسة سعودية يمكن أن يتحول إلى ملف تعاون أمني ومالي مباشر بين الرياض وواشنطن، وفي 22 يناير 2004 أعلنت الولايات المتحدة والسعودية إجراءات ضد أربعة فروع أخرى للحرمين في إندونيسيا وكينيا وتنزانيا وباكستان، واتهمت وزارة الخزانة هذه الفروع بتقديم دعم مالي ومادي ولوجستي للقاعدة ومنظمات إرهابية أخرى، ثم اتسعت الإجراءات في يونيو 2004 لتشمل فروعًا أخرى، بينما أصبح اسم عقيل العقيل نفسه جزءًا من منظومة العقوبات الأمريكية والأممية.

وفي سبتمبر 2004 استهدفت الولايات المتحدة فرع المؤسسة في ولاية أوريغون الأمريكية وفرعها في جزر القمر، وأشارت وزارة الخزانة إلى تحقيقات جنائية أمريكية شملت مسائل ضريبية ومالية وغسل أموال، وإلى مزاعم بتحويل أموال كانت مخصصة للاجئين في الشيشان إلى دعم مقاتلين، وهنا، كما في ملف BIF، يجب الفصل بين الادعاءات الواردة في وثائق السلطات الأمريكية وبين ما ثبت قضائيًا في كل واقعة.

  • الحدث الثالث هو إعلان الرياض عن رؤية 2030وبعكس الحديثين السابقين تبدو رؤية 2030 حدثا مهما تم تهيئته وابرازه باحترافية إعلامية ليقود عملية تخطيط وتطوير لكل قطاعات الدولة ومن ضمنها القطاع غير الربحي، وتحديدا الجمعيات الخيرية حيث تضمنت الرؤية خططاً لزيادة الوعي بأهمية دور الأنشطة التطوعية في المجتمع والدولة وتشجيع القادرين علي إنشاء المزيد من المؤسسات غير الربحية وتطوير برامجها وايراداتها للوصول إلي مرحلة الاستدامة المالية، وتعزيز الرقابة الذاتية داخل الكيانات غير الربحية ووضع قواعد ومعايير للشفافية والافصاح المالي تحت اشراف حكومي لكسب ثقة المانحين وعليه فإن النتائج المتوقعة كالتالي :
  • زيادة الانفاق الخيري الداخلي نتيجة تشديد الرقابة على منافذ التحويلات والمساعدات الخارجية.
  • توفير في الانفاق الحكومي نتيجة إشراك القطاع الأهلي والمؤسسات غير الربحية في برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
  • المساهمة في إيجاد فرص عمل جديدة للمواطنين وتقليص نسبة الفئات الفقيرة والمتضررة اجتماعيا.

العقيل وبترجي: تشابه في الملف واختلاف في المسار

تكشف المقارنة بين ملفي عادل عبدالجليل بترجي وعقيل عبدالعزيز العقيل جانبًا مهمًا من التحولات التي أصابت العمل الخيري السعودي ذي النشاط الدولي بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. فقد ارتبط الرجلان بمؤسسات خيرية كانت تعمل خارج السعودية، وأدرج اسماهما لاحقًا على قائمة عقوبات الأمم المتحدة الخاصة بتنظيم القاعدة، قبل أن تتم إزالة اسميهما منها في مسارين مختلفين، لكن التشابه في النتيجة لا يعني أن الملفين كانا متطابقين من الناحية القانونية أو من حيث المؤسسات والوقائع التي استندت إليها إجراءات التصنيف.

أما عقيل العقيل، فارتبط ملفه أساسًا بمؤسسة الحرمين الخيرية، التي تعرضت فروعها ومكاتبها لإجراءات أمريكية ودولية متتابعة في إطار مكافحة تمويل الإرهاب. وأُدرج العقيل على قائمة عقوبات الأمم المتحدة الخاصة بتنظيم القاعدة، وحكم عليه بالسجن في السعودية من عام 2009 إلى عام 2014، أي نحو خمس سنوات. ومن داخل سجنه بدأ في مسار رسمي للطعن في إدراجه وطلب رفع اسمه، وتُظهر سجلات أمين المظالم التابع لمجلس الأمن أن طلب العقيل بدأ رسميًا في 28 أكتوبر 2013، قبل أن تستكمل الإجراءات والمراجعة، ثم قررت لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن في 2 يناير 2015 إزالة اسمه من القائمة.

أما بترجي، فلم يتحول ملفه إلى محاكمة جنائية ولم يسجن أسوة بمدير مؤسسة الحرمين الشيخ عقيل العقيل، رغم إدراج الرجلين على قائمة العقوبات المرتبطة بتنظيم القاعدة، بل إنه استمر في نشاطه التجاري وإدارته لمدارسه ” دار الذكر و أكاديمية وعد” وفنادقه التي يملكها وكذلك في نشر كتبه وأبحاثه التربوية التي يُعدها ويكتبها له بعض العاملين في مدارسه الخاصة، حتي أُبلغ رسمياً برفع اسمه من قائمة الإرهاب في سبتمبر 2013

السعودية تعيد تنظيم العمل الخيري الخارجي

بدأت السعودية منذ عام 2002 سلسلة من الإجراءات لإعادة تنظيم العمل الخيري ذي النشاط الخارجي وتشديد الرقابة على حركة التبرعات والأموال. وشملت الإجراءات إلزام الجهات الخيرية بإبلاغ وزارة الخارجية عن أنشطتها خارج المملكة، وإنشاء إطار إشرافي أعلى لمتابعة أعمال الجمعيات والتبرعات، إلى جانب تطوير آليات لتتبع الأموال الداخلة إلى المؤسسات الخيرية والخارجة منها.

وفي مايو 2003، اتجهت الإجراءات إلى تقييد تحويل الأموال إلى الخارج، بحيث لا تتم عمليات التمويل الخارجي إلا عبر قنوات تخضع لإشراف حكومي مباشر. وفي الشهر التالي أصدرت مؤسسة النقد تعليمات جديدة للمصارف بشأن الحسابات الخيرية، تضمنت توحيد الحسابات المصرفية لكل جهة في حساب رئيسي، وتشديد إجراءات التحقق من هوية أصحاب الصلاحية، ومنع السحوبات النقدية، وفرض ضوابط إضافية على حركة الأموال.

وفي فبراير 2004 أُنشئت اللجنة السعودية للإغاثة والأعمال الخيرية في الخارج، ثم أُعلن في يونيو من العام نفسه أن هذه اللجنة ستكون الجهة التي تمر عبرها التبرعات الخاصة المخصصة للتوزيع خارج المملكة، مع دمج نشاط الجمعيات التي كانت تعمل في الخارج ضمن الإطار الجديد.

وبموجب الترتيبات الجديدة، أصبحت التبرعات المخصصة للمستفيدين خارج المملكة مرتبطة بقناة مؤسسية واحدة، بينما خضعت الحسابات الخيرية لمجموعة من القيود المصرفية، من بينها منع التحويلات الخارجية المباشرة من الحسابات الخيرية، وحصر المدفوعات في وسائل مصرفية قابلة للتتبع، وربط فتح الحسابات والموافقة عليها بالإجراءات الرقابية المعتمدة.

وهكذا مثّلت إجراءات عامي 2003 و2004 انتقالًا من الرقابة على بعض العمليات المالية إلى إعادة تنظيم مؤسسي وإداري أوسع للعمل الخيري الخارجي، بحيث أصبحت حركة التبرعات والمساعدات الموجهة إلى الخارج أكثر ارتباطًا بالقنوات الرسمية وبالرقابة المصرفية والإدارية.

خلاصة التقرير:

  • وزير الشؤون الإسلامية السعودي عبد اللطيف آل الشيخ كان يعبر بطريقته الخاصة عن توجهات حكومته في مواجهة المتشددين ومكافحة الفساد.
  • السقف المالي الذي حققه القطاع غير الربحي العام الماضي البالغ 27 مليار دولار يشجع الحكومة على مزيد من الاعتماد علي القطاعين الخاص وغير الربحي في تنفيذ برامجها الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي توفير كبير في بند المصروفات المخصصة للقطاع الاجتماعي ضمن الميزانية العامة للدولة.
  • الوزير لم يستثني من اتهامه وهجومه إلا القليل من الجمعيات الخيرية وهذا يدل علي أن القلق الرسمي من تفشي الفساد داخل الجمعيات الخيرية أو سيطرة الإسلام السياسي علي إداراتها مازال قائماً.
  • الحكومة السعودية تفضل أن يتولى القطاع غير الربحي الضخم معالجة وإصلاح مشاكله ذاتياً بدون تدخل مباشر منها للحفاظ علي ثقة المتبرعين واستمرار التدفقات المالية الخيرية.
  • رغم كل الظروف والمتغيرات السياسية والأمنية مازال أغلب المجتمع الخليجي وتحديدا السعودي يشعر باطمئنان إذا ما ارتبط العمل الخيري بالشخصية الإسلامية المتدينة، لذلك الفصل بينهما يبدو صعباً.

 

الدولة السعودية
عبدالله القصيمي

عبدالله القصيمي

كاتب وأكاديميي سعودي

مقالات ذات صلة

التعليقات