في صيف 2026، تبدو الكويت أمام معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل عامين. فمن جهة، تواجه البلاد تداعيات مباشرة للصراع الإقليمي والهجمات الإيرانية التي طالت أراضيها ومنشآتها، ومن جهة أخرى تواصل القيادة الكويتية إعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي بعد حل مجلس الأمة وتعليق بعض مواد الدستور عام 2024.
وتقدم صحيفتا Le Monde الفرنسية وThe Guardian البريطانية، رغم اختلاف زاوية تناولهما، صورتين متكاملتين للكويت الحالية: الأولى تركز على التحولات الداخلية وسحب الجنسية وتزايد مركزية السلطة، بينما تتابع الثانية الضغوط الأمنية التي جعلت الكويت طرفًا متأثرًا بصورة مباشرة بالحرب الإقليمية.
سحب الجنسية.. إعادة تعريف للمواطنة
في 8 يناير 2026، نشرت Le Monde تحقيقًا موسعًا بعنوان «في الكويت، المتجنسون في مرمى السلطة»، تناول حملة سحب الجنسية من أعداد كبيرة من المواطنين الذين حصلوا عليها بالتجنس.
وبحسب الصحيفة، أعلن وزير الداخلية الكويتي في أغسطس 2025 أن قرابة 50 ألف كويتي متجنس فقدوا الجنسية، بدعوى أن وثائق تجنيسهم حصل عليها بطرق غير قانونية. كما أشارت إلى أن تقديرات أخرى تضع العدد المحتمل عند مستويات أعلى بكثير، مع توقف السلطات عن نشر أرقام رسمية منذ سبتمبر 2025.
وتكتسب القضية أهميتها من ارتباط الجنسية في الكويت بنظام واسع من الحقوق والمزايا الاجتماعية. لذلك فإن سحبها لا يمثل مجرد إجراء قانوني، بل يغيّر بصورة مباشرة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للأشخاص المعنيين.
وتطرح Le Monde قراءة أكثر اتساعًا لهذه السياسة، معتبرة أن سحب الجنسية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل «الجسم الانتخابي» والمجتمع المواطن، بالتوازي مع تقليل أعداد المستفيدين من دولة الرفاه. وهذه قراءة تحليلية للصحيفة وليست توصيفًا رسميًا كويتيًا للسياسة.
من البرلمان إلى السلطة التنفيذية
لا يمكن فصل ملف الجنسية عن التحول السياسي الذي بدأ بصورة أوضح منذ وصول الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح إلى الحكم.
ففي مايو 2024، حل أمير الكويت مجلس الأمة وعلّق عددًا من مواد الدستور لمدة تصل إلى أربع سنوات، في خطوة شكلت واحدة من أكبر التحولات السياسية في تاريخ الكويت الحديث.
وكان البرلمان الكويتي يمثل استثناءً نسبيًا داخل الخليج؛ إذ يمتلك صلاحيات رقابية وتشريعية واسعة، ويمكن للنواب مساءلة الوزراء والتسبب في أزمات حكومية متكررة.
لكن هذه الصيغة دخلت منذ سنوات في حالة من الجمود والصدام المتكرر بين الحكومة والبرلمان، وهو ما استخدمته السلطة مبررًا لإعادة ترتيب النظام السياسي.
وتشير Le Monde إلى أن قرار حل البرلمان وجه ضربة قوية إلى النموذج الملكي شبه الديمقراطي الذي تميزت به الكويت عن معظم دول الخليج.
ومن هذه الزاوية، فإن القضية لا تتعلق فقط بمجلس تم حله، وإنما بالسؤال الأكبر: هل تتجه الكويت إلى نموذج سياسي أكثر مركزية ودور أكبر للسلطة التنفيذية؟
الكويت في مواجهة إيران
أما القراءة البريطانية، فتضيف عاملًا لا يقل أهمية: البيئة الأمنية الإقليمية.
فبحسب تغطية The Guardian خلال صيف 2026، تعرضت الكويت لهجمات إيرانية ضمن موجات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في الخليج. وشملت التقارير استهداف مواقع ومنشآت داخل الكويت، في وقت تستضيف فيه البلاد وجودًا عسكريًا أميركيًا مهمًا.
وفي 13 يوليو، نقلت The Guardian أن الجيش الكويتي أعلن اشتباكه مع أهداف جوية معادية في المجال الجوي للكويت، بينما قالت إيران إنها استهدفت قواعد أميركية في البلاد.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة كبيرة في السياسة الكويتية.
فالكويت بنت جزءًا مهمًا من سياستها الخارجية على الاعتدال والوساطة والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية. إلا أن موقعها الجغرافي، وقربها من إيران، وعلاقاتها الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة، تجعلها عرضة لتداعيات أي مواجهة بين واشنطن وطهران.
الأمن قد يعزز مركزية الحكم
في مثل هذه الظروف، يصبح من الطبيعي أن تميل الدولة إلى مركزية أكبر في صناعة القرار.
فالأزمات العسكرية لا تمنح الحكومات عادة الوقت الكافي للخلافات البرلمانية الطويلة أو المساومات السياسية المعقدة. وهذا قد يمنح القيادة الكويتية مبررًا إضافيًا للحفاظ على نموذج أكثر تركيزًا للسلطة، خصوصًا في ظل استمرار التوترات الأمنية.
لكن هذه المعادلة تحمل في الوقت نفسه مخاطرة سياسية.
فالكويت ليست مجرد دولة خليجية تعتمد على النفط؛ بل تمتلك تقليدًا سياسيًا واجتماعيًا أكثر انفتاحًا من كثير من دول المنطقة. وقد كان البرلمان، رغم أزماته المتكررة، قناة أساسية للتعبير عن مصالح القبائل والعائلات التجارية والإسلاميين والليبراليين والشيعة وغيرهم.
وهذا ما يجعل مستقبل العلاقة بين الحكم والمجتمع أكثر أهمية من مجرد مسألة عودة البرلمان أو عدم عودته.
آل صباح أمام اختبار مختلف
بالنسبة إلى أسرة آل صباح، لا يبدو التحدي الحالي مقتصرًا على مواجهة إيران أو إدارة الاقتصاد.
التحدي الأعمق يتمثل في إعادة صياغة العقد السياسي والاجتماعي داخل الكويت.
فإذا كانت المرحلة السابقة قد قامت على معادلة تجمع بين سلطة الأمير وبرلمان قوي ودولة رفاه واسعة، فإن المرحلة الجديدة تبدو أكثر ميلًا إلى تعزيز السلطة التنفيذية، مع إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن.
لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرة القيادة على الحفاظ على ثقة المجتمع.
فالاستقرار في الكويت لم يكن قائمًا على القوة السياسية للأسرة الحاكمة وحدها، بل أيضًا على قدرة النظام على استيعاب الاختلافات داخل المجتمع وفتح قنوات للتعبير والمشاركة.
ومن هنا فإن استمرار مركزية القرار دون إعادة بناء قنوات سياسية فعالة قد يؤدي، على المدى الطويل، إلى تراكم الاحتقان بدل إنهاء أسباب الأزمة.
ما بعد الحرب.. السؤال الأصعب
قد تكون الحرب الحالية عاملًا مؤقتًا، لكن آثارها السياسية يمكن أن تستمر لسنوات.
فإذا انتهت الأزمة الإقليمية وعادت الأوضاع الأمنية إلى طبيعتها، ستواجه القيادة الكويتية سؤالًا لا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية: هل يعود البرلمان بصلاحياته السابقة، أم تُبنى صيغة سياسية جديدة؟
وهناك سؤال آخر أكثر حساسية يتعلق بملف الجنسية: هل تنتهي عملية سحب الجنسيات بعد معالجة حالات التزوير والمخالفات، أم تصبح جزءًا دائمًا من إعادة تعريف المواطنة الكويتية؟
هاتان المسألتان ستحددان بدرجة كبيرة شكل الكويت في السنوات المقبلة.
بين نموذجين
تكشف القراءتان الفرنسية والبريطانية عن بلد يقف بين نموذجين.
الأول هو الكويت التي عرفها الخليج لعقود: أمير قوي، وبرلمان منتخب، وهوامش واسعة نسبيًا للنقاش السياسي، ودولة رفاه قادرة على تمويل هذا التوازن.
والثاني هو الكويت التي تتشكل حاليًا: سلطة تنفيذية أكثر مركزية، وبرلمان معلق، وإعادة تنظيم لملف الجنسية، وضغوط أمنية إقليمية متزايدة.
ولا يعني ذلك أن الكويت تتجه بالضرورة إلى نموذج سلطوي مغلق، كما لا يعني أن النظام السابق سيعود كما كان.
لكن المؤكد أن معادلة الحكم في الكويت دخلت مرحلة إعادة تشكيل.
وبالنسبة إلى آل صباح، فإن التحدي الحقيقي لن يكون فقط في الحفاظ على السيطرة على مؤسسات الدولة، وإنما في تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن، ومتطلبات الإصلاح، والخصوصية السياسية للمجتمع الكويتي.
فالكويت استطاعت تاريخيًا أن تكون مختلفة عن محيطها الخليجي دون أن تفقد استقرارها. والسؤال الآن هو ما إذا كانت تستطيع الحفاظ على هذه الخصوصية في ظل بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا، وفي وقت أصبحت فيه السلطة أكثر مركزية من أي وقت مضى.
المصادر: Le Monde الفرنسية، The Guardian البريطانية.