عندما أُطلق مشروع المدينة الزرقاء – Al Madina A’Zarqa (Blue City) في عُمان عام 2005، لم يكن مجرد مشروع لبناء منتجع سياحي جديد على الساحل، بل طُرح بوصفه مشروعًا عمرانيًا واقتصاديًا قادرًا على إعادة رسم جزء من الخريطة السياحية والعقارية للسلطنة كلها. ففي منطقة السوادي، شمال غرب مسقط، كان المخطط أن تنشأ مدينة ساحلية متكاملة تجمع بين السياحة والإسكان والخدمات والترفيه، وتستقطب استثمارات محلية وأجنبية، وتخلق نشاطًا اقتصاديًا طويل الأجل يتجاوز نموذج المنتجعات التقليدية.
كان حجم الطموح لافتًا منذ البداية. فقد تحدثت الخطط عن تطوير مساحة تقارب 32 كيلومترًا مربعًا على مراحل تمتد لنحو 20 عامًا، مع تصور نهائي لمدينة قادرة على استيعاب نحو 200 ألف نسمة، إضافة إلى الفنادق والوحدات السكنية والمرافق التجارية والمدارس والمنشآت الترفيهية والخدمات المرتبطة بها. وبذلك لم يكن الرهان مقتصرًا على بيع وحدات عقارية أو استقطاب السياح، وإنما على إنشاء منظومة عمرانية كاملة يُفترض أن تتحول تدريجيًا إلى أحد مراكز النمو الجديدة خارج العاصمة.
وجاء المشروع في مرحلة كانت فيها عُمان تسعى إلى توسيع قاعدة اقتصادها وتقليل الاعتماد على عائدات النفط، مع تنامي الرهان على السياحة والعقار والاستثمار الأجنبي بوصفها قطاعات يمكن أن تسهم في تنويع مصادر الدخل. ومن هذه الزاوية، اكتسبت المدينة الزرقاء أهمية تتجاوز حدود الشركة المطورة أو المستثمرين المشاركين فيها؛ فقد أصبحت جزءًا من قصة أوسع عن قدرة السلطنة على جذب رؤوس الأموال الدولية وتحويل مشاريع التطوير العقاري الكبرى إلى محركات للنمو الاقتصادي.
لكن المشاريع العملاقة لا تُقاس فقط بحجم المخططات التي تُعلن عند إطلاقها، وإنما بقدرتها على الانتقال من مرحلة الوعود والتصورات الهندسية إلى التنفيذ والتمويل والبيع والتسليم. وهنا بدأت قصة المدينة الزرقاء تتخذ مسارًا مختلفًا عن الصورة التي رُسمت لها في البداية.
فمع مرور السنوات، اصطدمت الرؤية الطموحة بمجموعة متشابكة من المشكلات لم يكن من السهل فصل أحدها عن الآخر. فقد برز نزاع حول ملكية الأرض والحقوق المرتبطة بها، في وقت اعتمد فيه المشروع على هيكل تمويلي يقوم بدرجة كبيرة على الاقتراض والتمويل المرتبط بالتطوير العقاري. وفي المقابل، لم تحقق المبيعات العقارية المستوى الذي كان يحتاج إليه المشروع لتوليد التدفقات النقدية الكافية لمواصلة التوسع وسداد الالتزامات.
ثم جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 وما رافقها من تراجع حاد في أسواق العقار لتكشف هشاشة نموذج المشروع، الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار الطلب على وحدات عقارية مرتفعة القيمة وعلى قدرة المطور على تنفيذ مراحل متتالية من التطوير وفق جداول زمنية متقاربة. ومع تراجع الطلب وتباطؤ المبيعات وتعثر التنفيذ، بدأت الفجوة بين الطموحات المعلنة والتدفقات النقدية الفعلية في الاتساع، ولم يعد التعثر مجرد تأخير في مشروع عقاري ضخم، بل تحول تدريجيًا إلى أزمة مالية وقانونية متعددة الأطراف، تشابكت فيها مصالح المساهمين والدائنين وحملة السندات والمطورين، وكان من بين أبرز المساهمين في الطرف العُماني للنزاع هيثم بن طارق آل سعيد، الذي كان يشغل حينها منصب وزير التراث والثقافة، قبل أن يصبح سلطان عُمان في يناير 2020.
وتكتسب هذه الملكية أهمية خاصة في فهم تطورات القضية، ليس لأنها تثبت بحد ذاتها أي تدخل رسمي أو حكومي في النزاع، وإنما لأنها تضع شخصية أصبحت لاحقًا رأس الدولة العُمانية في موقع المساهم الخاص في إحدى الشركات المتنازعة على السيطرة على المشروع. ولذلك فإن تتبع مصير حصة Cyclone، وما إذا كانت حصة هيثم فيها قد بقيت قائمة عند إعادة هيكلة المشروع لاحقًا، وما آل إليه استثمار بقية المساهمين، يمثل جزءًا أساسيًا من فهم الجانب المالي والقانوني للقضية
ومن هنا تبدأ القضية الأكثر أهمية في قصة المدينة الزرقاء: كيف انتقل مشروع قُدّم في بدايته كأحد رموز التحول الاقتصادي والعمراني في عُمان إلى نزاع طويل الأمد تشابكت فيه مصالح المطورين والممولين والمساهمين والجهات الحكومية والمشترين؟ وهل كان التعثر نتيجة ظروف السوق وحدها، أم أن نموذج المشروع نفسه حمل منذ البداية مخاطر مالية وقانونية لم تكن واضحة بالقدر الكافي؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند النظر إلى حجم الأموال التي ارتبطت بالمشروع، وطول فترة التطوير، وتعدد الأطراف التي دخلت في هيكله الاستثماري والتمويلي. فكلما اتسع المشروع، أصبحت تكلفة التعثر أكبر، ولم يعد بالإمكان التعامل معه باعتباره مشروعًا عقاريًا خاصًا بمعزل عن البيئة التنظيمية والاقتصادية التي نشأ فيها.
لذلك فإن قصة المدينة الزرقاء ليست فقط قصة مشروع لم يكتمل وفق الصورة التي رُسمت له في عام 2005، وإنما هي أيضًا دراسة لحالة تكشف التحديات التي يمكن أن تواجه مشاريع التطوير العقاري العملاقة عندما تتقاطع الأرض مع التمويل، والوعود الاستثمارية مع واقع السوق، والمصالح الخاصة مع القرارات الحكومية.
والسؤال الذي سيحكم هذا التحقيق ليس فقط: لماذا تعثر مشروع المدينة الزرقاء؟ بل أيضًا: ماذا حدث للأموال التي دخلت المشروع، وللمساهمين الذين راهنوا عليه، وللحقوق المرتبطة بالأرض، ومن تحمّل في النهاية تكلفة الانهيار؟
أول عقدة: من كان يملك المدينة الزرقاء؟
كان هيكل الملكية الأصلي معقدًا. فشركة Al Sawadi Investment & Tourism Company (ASIT) كانت في قلب هيكل المشروع، وكانت مملوكة عبر Ocean Developments، التي ضمت طرفين رئيسيين:
- AAJ Holdings البحرينية، المرتبطة برجل الأعمال أحمد أبوبكر جناحي.
- Cyclone LLC العُمانية.
وتوضح دراسة متخصصة في تمويل المشروع نشرتها IJGlobal عام 2007 أن AAJ Holdings كانت تملك 70%، بينما كانت Cyclone تملك 30% من Ocean Developments. كما تشير المصادر المعاصرة للمشروع أنه كان يحمل منذ وقت مبكر علامات النزاع والفشل بين المساهمين حول السيطرة والملكية.وهذه النقطة مهمة؛ لأن أزمة المدينة الزرقاء لم تبدأ مع الأزمة المالية العالمية في 2008 وحدها. فقد كان نزاع المساهمين قائمًا قبل تفاقم الأزمة العقارية، وأصبح لاحقًا أحد العوامل التي أثرت في قدرة المشروع على اتخاذ القرارات وجذب التمويل والاستثمار.
هيثم بن طارق وCyclone: الحلقة الأكثر حساسية
ففي تقرير نشرته Bloomberg في 25 مايو/أيار 2010 حول اقتراب المشروع من التصفية، ذكرت الوكالة أن Cyclone كانت مملوكة بنسبة 50% لعضو في الأسرة الحاكمة وهو هيثم بن طارق آل سعيد، الذي كان يشغل آنذاك منصب وزير التراث والثقافة ، وذلك استنادًا إلى نشرة السندات الخاصة بالمشروع، فالمصادر المالية كانت تشير إلى أن Cyclone تملك 30% من Ocean Developments، في حين تملك AAJ Holdings الـ70% المتبقية، وكان الخلاف بين AAJ Holdings وCyclone أكثر من مجرد خلاف بين مساهمين حول الإدارة.
ففي مارس 2008، سجلت برقية دبلوماسية أمريكية أن Cyclone، التي كانت تملك 30% من المشروع، حاولت عبر القضاء إزالة سيطرة AAJ على حصتها البالغة 70%. وذكرت البرقية أن محكمة مسقط الابتدائية رفضت في تلك المرحلة طلب Cyclone، والأهم أن البرقية نفسها قالت إن مصادر محلية ومدونين كانوا يربطون Cyclone بعضو بارز في الأسرة الحاكمة العُمانية “هيثم”.
تطور قضائي قلب ميزان الملكية لصالح الوزير هيثم بن طارق
في مايو 2009، ظهرت تقارير عن حكم محكمة الاستئناف في النزاع بين الطرفين. وهناك مصدر غير رسمي ذكر أن الحكم أبقى على اعتبار AAJ مالكة للـ70%، لكنه ألزمها بنقل هذه الحصة إلى Cyclone مقابل 38 مليون دولار، هذه المعلومة مهمة، وفي يوليو 2010 نقلت Bloomberg عن أطراف القضية أن المحكمة العليا العُمانية حكمت بأن Cyclone تملك 70% من Blue City، وأن AAJ وBin Muhanna كانتا تدرسان خياراتهما القانونية.
وهكذا تحولت Cyclone من شركة كانت توصف في هيكل الملكية الأصلي بأنها صاحبة 30% إلى الطرف الذي أصبح، وفق الحكم النهائي الذي نقلته Bloomberg، يملك 70% من المشروع.
السؤال الذي لم يُجب عنه: ماذا حدث لأموال AAJ؟
وهنا تبدأ أهم زاوية مالية في التحقيق، هل استردت AAJ أموالها؟ وإذا كانت قد استردتها، فكم حصلت؟ ومن دفع لها؟
المصادر الصحفية المتاحة توثق النزاع القضائي وانتقال السيطرة، لكنها لا تقدم حتى الآن كشفًا موثوقًا يبين أن AAJ حصلت على تعويض كامل أو جزئي عن القيمة الاقتصادية لحصتها بعد خسارتها للنصيب الأكبر في المشروع.
والأمر أكثر تعقيدًا بسبب الرواية التي ظهرت في 2009 حول مبلغ 38 مليون دولار. أن هذا الرقم ورد في مصدر غير رسمي بوصفه المقابل الذي كان يفترض أن تحصل عليه AAJ مقابل نقل الـ70% إلى Cyclone، لكننا لم نعثر حتى الآن على نسخة منشورة من الحكم تؤكد هذه التفاصيل بصورة مستقلة، ولا ما يثبت استلام AAJ لمبلغ التعويض فعلياً ، المفارقة الكبرى أن الصراع على ملكية المشروع حُسم في الوقت الذي كان فيه المشروع نفسه ينهار ماليًا.
ففي عام 2006 حصل المشروع على تمويل ضخم بلغ نحو 925 مليون دولار من السندات، فيما مُنح تحالف Enka وAktor عقدًا بقيمة تقارب 1.9 مليار دولار لتنفيذ المرحلة الأولى، لكن المبيعات لم تقترب من المستويات التي بُني عليها النموذج المالي.
وبحلول نوفمبر 2009، لم تتجاوز المبيعات نحو 75 مليون دولار مقابل توقعات بلغت 860 مليون دولار، وفق الأرقام التي أوردتها Bloomberg. كما أشار مسؤول سابق عن المبيعات إلى بيع نحو 400 وحدة فقط من أصل 5 آلاف وحدة كانت مطروحة للبيع، وهكذا أصبح المشروع يواجه مشكلة مزدوجة: نزاع على الملكية من جهة، ونموذج تمويلي مثقل بالديون من جهة أخرى.
هل خسر المساهمون أم حملة السندات بتدخل الدولة؟
لأن مشروع المدينة الزرقاء لم يكن ممولاً فقط من أموال المساهمين؛ بل اعتمد بصورة كبيرة على الدين والسندات، فقد تسبب انهيار المشروع في توريط حملة السندات بخطط وحسابات معقدة، ففي عام 2010 اشترت Essdar Investments نحو 655.5 مليون دولار من ديون Blue City بسعر تراوح حول 62–63 سنتًا للدولار، و في مارس 2011، اشترت Onyx Investments، وهي شركة مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمار العُماني، حيازات Essdar من سندات Blue City، بما يمثل 100% من Class A1 و98.8% من Class A3. ولم يُكشف عن سعر الصفقة، وبذلك أصبحت الدولة العُمانية شريكاً رئيسيًا في المشروع من بوابة الديون، وهنا ورطة جديدة، فالمصادر تثبت شراء الدولة العُمانية لمراكز الدائنين، لكنها لا تثبت أنها اشترت حصة AAJ أو حصة هيثم بن طارق في Cyclone.
وفي أبريل 2011، وصفت The National الوضع بوضوح: الحكومة العُمانية أصبحت صاحبة النفوذ الحاسم في المشروع بعدما استحوذ صندوق الاستثمار العُماني على معظم ديونه، لكن الصحيفة أشارت في الوقت نفسه إلى أن سعر الصفقة لم يُعلن، وأن Essdar وصندوق الاستثمار العُماني لم يكشفا عن تفاصيلها المالية، وفي 2012 حاولت Onyx زيادة سيطرتها على المشروع من خلال عرض شراء نحو 143 مليون دولار من السندات بسعر 35 سنتًا للدولار.
وهنا تتضح الصورة، لم تسترد الدولة المشروع عبر شراء أسهم المساهمين الأصليين، بحسب ما تثبته المصادر المنشورة، وإنما بنت نفوذها تدريجيًا عبر السيطرة على الديون والسندات المتعثرة.
من مشروع خاص وضخم إلى مشروع صغير تحت مظلة الدولة
بعد مرحلة النزاع والانهيار المالي، تغيرت طبيعة المشروع تدريجيًا، ففي عام 2011 أصبحت Onyx، التابعة لصندوق الاستثمار العُماني، صاحبة مركز قوي في ديون المشروع. وفي السنوات التالية جرى التعامل مع Blue City باعتبارها مشروعًا يحتاج إلى إعادة هيكلة بدل الاستمرار وفق النموذج الأصلي.
ثم بدأ إحياء المشروع بصيغة جديدة تحت اسم Grand Blue City Development (GBCD).
وفي 2023 أعلنت الجهات المختصة إعادة تحريك المشروع بعد سنوات من التوقف، بينما ذكرت MEED أن المشروع الجديد أصبح أكثر مرحلية، بدل تنفيذ المدينة العملاقة دفعة واحدة، وتتضمن المرحلة الجديدة عددًا أصغر بكثير من مكونات المخطط الأصلي، من بينها 100 فيلا فاخرة، و202 فيلا على البحيرة، وفندق خمس نجوم، و130 شقة فندقية، و270 شقة سكنية.
رغم أن المشروع لم يختفِ تمامًا، لكنه لم يعد المشروع الذي أُعلن عنه في 2005 بالشكل نفسه، الحلم الكبير الضخم الذي كانت تساهم فيه وتخطط له شركات خاصة، إنهار مالياً وتحول إلى مشروع صغير محدود تحت مظلة استثمارية حكومية، مع استمرار الصراع على الملكية .
ماذا عن هيثم بن طارق شخصيًا؟
الموثق حتى الان:
- Bloomberg ذكرت في مايو 2010، استنادًا إلى نشرة السندات، أن هيثم بن طارق كان يملك 50% من Cyclone.
- Cyclone كانت طرفًا في النزاع مع AAJ.
- المحكمة العليا حكمت في 2010، وفق Bloomberg، بأن Cyclone تملك 70% من Blue City.
- لاحقًا انتقلت السيطرة الاقتصادية على المشروع إلى مؤسسات مرتبطة بالدولة من خلال شراء الديون والسندات.
لكن ما لا تثبته المصادر التي عثرنا عليها حتى الآن هو:
- هل ظل هيثم مالكًا لحصته في Cyclone حتى لحظة إعادة الهيكلة؟
- هل باع حصته؟
- لمن باعها؟
- ما قيمة البيع؟
- هل حصل على مقابل مالي من إعادة الهيكلة؟
- هل حصل مساهمو Cyclone على عائد من انتقال السيطرة إلى المؤسسات الحكومية؟
- هل حصلت AAJ على تعويض عن فقدان الـ70%؟
- وهل كان مبلغ 38 مليون دولار المذكور في رواية 2009 هو بالفعل المقابل النهائي الذي حصلت عليه AAJ؟
هذه ليست تفاصيل ثانوية؛ بل هي الفجوة المالية الرئيسية في قصة المدينة الزرقاء.