تقرير اليمن

الحوثي من صعدة إلى صنعاء: استهداف مكة بين العقيدة والسياسة

 

أثارت حادثة الطائرة المسيّرة التي أعلنت السعودية اعتراضها قرب مكة المكرمة، وما رافقها من اتهامات للحوثيين بالمسؤولية عنها، جدلاً واسعاً نظراً إلى الحساسية الدينية والسياسية البالغة المرتبطة بمكة والمسجد الحرام. ففي مساء 15 سبتمبر 2026، أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثيين جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة. وقال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن الاعتراض وقع عند الساعة 6:50 مساءً، فيما نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية.

وبعد أيام، تداول نشطاء ووسائل إعلام يمنية مقطعاً مصوراً يظهر مجسماً يحاكي الكعبة المشرفة في مدينة ذمار الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فيما ظهر أشخاص يطوفون حوله ويؤدون الصلاة أمامه. ونشرت وسائل إعلام يمنية في 21 سبتمبر تقارير عن المشهد، مشيرة إلى اتساع نطاق تداوله وما أثاره من انتقادات وتساؤلات حول الغرض من إقامة المجسم.

وأثار ظهور المجسم في هذا التوقيت موجة من التعليقات في أوساط يمنية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ ربط بعض المنتقدين بين المشهد وبين الجدل الذي أعقب حادثة المسيّرة قرب مكة، وذهبوا إلى تفسيره نكاية سياسية ضد الرياض باعتباره محاولة لتوظيف رموز الحج أو تقديم رمز ديني بديل، رغم أن التقارير التي تناولت مجسم ذمار لم تحدد بصورة مستقلة الجهة التي أنشأته أو الغرض الرسمي منه.

وتكمن أهمية الواقعة، في سياق هذا التقرير، في اجتماع عاملين أثارا الجدل في وقت متقارب: حادثة المسيّرة التي ارتبطت بمكة المكرمة، ثم تداول مشاهد المجسم في ذمار بعد أيام منها. غير أن الفصل بين الحدثين يظل ضرورياً عند تقييم الوقائع؛ فالموثق هو اعتراض المسيّرة وفق الإعلان السعودي، في المقابل جاء نفي الحوثيين لهذه التهمة على شكل هجوم إعلامي وتصريحات مضادة ضد الرياض، ونشر مقطع المجسم في ذمار، بينما تبقى العلاقة المباشرة بين الحدثين والتفسيرات التي أُسقطت على المجسم موضع قراءة سياسية وإعلامية تحتاج إلى تفصيلات إضافية وتحليلات أعمق تربط الماضي بالحاضر و الدوافع السياسية بالعقائدية.

وعليه، ينبغي تناول هذه الواقعة ضمن سياق أوسع لفهم الخلفية الدينية والفكرية التي نشأت فيها الحركة الحوثية، والتي بدأت في محافظة صعدة شمال اليمن ضمن بيئة زيدية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى حركة سياسية وعسكرية واسعة النفوذ. ويستند الحوثيون في جذورهم الفكرية إلى التراث الزيدي، مع تأثر الحركة الحديثة بصورة خاصة ببعض الأفكار الجارودية التي تعطي مسألة الإمامة ومكانة أهل البيت حضوراً مركزياً في تصورها الديني والسياسي.

ولا يعني ذلك أن الزيدية والحوثية تمثلان تياراً واحداً،  أو أن جميع أتباع الزيدية يتبنون أفكار الحركة الحوثية؛ فالزيدية تاريخياً تيار إسلامي متنوع، خرجت منه الحركة الحوثية الجارودية خلال العقود الأخيرة في إطار سياسي وعسكري وفكري خاص بها، وقد ارتبط صعود الحركة بخطاب مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، الذي تناول في محاضراته التاريخ الإسلامي ومكانة أهل البيت والصراع السياسي والمذهبي، ووجه انتقادات بل اتهامات حادة إلى عدد من الشخصيات والرموز التاريخية الإسلاميه كأصحاب رسول الله، وأسهم هذا الخطاب في تشكيل جانب من الهوية السياسية والفكرية للحركة وقد استمر هذا الخطاب السياسي المشحون بالطائفية يتوارثه ويردده اتباعه حتى الان في المعاهد العلمية وخطب الجمعة، بل وحتى في قصائدهم التي يبثونها قي المنابر الدينية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يتورعون عن شتم  الصحابة والتقليل من شأنهم، عند الحديث عن الإمامة ومكانة أهل البيت واحقيتهم في الحكم والسلطة، وهي قضايا تمثل أحد أوجه الاختلاف التاريخي بين بعض الاتجاهات الزيدية وبين التصور السني التقليدي لمسألة الخلافة.

الحوثيون: أقلية داخل أقلية

لفهم الحساسية التي تحيط بالخطاب الحوثي تجاه مكة والحج، لا يكفي النظر إلى الجماعة باعتبارها تنظيماً عسكرياً زيدياً فقط، بل ينبغي العودة إلى خلفيتها الدينية والفكرية، حيث نشأت الحركة كأقلية في بيئة  زيدية في شمال اليمن، ثم تطورت بشكل متطرف خارج  المدرسة الزيدية التقليدية. حتى برزت في نسختها العسكرية بمشروع سلطوي متجاوزةً أيضا مدرستها الأم الجارودية التقليدية ذات الاتجاه العقائدي والفكري داخل الطائفة الزيدية التي تمثل أقلية ضمن التركيبة السكانية في اليمن،

ومع ذلك، فإن قضايا الإمامة ومكانة أهل البيت والتاريخ السياسي الإسلامي حاضرة في جزء مهم من الخطاب الفكري الذي نشأت عليه الحركة. وقد برز ذلك بصورة خاصة في محاضرات ودروس حسين بدر الدين الحوثي ، التي تناولت قضايا دينية وتاريخية وسياسية ورفع خلالها شأن ومكانة على بن أبي طالب، بينما حط من قدر عدد من الشخصيات والرموز التاريخية كأصحاب رسول الله وخلفائه الثلاثة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، كقوله في درس له في 13يناير عام 2002 “كل سيئة في هذه الأمة، كل ظلم وقع للأمة، وكل معاناة وقعت الأمة فيها، المسؤول عنها أبو بكر وعمر وعثمان؛ عمر بالذات، لأنه هو المهندس للعملية كلها، هو المرتب للعملية كلها فيما يتعلق بخلافة أبي بكر”، وفي معرض حديثه عن موقفه من أبي بكر وعمر في درسه الرابع في  16 يناير 2002، قال الحوثي “كنا نسكت مع اعتقاد أنهما… مخطئون عاصون ضالون”.

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخلفية الفكرية للحركة وبين مواقف جميع أتباع الزيدية؛ فالزيدية تيار تاريخي متنوع، ولا يصح اختزالها في الحوثيين، كما لا يمكن اعتبار كل موقف ديني أو سياسي للحوثيين ممثلاً للزيدية ككل، لكن تحول الحركة إلى سلطة أمر واقع، ثم إلى قوة عسكرية ذات امتداد إقليمي، جعل هذه الخلفية الفكرية جزءاً من النقاش حول مشروعها السياسي. ومع تصاعد الخطاب المرتبط بمكة والحج، أصبحت العلاقة بين البعد الديني والبعد السياسي في خطاب الجماعة أكثر أهمية من السابق، ومن هنا يصبح الانتقال إلى تاريخ علاقة إيران بالحج وبالسعودية ضرورياً؛ ليس لإثبات أن الحوثيين يكررون بالضرورة التجربة الإيرانية, وإنما لفهم مدى إيمان الحوثيين بفكرة تمكين الحكم الإمامي وحق ذرية علي بن أبي طالب في السلطة العامة وامتلاكهم الشرعية السياسية أصالةً وليس مكسباً باختيار او انتخاب, و تفسيق أو تضليل إن لم يكن تكفير من ينازعهم هذا الحق،  وكذلك مدى تأثر هذا التصور بفكرة ولاية الفقيه التي تبنتها طهران، وما رافقها من توسع في مفهوم النفوذ الديني والسياسي خارج الحدود. وفي هذا السياق تكتسب مواقف الحوثيين من مكة والحج أهمية خاصة.

من صعدة إلى صنعاء

بدأ الصراع بين الحركة الحوثية والسلطة اليمنية في صعدة عام 2004، عندما اندلعت المواجهات الأولى بين القوات الحكومية وأنصار حسين بدر الدين الحوثي. وبعد مقتله استمرت الحروب في صعدة، وتوسعت الحركة تنظيمياً وعسكرياً، قبل أن تنتقل تدريجياً من حركة محلية تتمركز في أقصى شمال اليمن إلى قوة تسعى إلى توسيع نفوذها خارج معقلها التقليدي.

وكان الصراع في دماج أحد أبرز المحطات التي عكست هذا التحول. فقد أدى القتال بين الحوثيين والجماعات السلفية في المنطقة إلى سقوط قتلى ونزوح سكان، وانتهى بسيطرة الحوثيين على دماج وخروج عدد كبير من طلاب دار الحديث منها. وأظهر ذلك أن الحركة باتت قادرة على استخدام قوتها العسكرية خارج نطاق صعدة لإعادة رسم موازين القوى المحلية.

ومع توسع الحوثيين، لم يقتصر نشاطهم على السيطرة العسكرية، بل امتد إلى المجال الديني والاجتماعي. ففي المناطق التي سيطروا عليها، سعوا إلى إعادة تنظيم بعض جوانب الخطاب الديني والمناسبات العامة والتعليم بما يتوافق مع رؤيتهم السياسية والفكرية، الأمر الذي أثار اعتراضات من خصومهم ومن قطاعات من المجتمع اليمني.

لكن التحول الحاسم جاء في عام 2014. فقد استفاد الحوثيون من حالة الاضطراب السياسي والاحتجاجات على رفع أسعار الوقود وضعف الحكومة، وتقدموا من الشمال باتجاه عمران ثم صنعاء. وفي سبتمبر من العام نفسه تمكنت المليشيات الحوثية من دخول العاصمة وسيطرت على مؤسسات الدولة ومواقع عسكرية وأمنية رئيسية، ليس لأنهم أقوياء وأعدادهم كثيرة، بل لأن هناك عواصم خليجية قررت القضاء على ألوية وفرق مسلحة مناوئة للحوثي، فقط لأنها ترتبط بولاء أو إدارة بحزب الإصلاح الإخواني، إضافة إلي تصفية الحسابات داخل المؤسسة العسكرية بين ما تبقى من النظام القديم بقيادة على عبدالله صالح وبين النظام الجديد بقيادة عبدربه منصور هادي، لتبدأ مرحلة جديدة لم يعد فيها الحوثيون مجرد جماعة متمردة في صعدة، بل أصبحوا القوة المسلحة الحاكمة في العاصمة صنعاء.

أدى ذلك إلى انهيار الترتيبات السياسية التي كانت قد تشكلت بعد احتجاجات 2011، ثم إلى استقالة الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته في يناير 2015، قبل أن يغادر هادي صنعاء ويتجه إلى عدن. وفي مارس 2015 بدأ التحالف الذي تقوده السعودية تدخله العسكري في اليمن، معلناً أن هدفه دعم الحكومة المعترف بها دولياً ومنع الحوثيين من السيطرة على البلاد.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت العلاقة بين الحوثيين وإيران جزءاً أساسياً من تطورات الحرب واستمرارها،  فقد طورت الجماعة، خلال سنوات الحرب، قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، من خلال وجود فنيين لبنانيين وعراقيين شيعة، واستفادت من الدعم الإيراني في مجالات السلاح والتدريب والخبرة الفنية، بينما احتفظت في الوقت نفسه بأجندتها المحلية وحساباتها الخاصة.

وفي سبتمبر 2026 اتسع هذا البعد الإقليمي بصورة لافتة. فقد أفادت رويترز في 10 سبتمبر بأن التقدم الحوثي السريع على الساحل الغربي، بما في ذلك السيطرة على المخا والتقدم نحو جزر حنيش، جاء وسط معلومات من مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية عن دعم وتوجيه من الحرس الثوري الإيراني. ونقلت رويترز عن مصادر أن عناصر من الحرس الثوري انتقلت إلى اليمن للمساعدة في تنسيق العمليات، فيما أكد المجلس الرئاسي اليمني في اليوم نفسه أن قواته تواجه تصعيداً على الساحل بمشاركة خبرات مرتبطة بالحرس الثوري. وتبقى هذه المعلومات منسوبة إلى مصادر في التقارير وليست دليلاً على أن كل العمليات الحوثية تصدر بأوامر إيرانية مباشرة.

بين العقيدة والسياسة.. مكة في قلب التصعيد

جاء التصعيد حول مكة في وقت كانت فيه الحرب نفسها تدخل مرحلة أكثر اتساعاً. ففي 18 سبتمبر 2026، أصدر مجلس الأمن بياناً أدان فيه استمرار الهجمات الحوثية على السعودية، بما في ذلك الهجمات التي طالت البنية التحتية المدنية والطاقة، كما أدان التهديدات والهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وتزامن ذلك مع استمرار القتال على الساحل الغربي لليمن، حيث أفادت تقارير في 18 سبتمبر بأن القوات الحكومية والحوثيين خاضوا معارك حول مواقع استراتيجية مطلة على باب المندب، بينما أعلنت الجماعة في 19 سبتمبر مسؤوليتها عن هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف في الرياض وينبع.

في هذا السياق جاءت حادثة المسيّرة قرب مكة. ففي 16 سبتمبر أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة. وقال تركي المالكي إن المسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي، بينما نفى الحوثيون هذا المعلومة، وقالوا إن عملياتهم تستهدف أهدافاً عسكرية، وبعد ذلك بيومين، تداولت وسائل إعلام يمنية ومنصات التواصل الاجتماعي صوراً ومقطع فيديو يظهر مجسماً يحاكي الكعبة المشرفة في مدينة ذمار، بينما ظهر أشخاص يطوفون حوله ويؤدون الصلاة أمامه. وأثارت المشاهد نقاشاً واسعاً وانتقادات في وسائل إعلام ومنصات يمنية.

ولا تبدو فكرة إقامة مجسم يحاكي الكعبة خارج مكة سابقة في المنطقة، لكن تاريخ ظهور هذه المجسمات وسياق استخدامها يستحقان التوقف عندهما. ففي كربلاء بالعراق في فبراير 2021 ظهر مجسم كبير يحاكي الكعبة في محيط العتبة الحسينية، وأظهرت مقاطع متداولة أشخاصاً يطوفون حوله. وأثارت الواقعة جدلاً واسعاً، قبل أن تنفي العتبة الحسينية مسؤوليتها عن وضع المجسم، مبررة ذلك بأنه يعود إلى أحد أصحاب المواكب وأنه بقي لفترة محدودة.

ثم  ظهرت كعبة جديدة في طهران في مايو 2023 من خلال مجسم في صالة آزادي الرياضية، وُِصف حينها بأنه برنامج لتدريب الحجاج الإيرانيين على أداء مناسك الحج قبل توجههم إلى مكة. ووثقت وكالة أسوشيتد برس في 16 مايو 2023 مشاهد لحجاج وهم يطوفون حول المجسم.

أما ذمار في سبتمبر/أيلول 2026، فقد ظهر المجسم في سياق مختلف تماماً من حيث التوقيت؛ إذ جاء تداوله بعد أيام قليلة من إعلان السعودية اعتراض مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي وتم إسقاطها جنوب مكة، في خضم تصعيد عسكري وسياسي واسع بين الحوثيين والسعودية، ويعكس ترتيب التواريخ — كربلاء 2021، ثم طهران 2023، ثم ذمار 2026 — عن تكرار منظم لاستخدام رمز الكعبة خارج مكة، ورغم اختلاف السياقات السياسية والجغرافية إلا ان تتشابه في بيئتها الشيعية الطامحة في منازعة الرياض لمكانتها الدينية.

وتزداد أهمية حالة ذمار لأنها لا تظهر منفصلة عن الخطاب السياسي الذي تلا حادثة المسيّرة. فخلال الفترة نفسها انتقل الحوثيون من نفي استهداف مكة إلى طرح تصور أوسع عن علاقة السعودية بالمدينة والحرمين، وهو ما ظهر بوضوح في خطاب عبدالملك الحوثي في 21 سبتمبر 2026، حينما تناول في خطابه السنوي مكة بصورة مباشرة، فقال إن الجماعة لا تعتبر مكة “إمارة سعودية”، بل معلماً إسلامياً لجميع المسلمين، وطرح نفسه وجماعته باعتبارهم أكثر وفاءً للمقدسات وأحق بحمايتها، وفق النصوص والتسجيلات التي نقلت مضمون الخطاب.

وهذه الصياغة تتجاوز مجرد نفي استهداف مكة؛ لأنها تنقل النقاش إلى سؤال آخر يتعلق بالعلاقة بين السيادة السياسية والمكانة الدينية للمكان. فحين تُنزع عن السعودية صفة السيادة السياسية في الخطاب، ويُطرح في المقابل أن طرفاً آخر هو الأوفى بمكة والكعبة والأولى بنصرتهما، فإن مكة تصبح جزءاً من خطاب الشرعية السياسية والأيديولوجية، وليس مجرد مكان جغرافي أو موضوع دفاع عسكري.

ومن هنا تظهر أهمية المقارنة مع الخطاب الإيراني الثوري حول الحج. فبعد الثورة الإيرانية عام 1979، حينها لم تنظر القيادة الإيرانية إلى الحج باعتباره شعيرة منفصلة تماماً عن السياسة، وفي كتاباته حول الحكومة الإسلامية، اعتبر آية الله الخميني أن تجمع المسلمين في الحج يمكن استخدامه للتعليم الديني وتبادل الرؤى وحل القضايا السياسية والاجتماعية، وربطه بما سماه تطوير “الحركة الأيديولوجية والسياسية للإسلام”.

كما تحولت مراسم “البراءة من المشركين” التي نظمتها البعثات الإيرانية خلال الحج إلى إحدى أدوات الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية، وهو ما وصفه باحثون بأنه أحد أبرز ميادين التنافس بين الرؤية السعودية لإدارة الحج والرؤية الإيرانية الثورية لوظيفته السياسية.

وعليه، فإن التشابه بين الخطابين الحوثي والإيراني، يفسر وجود لغة سياسية مشتركة حول الحج والمقدسات والشرعية ومن يملك حق تمثيل الإسلام السياسي، وهي لغة تصبح أكثر وضوحاً عندما تُقرأ إلى جانب خطاب الحوثيين عن مكة والسعودية.

تاريخ تسييس الحج والصراع الإيراني ـ السعودي

لم تكن مسألة الحج بعيدة عن التنافس السياسي بين إيران والسعودية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. فقد تبنت طهران خلال العقود التالية خطاباً يربط الحج بالنزاعات والخلافات السياسية في العالم الإسلامي، بينما تمسكت السعودية بقرار النأي بالحج ومناسكه عن أي مؤثرات أو خلافات طائفية أو سياسية، وبإدارة الحج والحرمين بوصفها مسؤولية الدولة التي تستضيفهما، وبضرورة الحفاظ على أمن الشعائر ومنع تحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات.

ومن أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ التوتر الإيراني ـ السعودي ما يتعلق بضبط متفجرات في أمتعة حجاج إيرانيين عام 1986. وكانت السلطات السعودية قد أعلنت في ذلك الوقت ضبط متفجرات مرتبطة بحجاج إيرانيين. وفي عام 2018 ظهرت رواية أكثر تفصيلاً من داخل إيران، عندما تحدث حجت الإسلام أحمد منتظري ، نجل المرجع الإيراني الراحل حسين علي منتظري الذي كان نائبًا للخميني، عن معلومات قال إن والده سجلها في رسالة إلى آية الله الخميني.

وبحسب ما نقله منتظري، فإن ستة من عناصر الحرس الثوري أخفوا متفجرات في أمتعة ما يصل إلى نحو مئة حاج إيراني من دون علم أصحابها، وأن السلطات السعودية اكتشفتها قبل استخدامها. وقال منتظري، في حديث نقلته “راديو فردا” في أكتوبر 2018، إن المتفجرات اكتشفتها السلطات السعودية قبل استخدامها، مستندًا في روايته إلى ما أورده والده في مذكراته ورسالة بعث بها إلى الخميني، واضاف منتظري أن مهدي كروبي، الذي كان ممثل الخميني في شؤون الحج آنذاك، اعتذر للملك فهد.

وبعد عام واحد، وقعت مواجهات دامية في مكة خلال موسم حج 1987 بين متظاهرين إيرانيين وقوات الأمن السعودية. ووفق الأرقام السعودية التي نقلتها وسائل إعلام غربية في ذلك الوقت، بلغ عدد القتلى 402 شخصاً، بينهم 275 إيرانياً و85 من قوات الأمن السعودية و42 من جنسيات أخرى، إضافة إلى مئات المصابين. وفي المقابل، اتهمت إيران القوات السعودية باستخدام القوة المفرطة، بينما قالت الرياض إن المواجهات اندلعت بعد مسيرة سياسية إيرانية كان يديرها الحرس الثوري تحولت إلى اشتباكات.

لكن أهمية أحداث 1987 لا تقتصر على عدد الضحايا؛ فقد تحولت إلى أزمة سياسية حول من يملك حق تحديد طبيعة الحج ووظيفته. فالتظاهرات الإيرانية كانت تحمل شعارات سياسية مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، بينما كانت السعودية ترى أن المظاهرات والمسيرات السياسية ليس لها مجالا في الحج ولا مكان لها في المشاعر المقدسة، وليست من أركان الحج المعروفة في مختلف المذاهب الاسلامية،  ووثق تقرير معاصر لواشنطن بوست أن الخميني كان يحث الحجاج الإيرانيين على إقامة مسيرات عُرفت باسم “البراءة من المشركين”.

وفي أعقاب المواجهات، تصاعد الخطاب السياسي الإيراني ضد القيادة السعودية، فيما اتهم مسؤولون سعوديون إيران بمحاولة تقويض قدرة المملكة على إدارة المقدسات. ووثقت واشنطن بوست في أغسطس 1987 تصريحات سعودية اتهمت إيران بالسعي إلى إظهار السعودية غير قادرة على حماية الحرمين، بينما دعت قيادات إيرانية إلى تغيير وضع المقدسات وإخراجها من سيطرة آل سعود. وهذه كانت مواقف أطراف الصراع آنذاك.

وتكشف وقائع 1986 و1987، إلى جانب الخطاب الإيراني في العقود اللاحقة، أن الحج ومكة دخلا في مراحل مختلفة ضمن التوتر السياسي والأمني بين إيران والسعودية. ولا يعني ذلك أن كل حادثة لاحقة هي امتداد مباشر لتلك الأحداث، لكن استحضار هذا التاريخ يساعد على فهم لماذا تحمل أي حادثة أمنية مرتبطة بمكة أو موسم الحج حساسية استثنائية في العلاقة بين البلدين.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الخطاب الحوثي في سبتمبر 2026 بحذر. فالقول إن مكة ليست “إمارة سعودية” وإن الجماعة هي الأوفى بها والأولى بنصرتها لا يثبت أن الحوثيين يتبنون برنامجاً مطابقاً للبرنامج الإيراني، لكنه يضع مكة داخل خطاب سياسي عن الشرعية والاحتلال والحماية، وهي مفردات تتقاطع مع جزء من الخطاب الثوري الإيراني حول الحرمين والحج.

ويزداد هذا التقاطع وضوحاً عندما تتحول القضية من الدفاع عن مكة إلى نزع الشرعية عن إدارة السعودية للحرمين. ففي خطاب الحوثيين، لا تقتصر المسألة على القول إن السعودية أخطأت في إدارة الحج أو تعاملت بصورة غير مناسبة مع حادثة معينة، وإنما يجري تقديم السيادة السعودية نفسها بوصفها موضع اعتراض، مع تقديم الجماعة بوصفها طرفاً أكثر التزاماً بالدفاع عن المقدسات. وهذا انتقال من نقد السياسات السعودية إلى منازعتها في حق تمثيل وإدارة المقدسات.

الدولة اليمن
ابراهيم الهطلاني

ابراهيم الهطلاني

كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

التعليقات