رأي الإمارات

من كوكايين إسبانيا إلى بنوك دبي.. كيف تتحرك أموال الجريمة عبر النظام المالي العالمي؟

 

في سبتمبر 2026، كشفت عملية أمنية إسبانية واحدة إلى أي مدى أصبحت تجارة المخدرات مرتبطة بشبكات مالية عابرة للحدود. فقد أعلنت الشرطة الإسبانية تفكيك شبكة مصرفية سرية أطلقت عليها اسم بنك دبي (Dubai Bank)، قالت إنها كانت توفر التمويل وتحرك الأموال المرتبطة بشبكات الاتجار الدولي بالكوكايين، بدأ التحقيق من سفينة Nehir، التي ضبطت السلطات على متنها نحو 1.84 طن من الكوكايين عام 2021، قبل أن تكشف التحقيقات عن شحنة أخرى يُعتقد أنها بلغت نحو 1.65 طن. لكن الأهم بالنسبة للمحققين لم يكن المخدرات وحدها، وإنما المال الذي يقف خلفها: من أين جاء؟ ومن موّل عمليات الشحن؟ وكيف جرى تسوية الأموال بين شبكات موجودة في دول مختلفة؟

بحسب السلطات الإسبانية، قادت التحقيقات المالية إلى شبكة مصرفية سرية كانت تعمل كقناة لتحويل وتسليم الأموال أو ما يعادلها بين الجماعات الإجرامية، بعيدًا عن المسارات المصرفية التقليدية. وأسفرت العملية عن اعتقالات في عدة دول، وتجميد حسابات مصرفية، وتحديد عقارات ومركبات وأصول تقدر قيمتها بملايين اليورو، هذه القضية تستحق التوقف عندها لأنها تقدم صورة مكثفة للجريمة المالية الحديثة: المخدرات قد تكون المنتج، لكن المال هو البنية التحتية التي تجعل التجارة ممكنة.

فشبكة الاتجار لا تحتاج فقط إلى شراء المخدرات ونقلها وبيعها؛ إنها تحتاج إلى تمويل عملياتها مقدمًا، وإلى تسوية الحسابات بين أفراد موجودين في قارات مختلفة، ثم إلى التخلص من العائدات وإعادة إدخالها في الاقتصاد بصورة تبدو مشروعة، ومن هنا تبدأ قصة أكبر من قضية إسبانية واحدة.

لقد تغيرت علاقة الجريمة بالنظام المالي جذريًا خلال العقود الماضية. ففي السابق كان غسل الأموال يرتبط في أذهان كثيرين بالنقد الذي تحمله شبكات المخدرات، أما اليوم فقد أصبحت الأموال قادرة على التحرك عبر البنوك وشركات التحويل والحوالة والشركات التجارية والعقارات والذهب والأصول الرقمية،وهذا التطور يضع المراكز المالية العالمية أمام معادلة شديدة التعقيد، فكلما أصبحت الدولة أكثر انفتاحًا على التجارة والاستثمار وحركة رؤوس الأموال، أصبحت أكثر حاجة إلى التأكد من أن هذا الانفتاح لا يتحول إلى فرصة أمام الجريمة المنظمة، وهنا تأتي أهمية الإمارات.

الإمارات ليست مجرد سوق إقليمية، وإنما مركز تجاري ومالي عالمي تتحرك عبره كميات ضخمة من التجارة والاستثمارات والتحويلات. وهذه المكانة تمثل أحد أهم عناصر قوتها الاقتصادية، لكنها تجعلها أيضًا جزءًا مهمًا من الاتهامات الدولية حول مخاطر غسل الأموال، وقد سبق لمجموعة العمل المالي FATF أن أشارت إلى مخاطر مرتبطة بعدد من القطاعات في الإمارات، من بينها العقارات والذهب والحوالة، كما انتقدت في مرحلة سابقة محدودية الملاحقات والإدانات مقارنة بحجم المخاطر التي حددتها.

ورغم خروج الإمارات من القائمة الرمادية لـFATF في فبراير 2024 بعد تنفيذ بعض الاصلاحات في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أنه من الخطأ  اعتبار الخروج من القائمة الرمادية نهاية القصة، فالاختبار الحقيقي لأي مركز مالي لا يكمن في عدد القوانين واللوائح، وإنما في قدرته على اكتشاف قصة المال.

من هو المستفيد الحقيقي من الشركة؟ ما مصدر الثروة؟ لماذا تنتقل ملايين الدولارات بين شركات لا يبدو أن بينها نشاطًا اقتصاديًا واضحًا؟ لماذا يُشترى عقار أو ذهب أو مركبات فاخرة بأموال مصدرها غير واضح، وهل تستطيع السلطات في دولة ما ربط هذه الأموال بجريمة ارتكبت في دولة أخرى؟، هذه الأسئلة هي جوهر الحرب الحديثة على غسل الأموال.

وتكشف قضية BCCI في نهاية القرن العشرين أن المشكلة ليست جديدة. فقد أظهرت القضية كيف يمكن للهياكل المصرفية الدولية المعقدة والشركات والفروع المنتشرة في دول مختلفة أن تجعل تتبع الملكية وحركة الأموال أكثر صعوبة، وأن تخلق فجوة بين سرعة حركة الأموال وسرعة قدرة السلطات على الرقابة، ولهذا تأسست مجموعة العمل المالي عام 1989، ثم أصدرت في أبريل 1990 أول أربعين توصية دولية لمكافحة غسل الأموال. ومنذ ذلك الوقت توسعت المواجهة لتشمل عائدات الفساد والاحتيال والتهريب والجريمة المنظمة، ثم تمويل الإرهاب والجرائم المالية الحديثة،لكن الجريمة لم تنتظر القوانين، فهي انتقلت من الحسابات المصرفية إلى شبكة أوسع من الأدوات. وأصبحت الحوالة والقنوات غير الرسمية وشركات الواجهة والعقارات والتجارة والأصول الرقمية أجزاء محتملة من رحلة المال بين الجريمة والاقتصاد المشروع.

ولذلك فإن قضية Dubai Bank التي كشفتها إسبانيا ليست مجرد قصة عن شبكة مخدرات. إنها تذكير بأن الجريمة المنظمة أصبحت تمتلك بنيتها المالية الخاصة، وأن مواجهة شحنة كوكايين في ميناء أوروبي قد تقود في النهاية إلى حسابات وشركات وعقارات وأصول موزعة بين عدة دول، وهذا تحديدًا ما يجعل الإمارات جزءًا مهمًا من النقاش، فإن كان  النظام المصرفي الإماراتي غير متورط فعليا وبصورة مباشرة في غسيل الأموال أو أن كل أو جزء من الأموال التي تمر عبره مشبوهة، فقد يكون متورطاً بصورة غير مباشرة إذا ما ثبت أن نظامه المصرفي يمكن استغلاله من أطراف دوليين أو محليين لتمرير بعض العمليات المشبوهة عبر قنواته المصرفية.

الفارق هنا أساسي، المركز المالي العالمي لا يصبح مركزًا للجريمة لمجرد أن مجرمين حاولوا استخدام بنيته. لكن مسؤوليته تبدأ عندما تكون قدرته على اكتشاف هذه المحاولات أقل من قدرة الشبكات الإجرامية على استغلالها، وقضية Standard Chartered تقدم مثالًا على ذلك. ففي 2019 فرضت هيئة السلوك المالي البريطانية غرامة تجاوزت 102 مليون جنيه إسترليني على البنك بسبب إخفاقات في أنظمة مكافحة غسل الأموال، وكان جزء كبير من المخالفات مرتبطًا بالإشراف على أعمال البنك في الإمارات.

المغزى ليس أن البنك كان شبكة إجرامية، وإنما أن ضعف الرقابة المصرفية يمكن أن يتحول إلى ثغرة يستفيد منها المال غير المشروع، وهنا تكمن المعركة الحقيقية، لم يعد السؤال: أين وضع المجرم أمواله ؟، بل كيف تحولت أموال الجريمة إلى ثروة تبدو مشروعة؟، ومن الكوكايين في سفينة متجهة إلى أوروبا، إلى شبكة مالية سرية، إلى حساب مصرفي، إلى شركة، ثم إلى عقار أو ذهب أو أصل استثماري؛ هذه هي الرحلة التي تحاول أجهزة مكافحة غسل الأموال تفكيكها، وفي عالم تتحرك فيه الأموال أسرع من الحدود، فإن نجاح أي مركز مالي لن يقاس فقط بحجم الأموال التي يستطيع جذبها، وإنما بقدرته على معرفة مصدرها ومالكها الحقيقي ووجهتها.

وهذا هو التحدي الذي تواجهه الإمارات ، كما تواجهه غيرها من المراكز المالية الكبرى: كيف تحافظ على انفتاح الاقتصاد العالمي من دون أن يصبح هذا الانفتاح بوابة عالمية لأموال الجريمة؟

الدولة الإمارات
سعيد بن همام

سعيد بن همام

كاتب عماني في المهجر

مقالات ذات صلة

التعليقات