رغم التحسن النسبي الذي حققته الخطوط السعودية خلال السنوات الأخيرة، فإن موقعها في التصنيفات الدولية الكبرى لا يزال يكشف عن فجوة واضحة بينها وبين عدد من شركات الطيران الخليجية التي نجحت في تثبيت حضورها ضمن المراكز الأولى عالميًا. فالمشكلة لم تعد في غياب الإمكانيات أو الخبرة الدولية ، وإنما في قدرتها على تحويل هذا التاريخ والإمكانات إلى خدمة في الأرض وتألق في سماء صدارة صناعة الطيران العالمية.
وتكشف التصنيفات الدولية الأخيرة عن هذه المفارقة بوضوح. ففي Skytrax لعام 2025 جاءت الخطوط السعودية في المركز السابع عشر عالميًا، بعدما كانت في المركز العشرين عام 2024، بينما تصدرت الخطوط الجوية القطرية القائمة، وجاءت طيران الإمارات في المركز الرابع. وتؤكد السعودية نفسها أنها قفزت من المركز 82 عالميًا في 2016 إلى المركز 20 في 2024 ثم إلى المركز 17 في 2025، وهو تحسن نسبي لا يمكن تجاهله.
أما في تصنيف AirlineRatings لعام 2026، الذي يركز على المنتج داخل الطائرة وتجربة المسافر، فجاءت الخطوط السعودية في المركز الثالث والعشرين، بينما تصدرت الخطوط القطرية القائمة، وجاءت طيران الإمارات والاتحاد للطيران ضمن المراكز العشرة الأولى. وتوضح AirlineRatings أن تصنيفها يعتمد على معايير قابلة للقياس تتعلق بالمنتج وتجربة المسافر، وليس على التصويت الشعبي.
وفي AirHelp Score 2025، الذي ينظر إلى عناصر تشمل الالتزام بالمواعيد وجودة الخدمة والتعامل مع مطالبات المسافرين، جاءت السعودية في المركز الثامن عالميًا، خلف القطرية والاتحاد وعُمان للطيران. وهذه النتيجة أكثر أهمية عند مناقشة تجربة المسافر، لأنها لا تقيس صورة الشركة داخل الطائرة فقط، وإنما جوانب مرتبطة بما يحدث عندما تواجه الرحلة مشكلة أو تأخيرًا.
وبذلك تظهر صورة أكثر توازنًا: السعودية ليست شركة متراجعة بصورة مطلقة، لكنها لم تحقق بعد المكانة الطبيعية المناسبة لتاريخها و التي تجعلها منافسًا ثابتًا على المراكز الأولى عالميًا. والأهم أن تقدمها الكبير خلال السنوات الماضية لا يلغي السؤال عن سبب استمرار الفارق بينها وبين الناقلات الخليجية التي تتصدر التصنيفات.
ناقلات أحدث عمرًا.. لكنها سبقت السعودية إلى القمة
المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عند العودة إلى التاريخ، فالخطوط السعودية تعود جذورها إلى عام 1945، وهي بذلك أقدم بكثير من أبرز منافسيها الخليجيين الحاليين. أما طيران الإمارات فبدأ عملياته عام 1985، والخطوط الجوية القطرية تأسست عام 1993 وبدأت عملياتها في 1994، بينما تأسست الاتحاد للطيران عام 2003.
أي أن السعودية سبقت الإمارات بنحو أربعة عقود، وسبقت قطر بنحو نصف قرن تقريبًا، وسبقت الاتحاد بنحو 58 عامًا، ومع ذلك، فإن عامل الأقدمية لم يتحول إلى تفوق في التصنيفات. ففي Skytrax 2025 كانت القطرية في المركز الأول والإماراتية في الرابع، مقابل المركز السابع عشر للسعودية. وفي AirlineRatings 2026 تصدرت القطرية القائمة، وجاءت الإماراتية والاتحاد ضمن العشرة الأوائل، بينما جاءت السعودية في المركز الثالث والعشرين.
وهذه ليست مقارنة بين شركات متطابقة في الحجم أو نموذج العمل أو الأسواق، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا: كيف استطاعت شركات خليجية أحدث عمرًا بكثير أن تبني خلال فترة أقصر نماذج عالمية في الخدمة وتجربة المسافر، بينما لا تزال الخطوط السعودية خارج دائرة المراكز الأولى في عدد من أهم التصنيفات؟
فالقطرية استطاعت خلال نحو ثلاثة عقود أن تصبح اسمًا متكررًا في قمة التصنيفات، والإماراتية حولت دبي إلى أحد أكبر مراكز الربط الجوي العالمي، بينما بنت الاتحاد خلال فترة أقصر علامة تجارية عالمية في قطاع الطيران.
وهذا يعني أن التحدي الذي تواجهه السعودية لا يتعلق بنقص التاريخ أو الخبرة، وإنما بوجود الإدارة المحترفة والقادرة على تحويل هذه الأقدمية والقدرة المادية إلى ميزة تنافسية مستدامة يشعر بها المسافر ويعكسها التقييم الدولي.
الالتزام بالمواعيد ليس كل المشكلة
وقد يكون من الخطأ اختزال المشكلة في التأخير التشغيلي. فالخطوط السعودية حققت بالفعل أداءً جيداً في الالتزام بالمواعيد، إذ جاءت في المركز الثاني عالميًا في تصنيف Cirium لعام 2025، بنسبة بلغت نحو 86.5%.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تعني أن الناقلة تستطيع تشغيل شبكة كبيرة بدرجة عالية من الانضباط في الظروف الطبيعية، لكن تجربة المسافر لا تتحدد فقط بالسؤال: هل أقلعت الطائرة في موعدها؟، السؤال الأصعب هو: ماذا يحدث للمسافرين عندما لا تقلع الطائرة في موعدها؟ كيف تتواصل الشركة مع المسافر؟ هل يحصل على معلومات واضحة ومتسقة؟ هل يتم توفير الطعام والشراب عند الانتظار الطويل؟ ماذا عن المأوى أو إعادة الحجز؟ وهل توجد آلية واضحة للتعامل مع كبار السن والعائلات وأصحاب الاحتياجات الخاصة؟ وهل يشعر المسافر أن الشركة تدير الأزمة، أم أنه تُرك لمواجهة الأزمة بنفسه؟ هنا تحديدًا يمكن أن يظهر الفارق بين شركة تتمتع بانضباط تشغيلي جيد وشركة تتمتع بتجربة مسافر عالمية متكاملة.
رحلة SV420.. عندما يتحول التأخير إلى اختبار للخدمة
وتقدم واقعة رحلة الخطوط السعودية SV420 من أديس أبابا إلى جدة في 10 سبتمبر 2026 مثالًا حيًا على هذا النوع من الاختبارات.
كان موعد الإقلاع الأصلي للرحلة 03:35 صباحًا، قبل أن يتغير الموعد بصورة متتالية، وفق الإشعارات الرسمية التي تلقاها الركاب، حتى وصل الموعد المعلن إلى 13:55. وتظهر بيانات تتبع الرحلة أن الإقلاع الفعلي كان عند نحو 13:56، أي بعد أكثر من عشر ساعات من الموعد الأصلي، وبحسب إفادة بعض الركاب، لم يحصل أكثر من 200 مسافر خلال فترة الانتظار الطويلة على طعام أو شراب أو مأوى، ولا رعاية ولم يُعرض عليهم إعادة الحجز، كما إنهم لم يتلقوا اعتذارًا أو إرشادات كافية من مكتب الشركة في أديس أبابا.
ولا يمكن اعتبار هذه الواقعة وحدها دليلًا على مستوى خدمة الخطوط السعودية ككل، ولا يمكن الجزم بأنها سبب مباشر في ترتيب الشركة عالميًا. لكنها تقدم حالة ميدانية تستحق الدراسة لأنها تختبر تحديدًا الجانب الذي لا يظهر في أرقام الالتزام بالمواعيد: كيفية تعامل الناقلة مع المسافر عندما تتعرض الرحلة لاضطراب كبير.
فلاي ناس نفس المسار .. وإنجاز مختلف
وتصبح الواقعة أكثر إثارة للاهتمام عند مقارنتها بحركة الرحلات على المسار نفسه وفي اليوم ذاته، ففي 10 سبتمبر 2026 كانت هناك رحلة رقم XY686 لفلاي ناس الأصغر حجماً والأحدث خدمة، من أديس أبابا إلى جدة، وتظهر بيانات الرحلة أن موعد إقلاعها المجدول كان في 5:35 صباحا، مع تأخير محدود في الإقلاع بلغ 1ساعة و11 دقيقة، مقارنة بالتأخير الذي واجهته رحلة السعودية 420، الذي زاد عن عشر ساعات، قبل أن تستأنف الرحلة مسارها إلى جدة.
ولا تعني المقارنة أن فلاي ناس لم تتأخر إطلاقًا، ولا تثبت أن سبب تأخير السعودية كان إداريًا أو تشغيليًا. لكنها تضع واقعة SV420 في سياق أكثر دقة: لم تكن الحركة الجوية بين أديس أبابا وجدة متوقفة بالكامل في ذلك اليوم، ولم يكن التأخير الاستثنائي الذي تجاوز عشر ساعات هو الصورة المشتركة لكل الرحلات على المسار.
ومن هنا يصبح سؤال الصحافة وهيئات تصنيف الطيران العالمي أكثر أهمية من مجرد معرفة سبب التأخير: ماذا قدمت الناقلة للمسافرين معها خلال ساعات الانتظار الطويلة ؟، هنا يبدأ تقييم تجربة المسافر الحقيقي.
APEX.. اعتراف مهم لكنه ليس ترتيبًا عالميًا
وقد يبدو حصول السعودية على APEX World Class دليلًا على أنها تجاوزت إلى حدٍ ما مشكلة الخدمة. لكن الأمر يحتاج إلى قراءة دقيقة.
فـAPEX World Class هو اعتراف بمعايير مرتفعة تشمل السلامة والرفاهية والاستدامة وتجربة الضيف وجودة الأغذية والمشروبات، وليس ترتيبًا تنافسيًا من الأول إلى الأخير مثل Skytrax أو AirlineRatings.
لذلك فإن حصول السعودية على هذا التقدير يمثل نقطة قوة مهمة، لكنه لا يعني تلقائيًا أنها أصبحت ضمن أفضل ثلاث شركات طيران في العالم.
وهنا تكمن المفارقة: يمكن لشركة أن تحصل على اعتراف مهني دولي مهم، وفي الوقت نفسه تظل بحاجة إلى تحسين جوانب معينة من تجربة المسافر حتى تصل إلى القمة في التصنيفات التنافسية، وهذا لا يمثل تناقضًا بالضرورة؛ لأن كل مؤسسة تصنيف تقيس جوانب مختلفة من أداء شركات الطيران.
السعودية تحتاج إلى إثبات أنها قادرة على إدارة الرحلة كاملة وليس فقط الوصول
مشكلة الخطوط السعودية، ليست في إثبات قدرتها على تشغيل الطائرات أو الوصول إلى عشرات الوجهات. وليست حتى في القول إنها شركة متأخرة في كل المؤشرات، لكن طموح المملكة في أن تصبح مركزًا عالميًا للسياحة والطيران يجعل سقف التوقعات أعلى، فالمسافر الذي يصل إلى مطار سعودي لا يقارن السعودية بشركات الطيران السعودية فقط؛ بل يقارنها بما شاهده في الدوحة ودبي وأبوظبي وإسطنبول وسنغافورة وغيرها، وهنا يصبح المعيار العالمي هو المنافس الحقيقي.
الخطوط السعودية تمتلك ميزة لا يمكن لأي منافس خليجي أن يكررها: تاريخ طويل، سوق محلي ضخم، ارتباط وثيق بأكبر سوق سفر ديني في العالم، وموقع جغرافي يجعل المملكة مركزًا طبيعيًا بين ثلاث قارات.
لكن امتلاك هذه المزايا لا يضمن وحده تصدر التصنيفات، فالناقلات الخليجية الأصغر عمرًا التي تتمتع بإدارة محترفة تحترم عملاءها أثبتت أن بناء شركة طيران عالمية لا يعتمد فقط على تاريخ الشركة، وإنما على القدرة على تصميم تجربة متكاملة للمسافر، والاستثمار المستمر في المنتج، والتعامل مع الأزمات، وتوحيد مستوى الخدمة في جميع المطارات.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام الخطوط السعودية ليس: لماذا لم تصل بعد إلى المركز الأول؟، بل ما الذي يمنعها، بعد ثمانية عقود تقريبًا من تأسيسها، من تحويل إمكاناتها الكبيرة إلى تجربة تجعلها تنافس بصورة ثابتة على المركز الأول؟
فالانتقال من المركز 82 في تصنيف Skytrax عام 2016 إلى المركز 17 في 2025 يؤكد أن التغيير ممكن، وأن الخطوط السعودية قطعت بالفعل مسافة كبيرة خلال أقل من عقد. غير أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة؛ لأن التحدي لم يعد يتمثل في مغادرة المراكز المتأخرة، بل في منافسة شركات استطاعت أن تجعل الجودة والخدمة وتجربة المسافر جزءًا أصيلًا من هويتها وسمعتها العالمية.
وستزداد صعوبة هذا التحدي مع دخول طيران الرياض إلى السوق السعودي، بما يمثله من منافس وطني جديد يُبنى منذ البداية وفق طموح عالمي، ويستهدف تقديم نموذج مختلف في تجربة السفر والمنتج والخدمات وربط المملكة بشبكة دولية واسعة. وهذا يعني أن الخطوط السعودية لا تواجه فقط منافسة خارجية على ترتيبها العالمي، وإنما تدخل أيضًا مرحلة جديدة من المنافسة داخل السوق السعودي نفسه، حيث سيكون على كل ناقل أن يثبت قدرته على جذب المسافر والحفاظ على ولائه.
وبالنسبة إلى ناقلة وطنية تقف في قلب مشروع تحول اقتصادي وسياحي واسع، فإن الطموح الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند تحسين الترتيب من المركز السابع عشر إلى مركز أعلى، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى بناء تجربة متكاملة تجعل المسافر نفسه يرى أن الخطوط السعودية تستحق مكانًا بين أفضل شركات الطيران في العالم.
وعندها فقط يمكن أن يتحول تاريخ “السعودية” الطويل من مجرد إرث عريق إلى ميزة تنافسية مستدامة، ومن اسم وطني راسخ إلى علامة طيران قادرة على المنافسة في القمة العالمية، خصوصًا في سوق سعودي مرشح لأن يصبح أحد أكثر أسواق الطيران تنافسية في المنطقة مع صعود طيران الرياض وتوسع قطاع الطيران والسياحة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.