رأي العراق

العراق وجغرافيا الباب الواحد: ما كشفه مضيق هرمز

 

حين قال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي لصحيفة نيويورك تايمز يوم 19 سبتمبر 2026، إن بلاده خسر نحو 60 مليار دولار من الإيرادات منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإن نحو 60% من إيرادات صادراته الشهرية تضررت، لم يكن يتحدث عن أزمة عابرة في سوق النفط، بقدر ما كان يصف هشاشة بنيوية في الاقتصاد العراقي: دولة نفطية كبرى تعتمد بدرجة شديدة على منفذ تصدير بحري يمر عبر مضيق هرمز. ونقلت العراق نيوز، في 22 سبتمبر 2026، عن مقابلة الزيدي أن طهران منعت ناقلات النفط العراقية من المرور، رغم العلاقة التي تربط البلدين.

والأكثر دلالة في حديث الزيدي أن بغداد، بحسب روايته، أجرت نقاشات مطولة مع طهران، لكن القرار الإيراني ظل حاسمًا. وقال الزيدي إن المسألة، من وجهة نظره، لا تتعلق بقرب العراق من إيران أو بعده عنها، بل برغبة طهران في رفع أسعار النفط وممارسة الضغط. وبذلك تحولت الجغرافيا إلى أداة سياسية: العراق يملك النفط، لكنه لا يملك بالقدر نفسه حرية اختيار الطريق الذي يصل به هذا النفط إلى الأسواق.

وتكشف أزمة الرسوم المفروضة على المرور عبر هرمز حجم الكلفة التي تحملها العراق. فقد نقلت 964 ميديا، في 9 سبتمبر 2026، عن النائب العراقي منصور البعيجي قوله إن إيران تتقاضى 20 دولارًا عن كل برميل يمر عبر المضيق، لكنه لم يقدم وثائق تثبت هذا الرقم. وفي المقابل، قدر الاقتصادي النفطي العراقي نبيل المرسومي، في تحليل نشرته العراق نيوز في 9 سبتمبر 2026، أن العراق دفع نحو 1.3 مليار دولار للسلطات الإيرانية خلال أغسطس وحده، من إجمالي صادرات هيدروكربونية بلغت نحو 4.5 مليار دولار، قبل خصم تكاليف الإنتاج وحقوق الشركات. ولذلك فإن الرقم الأكثر أمانًا في التوصيف هو أن الرسوم والقيود المرتبطة بالمرور عبر هرمز استنزفت جزءًا بالغًا من العائد النفطي العراقي، فيما يبقى رقم 20 دولارًا للبرميل تقديرًا سياسيًا لم يقدم قائله وثائق تفصيلية لإثباته.

وفي الجهة الأخرى، لا تملك بغداد حرية تجاهل واشنطن. فالعائدات النفطية العراقية تمر داخل منظومة مالية دولية تمنح الولايات المتحدة أدوات ضغط مهمة، بينما تخشى بغداد من أن تتحول ترتيبات المرور والرسوم المرتبطة بإيران إلى مصدر لمخاطر على شركة تسويق النفط العراقية «سومو». وهكذا وجد العراق نفسه بين قوتين: جار يملك تأثيرًا حاسمًا في الممر البحري، وقوة كبرى تملك أدوات مؤثرة في النظام المالي الدولي.

أبواب أُغلقت بقرار سياسي

ليس في هذا جديد تمامًا على من يقرأ تاريخ النفط العراقي. فقد حاول العراق، في مراحل مختلفة، بناء مخارج بديلة عن الخليج، لكن عددًا من هذه المخارج ارتبط في النهاية بقرارات سياسية أو أزمات أمنية خارج السيطرة المباشرة لبغداد، كان خط كركوك–بانياس أحد أبرز هذه المخارج، إذ حمل النفط العراقي من الشمال إلى البحر المتوسط قبل أن يتوقف في عام 1982 في سياق الانقسام العراقي–السوري خلال الحرب العراقية–الإيرانية، بعدما اصطف النظام السوري آنذاك إلى جانب إيران. وبذلك لم يكن توقف الخط نتيجة عطل تقني، بل نتيجة التحول في الحسابات السياسية بين بغداد ودمشق.

أما خط العراق–السعودية، المعروف باسم IPSA، فقد مثّل منفذًا آخر إلى البحر الأحمر. لكنه توقف بعد غزو الكويت عام 1990، ثم أصبحت السيطرة السعودية على المنشأة جزءًا من واقع ما بعد الأزمة. وهكذا فقد العراق منفذًا كان يفترض أن يمنحه قدرًا من الاستقلال عن الخليج.

أما خط كركوك–جيهان، فقصته أكثر تعقيدًا. فقد تعرضت صادرات النفط من إقليم كردستان عبر تركيا لتوقف طويل بعد النزاع القانوني والسياسي بين بغداد وأربيل وأنقرة، قبل أن تستأنف التدفقات في سبتمبر 2025. وفي يوليو 2026 كانت التدفقات عبر الخط في حدود 170 ألف برميل يوميًا، بينما تستهدف الاتفاقية العراقية–التركية الجديدة إتاحة عبور يصل إلى 750 ألف برميل يوميًا، مع بقاء الطاقة التصميمية للخط أعلى من ذلك بكثير. ووقعت بغداد وأنقرة في أغسطس اتفاق تمديد لمدة عام لاستخدام الخط.

والدرس هنا أن الأنبوب في العراق ليس مشروعًا هندسيًا فحسب؛ إنه رهان على البيئة السياسية والأمنية المحيطة به. فالخط الذي يعبر دولة أخرى لا يصبح مستقلًا عن سياسة تلك الدولة، والخط الذي يمر بمنطقة نزاع لا يصبح آمنًا لمجرد اكتمال بنائه.

ولهذا فإن استعادة خط بانياس لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد عودة إلى الماضي. فحتى المشروع العراقي–السوري الجديد لن يكون نسخة بسيطة من الخط القديم؛ إذ تشير رويترز، في 17 أغسطس 2026، إلى أن خط النفط الخام المقترح عبر سوريا يحتاج إلى بنية جديدة، وأن الدراسات الحالية تتحدث عن كلفة لا تقل عن 15 مليار دولار ومدة تنفيذ تقارب أربع سنوات، مع طاقة أولية مستهدفة تبلغ نحو مليوني برميل يوميًا.

الأبواب المفتوحة اليوم

دفعت أزمة هرمز بغداد إلى استخدام كل منفذ متاح، حتى وإن كان مؤقتًا ومكلفًا، ومنذ مارس 2026 بدأت كميات كبيرة من زيت الوقود العراقي تُنقل برًا عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط. ووفق بيانات نشرتها العراق نيوز في 22 سبتمبر 2026، بلغ إجمالي زيت الوقود المنقول عبر سوريا بين مارس ونهاية أغسطس نحو 21.4 مليون برميل، ارتفع من 254 ألف برميل في مارس إلى 5.91 مليون برميل في أغسطس. وهذه الكميات هي زيت وقود وليست بديلًا كاملًا عن صادرات النفط الخام.

وتكشف هذه التجربة أهمية المسار السوري، لكنها تكشف حدوده أيضًا. فالنقل بالشاحنات يمكن أن يوفر منفذًا سريعًا في حالات الطوارئ، لكنه لا يمتلك سعة خط أنابيب ولا كلفته التشغيلية. ولذلك وصفته مصادر إعلامية واقتصادية بأنه حل عملي للأزمة الحالية أكثر من كونه بديلًا استراتيجيًا مكتملًا.

وتعمل بغداد في الوقت نفسه على تحويل هذا المسار المؤقت إلى بنية دائمة. فقد أكدت وكالة الأنباء العراقية في 30 يونيو 2026 أن مشروع مد خط نفطي عبر سوريا ما زال قيد الدراسة، وأنه مرتبط أولًا بمد خط البصرة–حديثة، بما يسمح مستقبلًا باستبدال نقل النفط بالشاحنات بخط أنابيب.

وفي أغسطس، وافق مجلس الوزراء العراقي على خطوات إضافية لتنويع منافذ تصدير النفط، شملت مشروع خط البصرة–حديثة–كركوك–جيهان ومشروع البصرة–حديثة–بانياس، فيما كانت بغداد تناقش أيضًا مشروع خط البصرة–العقبة مع الأردن.

وفي الشمال استعاد خط كركوك–جيهان أهميته. لكن الأرقام تكشف الفجوة بين القدرة النظرية والواقع: الاتفاق العراقي–التركي الجديد يسمح بعبور يصل إلى 750 ألف برميل يوميًا، بينما كانت التدفقات الفعلية في حدود 170 ألف برميل يوميًا في أغسطس، بحسب رويترز في 1 أغسطس 2026. وفي سبتمبر بدأت بغداد حتى بنقل النفط الخام بالشاحنات من الحقول الجنوبية إلى منشآت كركوك، في محاولة لزيادة الكميات التي يمكن ضخها عبر جيهان. وقالت رويترز في 16 سبتمبر 2026 إن تجربة أولية نقلت نحو 38 ألف برميل خلال يومين، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن نقص الشاحنات والبنية التحتية للتحميل يجعل توسيع العملية محدودًا.

أما مشروع البصرة–حديثة، فهو أكثر أهمية من مجرد حل إسعافي. فالفكرة الأساسية هي ربط حقول الجنوب بمسارات تصدير مختلفة في الشمال والغرب، بما يخلق شبكة بدل الاعتماد على ممر واحد. وقد أقر مجلس الوزراء العراقي دراسات لمشروع البصرة–حديثة–كركوك–جيهان ومشروع البصرة–حديثة–بانياس، بما يعكس تحولًا في التفكير الرسمي من معالجة أزمة هرمز إلى إعادة تصميم جغرافيا التصدير العراقية.

ما فعله الجيران ولم يفعله العراق

المقارنة مع دول الخليج قاسية لكنها ضرورية، فالسعودية بنت منذ عقود شبكة تصدير لا تعتمد كليًا على الخليج العربي، وأبرزها خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط إلى ينبع على البحر الأحمر. والإمارات أنشأت خط حبشان–الفجيرة الذي يصل حقولها بميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز. الفكرة في الحالتين لم تكن إلغاء هرمز، بل تقليل أثر إغلاقه.

لكن أزمة سبتمبر 2026 أظهرت أيضًا أن البديل لا يعني الحصانة المطلقة. فقد أعلنت السعودية في 11 سبتمبر تعرض خط الشرق–الغرب لهجوم بطائرات مسيرة، وقالت رويترز في 11 سبتمبر 2026 إن الرياض نسبت إطلاق الطائرات إلى جماعات مسلحة من العراق، بينما استأنفت المملكة تشغيل الخط جزئيًا في 22 سبتمبر، مع توقعات باستغراق العودة إلى الطاقة الكاملة أسابيع بسبب الأضرار التي أصابت محطات الضخ.

وهذا التفصيل مهم في الحالة العراقية: تعدد الأبواب لا يلغي المخاطر، لكنه يمنع تحول تعطل باب واحد إلى اختناق كامل للدولة.

العراق، في المقابل، ظل لسنوات يملك موارد نفطية ضخمة، لكنه لم ينجح في تحويل تعدد المشاريع والاقتراحات إلى شبكة تصدير متكاملة وقابلة للاستخدام الفوري. وعندما أغلق هرمز، لم يكن أمامه خط بديل قادر على استيعاب الكميات التي كانت تمر جنوبًا.

ولهذا اضطرت بغداد إلى الجمع بين حلول متباينة: شاحنات إلى كركوك، ناقلات عبر جيهان، شاحنات زيت وقود إلى بانياس، ومفاوضات مع تركيا وسوريا والأردن، بالتوازي مع البحث عن استثمارات أجنبية في خطوط جديدة.

الأنبوب والسلاح

وثمة بعد آخر لا يقل أهمية عن الجغرافيا والهندسة: الأمن، فكل خط يتجه غربًا نحو سوريا أو الأردن، وكل طريق بري يربط الحقول الجنوبية بالمنافذ الشمالية والغربية، يمر عبر أراضٍ تحتاج إلى حماية مستقرة، وإلى سلطة دولة قادرة على تأمين البنية التحتية ومنع تحويلها إلى ورقة ضغط، وهنا تتصل أزمة الطاقة بالملف الأمني العراقي مباشرة، ففي مقابلته مع نيويورك تايمز، المنشورة في 22 سبتمبر 2026 بحسب ما نقلته مصادر عراقية، تحدث الزيدي عن خطة لنزع سلاح الفصائل المسلحة على مراحل، تبدأ بفترة تهدئة مدتها 90 يومًا، على أن تكتمل العملية بحلول يونيو 2027. وبحسب الرواية المنقولة عن المقابلة، فإن الهدف هو إنهاء عمل الفصائل بوصفها كيانات مسلحة مستقلة وإدماج أفرادها في مؤسسات الدولة وفق الصيغة التي طرحتها الحكومة.

وبصرف النظر عن الجدل السياسي حول هذه الخطة، فإن العلاقة بين الأمن والطاقة واضحة: الممر النفطي الذي لا تستطيع الدولة ضمانه لا يمثل استقلالًا استراتيجيًا كاملًا، وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بعد حادثة خط الشرق–الغرب السعودي. ففي 11 سبتمبر قالت الرياض إن طائرات مسيرة أُطلقت من العراق استهدفت منشآت الخط، فيما طلبت بغداد من السعودية ضبط النفس. وبغض النظر عن المسؤولية السياسية والقانونية التي تبقى موضوعًا مستقلًا، كشفت الحادثة مدى حساسية ارتباط أمن الطاقة الإقليمي بالوضع الأمني داخل العراق.

لذلك فإن بناء خطوط جديدة لا يمكن فصله عن بناء قدرة الدولة على حماية هذه الخطوط. فالأنبوب يحتاج إلى استقرار سياسي، والطرق تحتاج إلى سلطة أمنية موحدة، والموانئ تحتاج إلى بيئة قانونية ومالية مستقرة.

الخلاصة

لقد كشف مضيق هرمز للعراق مشكلة أعمق من مجرد صعوبة تصدير النفط: مشكلة الجغرافيا السياسية للمنفذ الواحد.

العراق ليس بلا أبواب. لديه جيهان، وبانياس، والعقبة كمشروعات أو مسارات مطروحة، ولديه إمكانات واسعة لتطوير شبكات داخلية تربط الجنوب بالشمال والغرب. لكن معظم هذه الأبواب إما لم يكتمل، أو لا يعمل بطاقة كافية، أو يعتمد على دولة أخرى، أو يحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة قبل أن يصبح بديلًا حقيقيًا.

ولهذا فإن الدرس الذي خرجت به بغداد من أزمة هرمز ليس أن عليها أن تستبدل بابًا بباب، وإنما أن تبني شبكة أبواب، فالاعتماد على منفذ بحري واحد جعل إغلاق هرمز يتحول سريعًا إلى أزمة مالية تمس الرواتب والموازنة والاستقرار الاقتصادي. أما وجود شبكة متكاملة من الأنابيب والموانئ والطرق البرية، فيمكن أن يحول إغلاق أي منفذ من أزمة وجودية إلى مشكلة يمكن احتواؤها.

وهذا ينطبق أيضًا على طريق التنمية الممتد من الفاو إلى الحدود التركية. فالمشروع يمكن أن يصبح جزءًا من إعادة صياغة موقع العراق الجغرافي، لا مجرد ممر للنقل والتجارة. لكن نجاحه يتوقف، مثل خطوط النفط، على سؤال يتجاوز الهندسة: هل تستطيع الدولة العراقية أن تجعل طرقها وموانئها وخطوطها وشبكاتها التجارية تحت مظلة قرار سياسي وأمني واحد؟

في النهاية، لا تكمن مشكلة العراق في أنه يملك بابًا واحدًا حرفيًا، بل في أن الأبواب البديلة لم تتحول بعد إلى منظومة مستقلة عن تقلبات الجوار، وقد أثبت هرمز أن امتلاك النفط لا يعني امتلاك حرية تصديره، وأن امتلاك خط أنابيب لا يعني امتلاك قرار استخدامه.

الفرق بين العراق ذي الأبواب المتعددة والعراق ذي الباب الواحد لن تصنعه الهندسة وحدها؛ ستصنعه السياسة، والأمن، وقدرة الدولة على حماية خياراتها.

الدولة العراق
احمد مرادلي

احمد مرادلي

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات