لم تبدأ الحرب السعودية–اليمنية عام 1934 على الحدود بينهما فجأةً، ولم تكن قضية ترسيم الحدود هي العامل الوحيد الذي دفع الدولتين إلى المواجهة. فقد سبقت الحرب أزمة سياسية أكثر تعقيدًا ارتبطت بمصير الإمارة الإدريسية في جنوب غرب الجزيرة العربية، وبالتحول الذي طرأ على موقف أميرها الحسن بن علي الإدريسي بعد أن كانت إمارته قد دخلت في ترتيبات سياسية مع الملك عبدالعزيز بن سعود انتهت إلى انتقال إدارتها إلى الدولة السعودية.
كان الحسن الإدريسي قد ارتبط، اختياراً، بابن سعود بمعاهدة الحماية التي كرست النفوذ السعودي على الإمارة، ففي عام 1926م، ومع اشتداد الضغط اليمني على الإمارة الإدريسية، طلب الحسن الإدريسي حماية الملك عبدالعزيز، وانتهى ذلك إلى معاهدة مكة المكرمة في 21 أكتوبر 1926م. وبموجبها بقيت الشؤون الداخلية للحسن الإدريسي، بينما تولى الملك عبدالعزيز حماية المنطقة وشؤونها الخارجية.
ثم جاءت ترتيبات عام 1930 لتضع حدًا فعليًا لاستقلال الإدارة الإدريسية. وبذلك أصبح الحسن بلا سلطة مستقلة تقريبًا، بينما انتقلت إدارة المنطقة إلى السعوديين. غير أن نهاية الإمارة بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا لم تعنِ نهاية شبكة المصالح والولاءات المرتبطة بها، ولا نهاية طموح الأسرة الإدريسية إلى استعادة نفوذها.
وخلال الفترة التي أعقبت انتقال الإدارة السعودية، بدأت تظهر في محيط الحسن الإدريسي شخصيات وقوى سياسية سعت إلى إعادة توجيهه نحو مواجهة ابن سعود. ومن ابرزها حزب الأحرار الحجازي الذي ظهر في مطلع الثلاثينيات كإحدى القوى المعارضة لحكم الملك عبدالعزيز، وسعى إلى بناء صلات مع قوى وشخصيات يمكن أن تشكل جبهة سياسية في مواجهة الحكم السعودي.
وفي هذا السياق يبرز اسم حسين الدباغ بوصفه أحد أهم الشخصيات التي تولت الاتصال بالحسن بن علي الإدريسي والالتقاء به في اللُّحية، وفقا لرواية فاسيلييف في كتابه “تاريخ العربية السعودية” عن حزب الأحرار الحجازي ودوره السياسي بين عامي 1928 و1936 وعن حركة المعارضة الحجازية استنادًا إلى روايات ووثائق تلك الفترة، واتخذت تلك الاتصالات بين الطرفين طابعًا سياسيًا يهدف إلى التعاون ضد ابن سعود ولم تقتصر هذه الاتصالات، وفق المصادر نفسها، على التفاوض السياسي؛ بل سعى الحزب إلى تقديم الدعم الكامل للحسن الإدريسي، وتذكر تلك المصادر أن علي الدباغ وعبدالعزيز اليماني توجها إلى جازان عام 1932 بصفتهما مندوبي الحزب، في إطار التحرك لمساندة الإدريسي.
وتظهر أهمية حسين الدباغ بصورة أوضح في الوثائق البريطانية المعاصرة للأحداث. ففي برقية مؤرخة في 22 نوفمبر 1932، أرسلها المقيم البريطاني في عدن إلى وزير المستعمرات، وصف الثورة الإدريسية بالتي “يُحرّكها الدباغون”، في إشارة إلى الدور الذي نسبتْه المعلومات البريطانية إلى شبكة الدباغ في التحريض على التمرد. كما أشارت البرقية إلى وجود حسين الدباغ وجماعته في مصوع على ساحل مستعمرة إريتريا الإيطالية آنذاك، وإلى وجود اتصالات جرت حينها بين أنصار الإدريسي والمسؤولين البريطانيين في البحر الأحمر.
وفي أواخر 1932 انفجر التوتر في صورة تمرد مسلح ضد الحكم السعودي. إلا أنه فشل، واضطر الحسن الإدريسي إلى مغادرة المنطقة واللجوء إلى اليمن، حيث وجد نفسه في حماية الإمام يحيى حميد الدين خصمه السابق . وهنا تغيرت طبيعة القضية مرة أخرى: فما كان في بدايته نزاعًا حول مصير إمارة محلية ونفوذ أسرة حاكمة، تحول إلى ملف مباشر في الصراع بين الرياض وصنعاء.
ومنذ وصول الحسن إلى اليمن، أصبحت قضية الإدريسيين واحدة من القضايا التي زادت تعقيد المفاوضات السعودية–اليمنية. طالب ابن سعود بتسوية وضع الإدريسيين وإبعادهم عن النشاط السياسي المعادي للسعودية، بينما لم يكن الإمام يحيى مستعدًا لتسليمهم. وتزامن ذلك مع نزاع أوسع حول نجران والحدود ومناطق النفوذ في عسير وتهامة.
من التوتر الحدودي إلى الحرب
تصاعد التوتر السعودي اليمني خلال الأشهر الأولى من عام 1934، خصوصًا في المناطق الجبلية والحدودية. وكانت بعض تلك المناطق محل نزاع بين الطرفين، هل هي أراضي سعودية أو يمنية لأنها لم تكن قد رُسمت بعد بشكل رسمي رغم إن اغلبها كان تحت السيطرة السعودية فعلياً، وتظهر السجلات البريطانية أن المواجهة لم تقتصر على الجبال؛ فقد امتدت العمليات إلى الساحل الغربي، حيث تحركت القوات السعودية باتجاه الموانئ اليمنية على البحر الأحمر، ومع تقدم القوات السعودية جنوبًا، سقطت تباعًا مواقع ساحلية مهمة، وكان الوصول إلى الحديدة نقطة التحول الأبرز في الحرب.
ففي 7 مايو 1934، قدم وزير الخارجية البريطاني السير جون سايمون إفادة أمام مجلس العموم البريطاني حول الوضع في اليمن والحديدة. وقال إن السلطات المدنية والعسكرية اليمنية كانت قد انسحبت من الحديدة في 1 مايو، وإن القوات السعودية دخلت المدينة في 5 مايو وتولت مسؤولية حفظ النظام وحماية الأرواح والممتلكات الأجنبية، وأضاف التقرير البريطاني في اليوم نفسه أن القوات السعودية كانت قد استولت، إلى جانب الحديدة، على موانئ ميدي واللُّحية. وتكشف هذه الإفادة البريطانية المعاصرة مدى سرعة التقدم السعودي على الساحل خلال الأيام السابقة لدخول الحديدة.
وكانت أهمية الحديدة تتجاوز قيمتها العسكرية؛ فهي ميناء رئيسي على البحر الأحمر، ولذلك منح الوصول إليها الرياض ورقة ضغط مهمة في مواجهة الإمام يحيى، في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تراقب الوضع عن قرب بسبب وجود رعايا ومصالح أجنبية في المدينة، ومن اللافت أن المصدر البريطاني لم يصف الحديدة باعتبارها ضُمّت إلى الدولة السعودية، وإنما قال إن القوات السعودية دخلت المدينة وتولت مسؤولية النظام والحماية، وهو تمييز مهم عند الحديث عن طبيعة السيطرة السعودية عليها.
الحديدة تتحول إلى ورقة تفاوض
بعد تثبيت القوات السعودية وجودها في الحديدة، انتقلت الحرب سريعًا من مرحلة التوسع العسكري إلى مرحلة الضغط من أجل التسوية، وفي 14 مايو 1934 أبلغ وزير الخارجية البريطاني مجلس العموم بأن الملك عبدالعزيز أمر بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات تمهيدًا لاستئناف مفاوضات السلام. وأوضح أن القرار جاء بعد تعهد الإمام يحيى بتلبية الشروط السعودية، وفي الإفادة البريطانية نفسها، ورد أن السلطات السعودية كانت قد أحكمت سيطرتها على الحديدة وأن المدينة كانت هادئة، وهنا تظهر بوضوح العلاقة بين المسارين العسكري والسياسي في الحرب، فالتقدم السعودي على الساحل، والسيطرة المؤقتة على الحديدة، والضغط في المناطق الجبلية، كلها تحولت إلى أدوات تفاوضية لدفع صنعاء إلى قبول الشروط السعودية للتسوية وهي كالتالي:
1 – تسليم الأسرة الإدريسية التي كانت تحكم جازان/ المخلاف السليماني وابززهم:
- السيد الحسن بن علي الإدريسي، أمير الإمارة الإدريسية.
- عبدالعزيز الإدريسي.
- عبدالوهاب الإدريسي.
- أفراد آخرون من الأسرة والحاشية والأتباع.
2 – وإخلاء المناطق التي احتلتها اليمن وهي:
- جبال بني مالك
- جبال فيفاء
- جبل العَرّ
- جبال العبادل
- ومناطق جبال عسير تهامة.
3- الإفراج عن الرهائن السعوديين الذين خطفتهم القوات اليمنية عند دخولها الأراضي السعودية
وفي 4 يونيو/حزيران 1934، أشارت التقارير التي نقلها وزير الخارجية البريطاني إلى أن الإمام يحيى سلّم السلطات السعودية بعض أفراد الأسرة الإدريسية، باعتبار ذلك جزءًا من تنفيذ شروط الهدنة، وبذلك لم تكن حرب 1934 مجرد مواجهة حدودية؛ فقد كان مستقبل القضية الإدريسية أحد الملفات التي جرى حسمها في إطار التسوية السياسية.
لماذا لم تصبح الحديدة جزءًا من السعودية؟
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند تقييم نتائج الحرب. فمع أن القوات السعودية دخلت الحديدة في 5 مايو 1934، فإن السيطرة عليها لم تتحول إلى ضم دائم للمدينة, لأن خطة الرياض حينها لم تكن تستهدف تغيير المعالم الجيوسياسة “Geopolitics”, بل كان الهدف مقاومة الاحتلال بالاحتلال ومقايضة الانسحاب بالانسحاب، وقد نجحت الخطة.
وتؤكد سجلات الهند البريطانية أن ملف العلاقات السعودية اليمنية في تلك الفترة يتناول صراحة إعادة احتلال الحديدة من جانب السلطات اليمنية بعد الانسحاب التدريجي للقوات السعودية. كما تتحدث الوثائق عن ترتيبات متزامنة لانسحاب السفن الحربية الأجنبية من الميناء.
معاهدة الطائف في 20 مايو
وسط هذه التطورات، جرى التوصل إلى اتفاق السلام في الطائف في 20 مايو 1934. وتصف سجلات قطر الرقمية، التي تحفظ ملفات وزارة الهند البريطانية، المعاهدة بأنها معاهدة الطائف بين السعودية واليمن، وتذكر أن المفاوضات تناولت إنهاء الحرب وتنظيم العلاقة بين الطرفين، ثم تسجيل المعاهدة التي أبرمت في 20 مايو وصُدّق عليها لاحقًا في 22 يونيو, وكانت المعاهدة أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار؛ فقد وضعت إطارًا للعلاقة بين الدولتين، وتضمنت ترتيبات تتعلق بالحدود والمناطق المتنازع عليها، إلى جانب الالتزامات المتبادلة التي أنهت حالة الحرب.
وتظهر أهمية هذه المرحلة في ملف بريطاني آخر مخصص لترسيم الحدود السعودية اليمنية بعد معاهدة الطائف. ويشير الملف إلى أن ترتيبات ترسيم الحدود شملت مناطق وقبائل مثل بني مالك وأهل فيفاء والعبادل، بما يعكس أن الاتفاق السياسي لم يكن نهاية المسألة الحدودية بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة من تحديدها بصورة أكثر انتظامًا.
ورغم توقيع معاهدة الطائف في 20 مايو، لم يكن الانتقال من الحرب إلى السلام فوريًا. ففي 6 يونيو 1934، أوضح وزير الخارجية البريطاني أمام مجلس العموم أن شروط السلام كانت قد اتُّفق عليها تقريبًا في 24 مايو، لكن بعض شروط ابن سعود لم تكن قد نُفذت بالكامل، وأن الملك عبدالعزيز كان قد هدد باستئناف القتال في 29 مايو قبل أن يمدد الهدنة بعد أن جدد الإمام يحيى التزامه بتنفيذ الشروط.
وفي الوقت نفسه، كانت التقارير البريطانية تشير إلى استمرار تحركات القوات اليمنية في المناطق الجبلية شرقي الحديدة، الأمر الذي يوضح أن توقيع الاتفاق لم يكن وحده كافيًا لإنهاء جميع مظاهر التوتر الميداني، من جهتها كانت الرياض تدرك أنها تحتاج إلى التدخل العسكري أحياناً لإجبار الخصم في صنعاء على تنفيذ بعض بنود الاتفاقيات، وبحسب السجلات البريطانية أن معاهدة الطائف ثم التصديق عليها في 22 يونيو 1934 بعد اكتمال اجراءاتها القانونية كما يظهر في الملف البريطاني الخاص بالعلاقات السعودية اليمنية.
النتيجة السياسية للحرب
تكشف حرب 1934، عند جمع التسلسل العسكري بالوثائق الدبلوماسية البريطانية، عن نتيجة مركبة. فقد انتهت الحرب بتثبيت توسع الدولة السعودية في مناطق كانت قد دخلت ضمن مجال نفوذها قبل الحرب، وحسمت قضية الأدارسة باعتبارها قوة سياسية مستقلة، بينما احتفظ اليمن بالحديدة بعد إتمام الانسحاب العسكري السعودي منها.
أما الحد الفاصل بين الطرفين، فلم يكن مجرد نتيجة فورية للمعارك؛ فقد فتحت معاهدة الطائف مرحلة من ترسيم الحدود وتنظيمها استمرت بعد الحرب. وتوضح الوثائق البريطانية أن ملف ترسيم الحدود ظل مفتوحًا بعد المعاهدة، وأن المراسلات اللاحقة تناولت تحديد مواقع الحدود ومناطق القبائل الواقعة على جانبيها.
وبذلك يمكن فهم حرب 1934 باعتبارها لحظة مفصلية في تشكيل العلاقة السعودية اليمنية الحديثة: بدأت بخلافات على النفوذ والحدود وبقايا القضية الإدريسية، ثم تحولت إلى حرب واسعة وصلت القوات السعودية خلالها إلى الحديدة، قبل أن تنتقل المواجهة إلى طاولة المفاوضات وتنتهي بمعاهدة الطائف في 20 مايو 1934، التي دخلت حيز التنفيذ بعد تبادل التصديقات في 22 يونيو 1934.