ترجمات إثيوبيا

الإمارات وإثيوبيا.. شراكة تعيد رسم موازين القوى في البحر الأحمر: قراءة في الصحافة الغربية

 

لم تعد العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا مجرد علاقة اقتصادية بين دولة خليجية وقوة إقليمية في القرن الأفريقي. خلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه العلاقة إلى جزء من شبكة أوسع من المصالح المرتبطة بالموانئ والتجارة والأمن والنفوذ السياسي، تمتد من الخليج العربي إلى خليج عدن والبحر الأحمر.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية أكبر في ظل سعي إثيوبيا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة، إلى تأمين منفذ بحري مستقل، وفي ظل توسع الاستثمارات الإماراتية في موانئ القرن الأفريقي.

وترى صحيفة The Washington Post الأمريكية أن العلاقة الوثيقة بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والإمارات تمثل أحد العوامل المهمة في فهم التحرك الإثيوبي للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. ففي تقرير نشرته الصحيفة في 8 يناير/كانون الثاني 2024 حول المساعي الإثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر، أشارت إلى أن آبي أحمد يتمتع بعلاقات قوية مع الإمارات، ونقلت عن دبلوماسيين أجانب اعتقادهم بأن أبوظبي ربما لعبت دورًا في الوساطة التي أحاطت بالاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال. (واشنطن بوست)

هذه القراءة تضع الإمارات في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في القرن الأفريقي: كيف تحصل إثيوبيا على منفذ بحري دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في توازنات البحر الأحمر؟

 بربرة.. الحلقة التي تربط الإمارات بإثيوبيا

يأتي ميناء بربرة في أرض الصومال في مقدمة هذه المعادلة، فالإمارات، من خلال شركة DP World، استثمرت بصورة كبيرة في تطوير ميناء بربرة والمنطقة الحرة المحيطة به. وتقول Financial Times في تقرير نشرته في أغسطس/آب 2026 إن الاستثمار الإماراتي في بربرة وصل إلى نحو 450 مليون دولار، بالتزامن مع تطوير البنية التحتية وإنشاء طريق بطول نحو 250 كيلومترًا يربط بربرة بالمناطق المتجهة نحو إثيوبيا. (فاينانشيال تايمز)

وهنا تظهر أهمية الموقع الجغرافي، إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد بصورة كبيرة على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية. ولذلك فإن وجود طريق وميناء قريبين من الحدود الإثيوبية يمكن أن يوفر لأديس أبابا خيارًا إضافيًا، ويمنح الإمارات في المقابل موقعًا استراتيجيًا على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتشير Financial Times إلى أن ميناء بربرة مهيأ ليكون بوابة إلى السوق الإثيوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 120 مليون نسمة، رغم أن التوترات الجيوسياسية حالت حتى الآن دون تحويل جزء كبير من التجارة الإثيوبية إليه. (فاينانشيال تايمز)

وهذا يعني أن الاستثمار الإماراتي في بربرة ليس مجرد مشروع ميناء، إنه رهان على السوق الإثيوبية وعلى مستقبل طرق التجارة في القرن الأفريقي.

  لماذا تحتاج الإمارات إلى إثيوبيا؟

من منظور أبوظبي، تمثل إثيوبيا أكثر من مجرد سوق استهلاكية ضخمة.

إثيوبيا دولة مركزية في القرن الأفريقي، وتملك ثقلًا سياسيًا وديموغرافيًا وعسكريًا كبيرًا، كما تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا.

وقد وصفت Financial Times في تقريرها عن صعود النفوذ الإماراتي في أفريقيا الإمارات بأنها أصبحت لاعبًا اقتصاديًا وسياسيًا مهمًا في القارة، مع توسع استثماراتها في الموانئ والطاقة والتعدين والبنية التحتية.

وفي حالة بربرة تحديدًا، ترى الصحيفة أن البعد الاستراتيجي للاستثمار أكثر وضوحًا؛ فقد ربطت بين تطوير الميناء والطريق المتجه إلى إثيوبيا وبين الاتفاق الذي وقعته إثيوبيا مع أرض الصومال عام 2024 للحصول على منفذ بحري. (فاينانشيال تايمز)

ومن هنا يمكن فهم المعادلة الإماراتية: الميناء + الطريق + إثيوبيا = شبكة تجارية ولوجستية تمتد من البحر إلى عمق أفريقيا.

لكن المشكلة أن هذه المعادلة لا تأتي من فراغ ولا تتحرك في فراغ وثمنها سياسي مكلف ومؤلم، فأرض الصومال أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، لكنها ظلت لفترة طويلة غير معترف بها دوليًا. ولذلك فإن أي اتفاق يمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا عبر أرض الصومال يتحول تلقائيًا إلى قضية تتجاوز الاقتصاد.

وقد وصفت Financial Times الاتفاق الإثيوبي–الصوماليلاندي عام 2024 بأنه أثار غضب الحكومة الصومالية، التي اعتبرت الاتفاق انتهاكًا لسيادتها. كما أشارت الصحيفة إلى أن الإمارات تمتلك استثمارات كبيرة في بربرة، وأن طريقًا ممولًا إماراتيًا يربط الميناء بالمناطق المؤدية إلى الحدود الإثيوبية. (فاينانشيال تايمز)

وبذلك أصبحت بربرة نقطة تقاطع بين ثلاثة مشاريع:

  1. المشروع الإثيوبي للحصول على منفذ بحري.
  2. المشروع الإماراتي لبناء شبكة موانئ ولوجستيات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
  3. المشروع الصوماليلاندي للحصول على اعتراف دولي وتعزيز استقلاله الاقتصادي.

وهذه المصالح الثلاثة لا تتطابق دائمًا مع مصالح الحكومة المركزية في مقديشو.

 مصر.. توسع النفوذ المائي الأثيوبي خطر على المنطقة

أما بالنسبة إلى مصر، فإن التطورات المرتبطة بصعود إثيوبيا الإقليمي تفتح أمام القاهرة معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد الخلاف حول سد النهضة. فبعد سنوات من المفاوضات، لم تتمكن مصر من تغيير حقيقة وجود السد أو انتزاع ترتيبات ملزمة بشأن تشغيله، الأمر الذي جعل أدواتها الأساسية تتركز في الضغط الدبلوماسي والتحرك الدولي، إلى جانب خطاب سياسي وإعلامي غاضب يزداد تشنجاً كلما اقتربت إثيوبيا من فرض أمر واقع جديد.

ومن هنا، فإن أي نجاح إثيوبي في تثبيت موطئ قدم بحري على البحر الأحمر أو خليج عدن لن يُقرأ في القاهرة باعتباره تطورًا منفصلًا عن أزمة النيل. فإثيوبيا التي عززت موقعها الجيوسياسي من خلال سد النهضة، قد تجد في الوصول البحري فرصة لتوسيع هامش حركتها الإقليمية وبناء نفوذ يتجاوز حدودها البرية. وهذا تحديدًا ما يثير القلق المصري: ليس لأن الوجود البحري الإثيوبي يغيّر تلقائيًا موازين القوى، وإنما لأنه يمنح أديس أبابا ورقة استراتيجية إضافية في بيئة إقليمية تتداخل فيها ملفات المياه والأمن والاقتصاد والنفوذ.

غير أن التحدي الأكثر حساسية بالنسبة للقاهرة لا يأتي من إثيوبيا وحدها، بل من طبيعة الشراكة التي تربطها بالإمارات. فأبوظبي تمثل بالنسبة إلى مصر شريكًا استراتيجيًا ومتنفذاً قوياً في الاقتصاد المصري، ولا يمكن التعامل معه باعتباره طرفًا عابرًا في المعادلة الإقليمية، في الوقت الذي أصبحت فيه الإمارات أحد أبرز الشركاء المنخرطين في الاقتصاد والسياسة ومشروعات البنية التحتية الأثيوبية.

وهنا تبرز المعضلة الحقيقية لمصر: إثيوبيا مقرر أساسي ومتحكم في ملف مياه النيل، والإمارات شريك ومقرر في الاقتصاد المصري، وفي الوقت نفسه شريك قوي ومتنامٍ لإثيوبيا، بينما يتحول البحر الأحمر إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الدول الثلاث. ولذلك لا تستطيع القاهرة التعامل مع التحولات الإثيوبية من خلال مواجهة مباشرة أو الضغط على حلفائها بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع خصومها؛ إذ إن أي تصعيد غير محسوب قد يضعها أمام معادلة أكثر صعوبة: احتواء إثيوبيا من دون خسارة الإمارات، وحماية مصالحها في البحر الأحمر من دون توسيع دائرة الخلاف داخل المعسكر الإقليمي الذي تعتمد عليه.

وبذلك، تبدو مصر أمام أزمة نفوذ أكثر منها أزمة تصريحات؛ فالمشكلة لم تعد فقط في كيفية التعامل مع سد النهضة، وإنما في احتمال أن تتحول إثيوبيا تدريجيًا إلى قوة ذات امتداد مائي واستراتيجي، في وقت تجد فيه القاهرة أن هامش المناورة المتاح أمامها أضيق مما كان عليه في السابق.

 إريتريا.. الطرف الأكثر حساسية

أما إريتريا، فإن أي توسع إثيوبي باتجاه البحر الأحمر يحمل بالنسبة إليها دلالة أمنية مباشرة، فالبلدان خاضا حربًا طويلة، وتبقى العلاقة بينهما شديدة الحساسية، ومن ثم، فإن حصول إثيوبيا على منفذ بحري أو قاعدة بحرية أو قدرة عسكرية مستقلة على ساحل البحر الأحمر يمكن أن يُنظر إليه في أسمرة باعتباره تحولًا في ميزان القوى،  وهنا تصبح الاستثمارات الإماراتية في القرن الأفريقي ذات أهمية إضافية؛ إذ إن أبوظبي ليست مجرد مستثمر اقتصادي، بل تمتلك شبكة واسعة من العلاقات والمصالح في المنطقة.

وتشير Financial Times إلى أن الإمارات كانت من أبرز القوى التي بنت حضورًا في موانئ ومواقع استراتيجية في القرن الأفريقي، بما في ذلك بربرة. (فاينانشيال تايمز)

 جيبوتي.. المنافس الاقتصادي الصامت

قد تكون جيبوتي من أكثر الدول التي ستتأثر اقتصاديًا إذا نجحت إثيوبيا في تحويل بربرة إلى بوابة تجارية رئيسية، فالاقتصاد الجيبوتي يعتمد بدرجة كبيرة على موقع البلاد كمركز لوجستي يخدم إثيوبيا، لكن ظهور بربرة كميناء منافس يعني إمكانية توزيع جزء من حركة التجارة الإثيوبية على أكثر من مسار، ولهذا فإن الطريق الإماراتي المتجه من بربرة نحو إثيوبيا لا يمثل مجرد طريق بري؛ بل يمكن أن يصبح، إذا اكتملت شروطه السياسية والأمنية، منافسًا للممر الجيبوتي الذي تعتمد عليه إثيوبيا منذ عقود.الصومال.. الخاسر المحتمل من إعادة توزيع النفوذ

بالنسبة إلى الحكومة الصومالية، المشكلة أكبر، فمقديشو ترى أرض الصومال جزءًا من الأراضي الصومالية، ولذلك فإن منح إثيوبيا حق استخدام ساحل في أرض الصومال يمثل تحديًا مباشرًا لمبدأ وحدة الأراضي الصومالية.

وتشير Financial Times إلى أن الصومال وصف الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال بأنه “عمل عدواني”، بسبب خطط إثيوبيا لإنشاء منفذ بحري وربما منشآت بحرية في المنطقة. (فاينانشيال تايمز)

وبذلك أصبحت الإمارات، بسبب وجودها الاقتصادي الكبير في بربرة، جزءًا غير مباشر من هذه المعادلة السياسية شديدة الحساسية.

السودان.. البعد الذي يجعل الصورة أكثر تعقيدًا

لا يمكن فهم العلاقات الإماراتية–الإثيوبية في عام 2026 من دون النظر إلى السودان، فالسودان يقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بينما تقع إثيوبيا إلى الجنوب الشرقي منه، وتملك الإمارات مصالح واسعة في المنطقة.

وفي فبراير/شباط 2026، نشرت Reuters تحقيقًا تحدث عن إقامة منشأة في إثيوبيا لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع السودانية، ونقلت عن مصادر أن الإمارات قدمت دعمًا قويًا لحكومة آبي أحمد منذ وصوله إلى السلطة عام 2018، وأن العلاقات بين البلدين تطورت إلى تعاون عسكري. وهذه اتهامات وتقارير تنفيها الأطراف المعنية بدرجات مختلفة، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها مزاعم وتحقيقات صحفية وليست حقائق قضائية محسومة. (Reuters)

وفي فبراير أيضًا، نقلت Reuters عن دبلوماسيين وخبراء أن التنافس السعودي–الإماراتي في القرن الأفريقي أصبح مرتبطًا بسلسلة من الأزمات، تشمل الحرب في السودان، والصراع في الصومال، والتوتر بين إثيوبيا وإريتريا. (Reuters)

وهنا تنتقل العلاقة الإماراتية–الإثيوبية من مستوى الموانئ والتجارة إلى مستوى أوسع يتعلق بتوازنات الأمن الإقليمي.

 السعودية.. تراقب من يحاول منافستها في المنطقة

التطورات الأخيرة تجعل السعودية طرفًا مهمًا أيضًا، ففي يناير/كانون الثاني 2026، كتبت The Washington Post أن الخلاف السعودي–الإماراتي انعكس على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأن نفوذ الإمارات الممتد من اليمن إلى الصومال والسودان أصبح أحد مصادر التنافس بين القوتين الخليجيتين. (واشنطن بوست).

وفي فبراير، أكدت Reuters أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي تجاوز اليمن إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث أصبح مرتبطًا بملفات السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا. (Reuters)

ورغم أن التنافس في منطقة البحر الأحمر لم يعد ساحة تنافس بين دول القرن الأفريقي فقط، بل أصبح أيضًا امتدادًا للمنافسة الخليجية، وهذا وضع معتاد في تاريخ العلاقات والمصالح الدولية، إلا إن ما تشعر به الرياض حالياً أو تفكر فيه يتجاوز مرحلة التنافس إلى القلق والتوجس الأمني من تحركات أبو ظبي المصاحبة لتحركات تل أبيب في منطقة البحر الأحمر.

 البحر الأحمر أمام نظام إقليمي جديد

يمكن اختصار المشهد الجديد في أربع دوائر متداخلة:

الدائرة الأولى: إثيوبيا
تبحث عن منفذ بحري يقلل اعتمادها على جيبوتي ويعزز مكانتها كقوة إقليمية.

الدائرة الثانية: الإمارات
تسعى إلى بناء شبكة تجارية ولوجستية واستثمارية تربط موانئ البحر الأحمر بالأسواق الأفريقية.

الدائرة الثالثة: دول البحر الأحمر
مصر وإريتريا وجيبوتي والصومال والسودان تراقب هذه التحولات لأنها قد تؤثر في أمنها ومصالحها.

الدائرة الرابعة: القوى الخليجية والدولية
السعودية وتركيا وإيران والولايات المتحدة والصين وغيرها لديها مصالح مباشرة أو غير مباشرة في الممر البحري الذي يربط قناة السويس بالمحيط الهندي.

الخلاصة

تقدم The Washington Post وFinancial Times زاويتين مهمتين لفهم العلاقة الإماراتية–الإثيوبية.

الصحيفة الأمريكية تركز على البعد السياسي والاستراتيجي للعلاقة، وعلى احتمال ارتباط أبوظبي بالتحرك الإثيوبي للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. (واشنطن بوست)

أما الصحيفة البريطانية فتضع العلاقة ضمن مشروع إماراتي أوسع للنفوذ الاقتصادي واللوجستي والسياسي في أفريقيا، وتبرز بربرة باعتبارها المثال الأكثر وضوحًا على تداخل التجارة مع الجغرافيا السياسية. (فاينانشيال تايمز)

والنتيجة أن إثيوبيا والإمارات قد تكونان بصدد بناء محور اقتصادي–لوجستي جديد في القرن الأفريقي، لكن نجاحه لن يتوقف على الأموال والاستثمارات وحدها، فالموانئ لا تعمل بمعزل عن السياسة.

الدولة إثيوبيا
متابعات أجنبية

متابعات أجنبية

فريق التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات