لم تعد عُمان في صيف 2026 مجرد الدولة الخليجية الهادئة التي تفضل البقاء بعيدًا عن صخب المنطقة. فمسقط التي بنت خلال عقود سمعتها باعتبارها قناة خلفية للحوار بين الخصوم، وجدت نفسها هذه المرة في قلب صراع دولي يختبر حدود استقلال قرارها السياسي.
وفي أحدث قراءة أمريكية بارزة، تناولت وول ستريت جورنال موقف إدارة دونالد ترامب من عُمان باعتباره اختبارًا لسياسة الحياد التي اتبعتها مسقط لسنوات. الصحيفة أشارت إلى أن واشنطن باتت تضغط على السلطنة كي تختار جانبًا في المواجهة مع إيران، بعدما كانت السياسة العُمانية نفسها موضع تقدير أمريكي عندما كانت توفر قنوات اتصال بين واشنطن وطهران.
وفي المقابل، جاءت قراءة إل باييس الإسبانية، المنشورة في 23 أغسطس 2026، من زاوية مختلفة. فقد ركزت على عُمان بوصفها «وسيطًا هادئًا» في الشرق الأوسط، وعلى التهديدات التي تواجه هذا الدور نتيجة تصاعد الاستقطاب الإقليمي والضغط الأمريكي على مسقط.
وبين القراءتين تظهر قضية أكبر من الوساطة الخارجية: ما طبيعة الحكم الذي بناه السلطان هيثم خلال السنوات الست الماضية؟
هل هو استمرار لنموذج السلطان قابوس، أم إعادة صياغة له، وهل أدى تركيز القرار في يد السلطان إلى تقوية الدولة في مواجهة الأزمات، أم أنه حدّ من قدرة المؤسسات السياسية على التطور؟
* الصحافة الأمريكية ترى عُمان من بوابة القوة والاستراتيجية
تكشف المادة الحديثة في وول ستريت جورنال أن عُمان أصبحت في نظر واشنطن مشكلة استراتيجية أكثر من كونها مجرد دولة حليفة.
فقد كانت مسقط طوال عقود قادرة على الاحتفاظ بعلاقات مفتوحة مع أطراف متعارضة، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران. وهذه السياسة خدمت واشنطن في مراحل مختلفة لأنها سمحت بوجود قناة غير مباشرة للحوار عندما كانت العلاقات الأمريكية الإيرانية في أدنى مستوياتها.
لكن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية في 2026 غيّرت الحسابات.
بحسب الصحيفة، بدأت إدارة ترامب تنظر إلى استمرار عُمان في التواصل مع طهران بوصفه عاملًا قد يتعارض مع المصالح الأمريكية، فيما أصرت مسقط على أن الحياد ليس انحيازًا لإيران، وإنما وسيلة للحفاظ على إمكانية التفاوض وخفض التصعيد.
وهنا تكمن المفارقة.
السياسة التي صنعت قيمة عُمان لدى واشنطن أصبحت نفسها مصدر توتر مع واشنطن.
ففي السابق كانت قدرة السلطنة على الحديث مع الجميع ميزة استراتيجية. أما في ظل الاستقطاب الحاد الذي شهده 2026، فقد أصبحت واشنطن أكثر ميلًا إلى مطالبة حلفائها بتحديد مواقعهم.
وهذا يضع السلطان هيثم أمام معادلة صعبة: المحافظة على استقلال السياسة الخارجية من جهة، وعدم خسارة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة من جهة أخرى.
* إل باييس ترى عُمان من زاوية مختلفة
تختلف القراءة الإسبانية عن الأمريكية في نقطة جوهرية، فبينما تركز وول ستريت جورنال على سؤال: هل ستقف عُمان مع واشنطن أم تستمر في الحياد؟، تنطلق إل باييس من سؤال آخر: هل تستطيع عُمان الاستمرار في أداء دور الوسيط في منطقة أصبحت أكثر استقطابًا؟
في تقريرها المنشور في 23 أغسطس، تستعيد الصحيفة التاريخ الطويل للوساطة العُمانية، وتربط بين سياسة السلطان قابوس وبين استمرارها في عهد السلطان هيثم. كما تشير إلى أن مسقط حافظت على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة، وهو ما منحها موقعًا خاصًا في الأزمات الإقليمية.
هذه الرؤية الأوروبية تقدم هيثم ليس باعتباره مجرد حاكم لدولة خليجية، وإنما باعتباره وريثًا لمؤسسة سياسية ودبلوماسية بنيت على مدى نصف قرن، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا ضمنيًا:
هل يستطيع هيثم الحفاظ على إرث قابوس من دون أن يبقى أسيرًا له؟
* من قابوس إلى هيثم.. استمرار أم تغيير؟
كان السلطان قابوس يمارس الحكم بصورة شخصية شديدة المركزية، لكنه في الوقت نفسه نجح في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وربط شرعية النظام بمشروع تحديث واسع، وعندما تولى السلطان هيثم السلطة في يناير 2020، كان التحدي مختلفًا، لم يرث دولة في مرحلة التأسيس، وإنما دولة تحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادية وإدارية وسياسية.
ولهذا اتجه هيثم إلى إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وإعادة توزيع بعض الصلاحيات، وتطوير منظومة الخلافة، وربط الإدارة الحكومية بأهداف رؤية عُمان 2040، وقد كان أحد أهم التغييرات إصدار النظام الأساسي الجديد في 2021، الذي نظم للمرة الأولى بصورة واضحة مسألة ولاية العهد، وحدد تسلسلًا للخلافة، إلى جانب إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة، وكان هذا التحول مهمًا لأن السلطان قابوس لم يكن لديه ابن أو ولي عهد معلن، الأمر الذي جعل مسألة الخلافة مصدرًا دائمًا للتكهنات.
أما هيثم فقد حسم المسألة مبكرًا بتعيين ابنه الأكبر ذي يزن وليًا للعهد عمليًا وفق النظام الجديد. وكانت الصحافة الإسبانية قد رصدت هذا التحول باعتباره تغييرًا تاريخيًا في بنية الخلافة العُمانية.
* إعادة تشكيل الحكم من الداخل
إذا كانت الصحافة الأمريكية تنظر إلى هيثم من الخارج، فإن التحليل السياسي الداخلي يقدم صورة مختلفة.
تقرير Bertelsmann Transformation Index 2026 يقول إن السلطان هيثم عزز منذ وصوله إلى السلطة نفوذ أسرة آل سعيد السياسي، مع تزايد القيود على الأصوات المعارضة واعتقال أشخاص شاركوا في احتجاجات مرتبطة بالفساد والمطالب الإصلاحية خلال 2023 و2024.
وهذه نقطة لا تظهر بوضوح في التغطية الصحفية التي تركز على الوساطة الخارجية، فالسلطان هيثم لم يكتف بإدارة السياسة الخارجية، بل أعاد ترتيب بنية الدولة نفسها، ومن أبرز سمات هذه المرحلة:
- تعزيز مركزية القرار التنفيذي.
- إعادة تنظيم الجهاز الحكومي.
- تقليص الهدر والإنفاق العام.
- إعطاء الاقتصاد والاستثمار أولوية أكبر.
- تنظيم مسألة ولاية العهد.
- تطوير المؤسسات المرتبطة برؤية عُمان 2040.
- الإبقاء على دور السلطان باعتباره مركز القرار الأعلى.
ويصف الموقع الرسمي لوزارة الإعلام العُمانية السلطان بأنه رأس الدولة وصاحب السلطة العليا والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبذلك، فإن التغيير في عهد هيثم لا يعني الانتقال من الحكم السلطاني إلى نموذج برلماني، وإنما إعادة بناء الحكم السلطاني بصورة أكثر مؤسسية وتنظيمًا.
* هل أصبح هيثم أقل مركزية من قابوس؟
هذه إحدى أكثر النقاط إثارة للاهتمام.
هناك قراءة أمريكية تحليلية ترى أن هيثم حاول أن يجعل الدولة أقل اعتمادًا على شخصية السلطان وحدها.
فدراسة حديثة لمعهد بيكر تصف المرحلة بأنها إعادة هيكلة اقتصادية وسياسية، وتشير إلى أن هيثم «خفض مركزية دور السلطان» على المستويين الإداري والرمزي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السياسة الخارجية المستقلة ودور عُمان كوسيط.
لكن تقرير BTI يقدم صورة أكثر تحفظًا، إذ يرى أن هيثم عزز سلطة الأسرة الحاكمة وأن مساحة المعارضة أصبحت أكثر محدودية.
ولا يوجد بالضرورة تناقض بين الرؤيتين.
فقد يكون هيثم بالفعل أكثر مؤسسية إداريًا من قابوس، وفي الوقت نفسه أكثر حرصًا على إحكام السيطرة السياسية.
وهذه ربما هي السمة الأكثر وضوحًا للحكم الجديد.
* المؤسسات موجودة.. لكن القرار النهائي يبقى سلطانيًا
عُمان ليست دولة بلا مؤسسات.
لديها مجلس شورى منتخب، ومجلس دولة، ومجلس وزراء، ووزارات وهيئات تنظيمية، ونظام أساسي للدولة.
لكن هذه المؤسسات تعمل داخل نظام سياسي يظل فيه السلطان مركز السلطة العليا.
وهذا يميز عُمان عن الجمهوريات العربية من جهة، وعن الملكيات الخليجية ذات البرلمانات الأكثر نشاطًا من جهة أخرى.
فالسلطان ليس مجرد رأس دولة رمزي؛ بل يجمع موقع رئيس الدولة مع الدور التنفيذي الأعلى.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد مؤسسات؟
بل إلى أي مدى تستطيع هذه المؤسسات اتخاذ قرارات مستقلة عن إرادة السلطان؟
وهنا تظهر حدود المقارنة مع الأنظمة البرلمانية الغربية.
* الصحافة الأمريكية والأوروبية.. اختلاف في تعريف النجاح
إذا قارنا المقالة الأمريكية الحديثة بمقالة إل باييس الأوروبية، سنجد أن كلاً منهما يقيس نجاح عُمان بمعيار مختلف.
في القراءة الأمريكية:
نجاح عُمان يعني: هل تستطيع مسقط الحفاظ على استقرارها والتحالف مع واشنطن، من دون أن تتحول سياستها تجاه إيران إلى مشكلة استراتيجية؟
ومن هذه الزاوية، يصبح السلطان هيثم قائدًا لدولة صغيرة ذات أهمية تفوق حجمها بسبب موقعها الجغرافي وسياساتها الدبلوماسية.
في القراءة الأوروبية:
نجاح عُمان يعني: هل تستطيع السلطنة الحفاظ على دورها كوسيط مستقل في منطقة تتجه نحو الاستقطاب؟
ومن هذه الزاوية، يصبح هيثم وريثًا لمدرسة دبلوماسية أكثر من كونه مجرد حاكم خليجي.
وهذا الاختلاف مهم للغاية، فالأمريكي يهتم بدرجة أكبر بموقع عُمان في النظام الأمني الإقليمي.
أما الأوروبي فيولي اهتمامًا أكبر بقدرة عُمان على الحفاظ على استقلالها الدبلوماسي.
* الحرب مع إيران وضعت النموذج العُماني أمام الاختبار
كانت الوساطة العُمانية تعمل في بيئة تسمح لمسقط بالجلوس مع الجميع.
لكن عام 2026 خلق بيئة مختلفة.
فالولايات المتحدة وإيران أصبحتا في مواجهة مباشرة، وأصبحت مسألة مضيق هرمز جزءًا من الصراع.
وتناولت الغارديان في يونيو 2026 الضغوط الأمريكية على عُمان لفك ارتباطها بإيران، مشيرة إلى أن مسقط تمسكت باستمرار الحوار مع طهران وبموقفها من حرية الملاحة في المضيق.
وهنا يصبح موقف السلطان هيثم اختبارًا لنموذج الحكم نفسه.
فالدولة التي تعتمد على مركزية القرار تستطيع اتخاذ موقف دبلوماسي سريع وواضح.
لكن المركزية نفسها تجعل نجاح السياسة الخارجية مرتبطًا بدرجة كبيرة برؤية القيادة العليا.
وبعبارة أخرى:
قوة النظام العُماني في الأزمات قد تكون في مركزية قراره، لكن نقطة ضعفه المحتملة هي اعتماد هذه السياسة على استمرار قدرة القيادة على تحقيق التوازن بين القوى الكبرى.
* الاقتصاد هو الوجه الآخر للحكم
لا يمكن فهم حكم هيثم من دون الاقتصاد، ففي عهد قابوس، كان النفط والإنفاق الحكومي عنصرين أساسيين في بناء الدولة.
أما هيثم فقد وصل إلى الحكم في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى إصلاح المالية العامة وتنويع الاقتصاد أكثر إلحاحًا، ولهذا تحولت رؤية عُمان 2040 إلى محور أساسي في إدارة الدولة، وتشير تحليلات حديثة إلى أن هيثم ركز على تقليص الإنفاق، وزيادة الإيرادات، وتشجيع الاستثمار وتنويع الاقتصاد، مع محاولة تحويل الإدارة الحكومية إلى جهاز أكثر كفاءة، وهنا يختلف نموذج هيثم عن نموذج قابوس.
قابوس كان يبني الدولة، أما هيثم فيحاول إعادة هندسة الدولة التي بناها قابوس، وهذا فرق جوهري.
تقدم المقارنة بين الصحافة الأمريكية والأوروبية صورة أكثر تعقيدًا من الرواية التقليدية التي تختصر عُمان في «بلد الوساطة والحياد».
فالسلطان هيثم خلال ست سنوات لم يكن مجرد حارس لإرث قابوس.
لقد أعاد ترتيب مؤسسات الدولة، وحسم مسألة الخلافة، وأعاد تنظيم الجهاز الحكومي، ووضع الاقتصاد في قلب مشروعه، وحافظ في الوقت نفسه على السياسة الخارجية المستقلة.
لكن هذا التحديث لم يتحول إلى تنظيم ديمقراطي واسع، وهنا تكمن طبيعة النموذج العُماني في عهد هيثم:
تحديث من أعلى، وإصلاح اقتصادي من أعلى، وإعادة تنظيم للمؤسسات من أعلى، مع استمرار مركزية القرار السلطاني.
أما الصحافة الأمريكية فترى في هذا النموذج دولة صغيرة ذات أهمية استراتيجية تحتاج إلى الحفاظ على توازنها مع واشنطن.
والصحافة الأوروبية ترى فيه آخر نماذج الوساطة المستقلة في الشرق الأوسط، وتخشى أن يؤدي الاستقطاب الإقليمي إلى تقويض هذا الدور.
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل عُمان:
هل يستطيع هيثم تحويل الدولة التي بناها قابوس إلى دولة مؤسسات أكثر قوة، من دون أن تصبح مركزية السلطة عائقًا أمام تطور المشاركة السياسية؟