تقرير الإمارات

من إيران إلى الحوثيين: كيف تتحرك الأموال الإيرانية عبر المصارف الخليجية؟

 

لم تعد المعركة الأمريكية ضد التمويل الإيراني تقتصر على تجفيف مصادر الإيرادات داخل إيران، بل اتجهت بصورة متزايدة إلى تفكيك الشبكات الخارجية التي تتيح لطهران تحويل أموالها وإعادة تدويرها والالتفاف على القيود المفروضة عليها، بما يمكّنها من الوصول إلى النظام المالي العالمي وتوفير الموارد لحلفائها ومليشياتها الإقليميين. وقد كشفت الإجراءات الأمريكية المتلاحقة خلال عام 2026 عن اتساع هذه الشبكات وتشعبها عبر مراكز مالية وتجارية خارج إيران، وفي مقدمتها الإمارات، ولا سيما دبي، إلى جانب عُمان، حيث ظهرت في ملفات العقوبات الأمريكية شبكات وشركات وعمليات تجارية ولوجستية مرتبطة بإيران وحلفائها الإقليميين. وفي الوقت الذي برزت فيه دبي في عدد من ملفات وزارة الخزانة الأمريكية باعتبارها مركزًا رئيسيًا لشبكات الصرافة والشركات الواجهة المستخدمة لتسهيل تدفقات مالية مرتبطة بالاقتصاد الإيراني غير المشروع، ظهرت عُمان بصورة مختلفة، من خلال علاقات تجارية ومالية تاريخية مع إيران، إلى جانب قنوات وشبكات مرتبطة بتمويل الحوثيين.

وفي 6 سبتمبر/أيلول 2026 نشرت وول ستريت جورنال تحقيقًا بعنوان How Billions in Iranian Money Passes Through U.S. Banks، كشفت فيه أن مليارات الدولارات من الأموال المرتبطة بإيران لا تزال تصل سنويًا إلى حسابات المقاصة بالدولار داخل البنوك الأمريكية، رغم العقوبات المفروضة على طهران.

وأوضحت الصحيفة أن إيران لا تصل إلى هذه القنوات بصورة مباشرة، وإنما تستخدم مؤسسات مالية وشركات ووسطاء في دولة ثالثة، خصوصًا الصين والإمارات، لديهم علاقات مصرفية ومراسلات مع مؤسسات مالية أمريكية. وتسمح هذه البنية بتحريك الأموال عبر طبقات من الوسطاء والشركات الواجهة بحيث يصبح تحديد المستفيد النهائي أكثر صعوبة.

وبحسب التحقيق، فإن هذه الشبكات لا تُستخدم فقط في التجارة الإيرانية، وإنما تساعد طهران على دعم حلفائها في الشرق الأوسط كالحوثيين وحزب الله اللبناني، والحصول على السلع والتقنيات التي تواجه قيودًا أمريكية، ومن هنا تبدأ أهمية تتبع طرق التدفقات النقدية وغير النقدية من وإلى إيران عبر شركات ووسطاء في الإمارات و عُمان تستخدم النظام المالي والتجاري الدولي لتصل إلي المستفيد الأخير سواء داخل ايران أو خارجها.

الإمارات: أهم البوابات المالية لإيران

في قلب هذه الشبكة يبرز اسم الإمارات، التي تظهر في الوثائق الأمريكية الحديثة بوصفها واحدة من أهم البيئات الخارجية التي تستخدمها إيران لإدارة شبكاتها المالية، حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 28 أغسطس 2026  إجراءً استثنائيًا ضد فرع بنك مصر في الإمارات، عندما اقترحت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية منع المؤسسة من إقامة أو استمرار علاقات مراسلة مع المؤسسات المالية الأمريكية.

وقالت وزارة الخزانة إن الفرع عالج بين يناير 2024 ويونيو 2026، نحو 1.8 مليار دولار لصالح 103 شركات يحتمل ارتباطها بشبكات الظل المصرفي الإيرانية، مشيرة إلى أن بعض العملاء كانوا شركات واجهة مرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية والحرس الثوري، وفي الإجراء نفسه، استهدفت الخزانة الأمريكية مدير فرع بنك ملي الإيراني في دبي، وقالت إن البنك سهل مليارات الدولارات من المعاملات المرتبطة بحسابات تسيطر عليها قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وإن هذه القنوات استخدمت لتمويل شركاء ووكلاء إيران في المنطقة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: وجود مؤسسة أو شركة إماراتية داخل شبكة مالية إيرانية، وبين اتهام الحكومة الإماراتية نفسها بتمويل تلك الشبكات،لأن الوثائق الأمريكية المذكورة تتحدث عن أفراد ومؤسسات وشركات تعمل داخل الإمارات آو مسجلة فبها، ولا تثبت أن الحكومة الإماراتية مشاركة مباشرة في تمويل الحوثيين.

وقبل أربعة أيام من إجراء الخزانة الأمريكية ضد بنك مصر–الإمارات، نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 24 أغسطس 2026 دراسة بعنوان Shutting Iran’s Emirati Back Door to Banks and Supply Chains، وخلص الباحثان ماثيو ليفيت ومايا شوافاط إلى أن الإمارات، ودبي تحديدًا، أصبحت مركزًا رئيسيًا لإعادة التصدير والتمويل غير المشروع المرتبط بإيران.

وأشارت الدراسة إلى أن الولايات المتحدة استهدفت على مدى السنوات السابقة 353 كيانًا مرتبطًا بالإمارات بسبب أنشطة غير مشروعة مرتبطة بإيران، بينها 154 كيانًا خلال العام السابق وحده. كما أشار إلى تحليل لوزارة الخزانة الأمريكية أظهر مرور نحو 6.4 مليار دولار من الأموال المحتملة المرتبطة بشبكات الظل الإيرانية عبر الإمارات في 2024، أي نحو 71% من إجمالي الأموال التي رصدها التحليل.

وتضيف إلى أن هذه الشبكات لا تعتمد على التحويلات المالية وحدها، وإنما تتداخل فيها شركات التجارة والنفط والشحن والاستثمار والصرافة والشركات الواجهة، وتصل أهمية الدراسة إلى ذروتها عند ربطها بالحوثيين. فقد استند معهد واشنطن إلى إجراء وزارة الخزانة الأمريكية في يناير 2026، الذي قال إن إيران توفر للحوثيين شحنات نفط شهرية عبر شركات إيرانية أو مرتبطة بإيران موجودة في دبي، وإن هذه العمليات تساعد الحوثيين على توليد أكثر من ملياري دولار سنويًا من إيرادات النفط، وعليه تصبح دبي في هذه الرواية المستقلة حلقة وسيطة بين الموارد الإيرانية والشبكة الاقتصادية للحوثيين.

من النفط الإيراني إلى الإيرادات الحوثية

في 16 يناير/كانون الثاني 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شبكة واسعة قالت إنها مرتبطة بتمويل الحوثيين وتوليد إيراداتهم، وشملت الشبكة أفرادًا وكيانات في اليمن والإمارات وعُمان، وقالت الوزارة إن بعض هذه الكيانات قدم خدمات مالية وتجارية ولوجستية للحوثيين، ومن أهم ما كشفته الوزارة أن الحوثيين يدفعون لشركات مرتبطة بإيران من خلال قنوات مالية موجودة في الإمارات، في الوقت الذي تستخدم فيه شركات مقرها دبي في توفير النفط الإيراني للجماعة.

وهنا يظهر نموذج مختلف عن فكرة “تحويل أموال من إيران إلى الحوثيين”، فالعملية يمكن أن تبدأ بالنفط الإيراني الذي يسوق وينقل عبر شركة واجهة أو شركة مرتبطة بإيران،يتولى وسيط تجاري أو مالي في الإمارات تحويل الأموال إلى مورد أو شركة مرتبطة بالحوثيين، وفي مرحلة أخرى يمكن أن تتحرك الأموال في الاتجاه المعاكس، عندما يدفع الحوثيون مقابل الموارد أو الخدمات إلى شركات ووسطاء خارج اليمن، وبذلك تصبح الشبكة دائرية ومتعددة الاتجاهات وليست مجرد تحويل مالي واحد.

Arkan Mars: الحلقة الأكثر وضوحًا بين الإمارات والحوثيين

وفي 22 يوليو/تموز 2025 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف شبكة لتهريب المنتجات النفطية مرتبطة بالحوثيين، وقالت الوزارة إن محمد عبدالله السنيدار، رجل أعمال يمني من صنعاء من مواليد 1987، أدار شبكة نفطية بين اليمن والإمارات، وإن شركة Arkan Mars Petroleum كانت لديها ترتيبات مع الحوثيين لاستيراد منتجات نفطية، بما فيها النفط الإيراني، إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة.

والأهم أن الوزارة حددت شركات Arkan Mars Petroleum DMCC وArkan Mars Petroleum FZE باعتبارها كيانات مقرها الإمارات، وقالت إن هذه الشبكة نسقت عمليات بلغت نحو 12 مليون دولار من المنتجات النفطية الإيرانية التي وصلت إلى الحوثيين عبر ميناء رأس عيسى في الحديدة على ساحل البحر ألأحمر.

وفي سبتمبر 2025، وسعت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات لتشمل Tyba Ship Management DMCC، وهي شركة إماراتية قالت الوزارة إنها مملوكة لرجل الأعمال اليمني محمد السنيدار ونسقت عملياتها مع Arkan Mars Petroleum، وقالت الوزارة إن سفنًا مرتبطة بالشركة نقلت النفط إلى مناطق يسيطر عليها الحوثيون، وهو ما يكشف أن الشبكة لم تكن مالية فقط؛ بل جمعت بين النفط والشحن والخدمات التجارية والحسابات المالية، وهذه نقطة جوهرية لفهم طريقة عمل الاقتصاد الموازي: الأموال لا تتحرك منفصلة عن السلع، بل يمكن أن تتحول الشحنة النفطية نفسها إلى أصل مالي يولد الإيرادات، بينما تقوم الشركات الخارجية بتوفير الخدمات اللازمة لتداولها ونقل قيمتها.

عُمان: مسار مختلف عن الإمارات

إذا كانت الإمارات تظهر باعتبارها المركز الأوضح في الأدلة الحديثة المتعلقة بالشبكات المالية الإيرانية والحوثية، فإن عُمان تظهر في صورة مختلفة، والمؤكد أن العلاقة الاقتصادية والمصرفية بين مسقط وطهران أقدم وأكثر علنية، كما توجد في السلطنة مؤسسات مصرفية إيرانية، بينها بنك ملي الإيراني وبنك صادرات الإيراني، مع الأخذ في الاعتبار أثناء البحث أن وجود مؤسسات مالية إيرانية في عُمان لا يمثل في ذاته دليلًا على تورط المؤسسات الرسمية العمانية في تمويل الحوثيين، لكن أهمية عُمان بالنسبة لهذا البحث تنشأ من ظهور كيانات وحسابات مرتبطة بشبكات الحوثيين داخل البيئة التجارية والمالية العُمانية.

المنظومة المالية العُمانية في خدمة الحوثي، شبكة سعيد الجمل مثالاً

تقدم شبكة اليمني سعيد الجمل، مثالًا مهمًا،  لأنها تربط شبكة مالية تنشط في تمويل الحوثيين بحساب مصرفي في عُمان. وفيها دليل على استخدام البيئة المصرفية العُمانية من قبل شبكة عابرة للحدود، ولكنها لا تثبت أن البنك الذي استضاف الحساب كان يعلم بالغرض النهائي للأموال أو شارك في تمويل الحوثيين.

ففي تقرير سابق نشره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في 19 يناير 2022 تحت عنوان “التأثير المحدود للعقوبات الأمريكية على الشبكات المالية للحوثيين” منشورة أيضًا بعنوان The Limited Efficacy of US Sanctions on Houthi Financial Networks، أشار المركز إلى وجود حساب مصرفي في عُمان مرتبط بالشبكة التي اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية سعيد الجمل مندوب الحوثيين في طهران بإدارتها، وهي شبكة مرتبطة بتجارة النفط الإيراني وتوفير الأموال للحوثيين، وقدرت الأموال الموجودة فيه بنحو 20 مليون دولار قبل تجميده.

يستند التقرير في الجزء المتعلق بحساب عُمان إلى معلومات من مسؤول رفيع في القطاع المصرفي اليمني تحدث إلى الوحدة الاقتصادية بالمركز دون الكشف عن هويته. كما يذكر التقرير أن شركة سويد وأولاده للصرافة المتهمة بتبيض وتهريب الأموال لصالح الحوثيين كانت تملك حسابًا مصرفيًا خارجيًا واحدًا في عُمان، وأن رصيده كان نحو 20 مليون دولار، وأن الحساب جُمّد قبل عقوبات يونيو 2021

وفي يونيو 2024، استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية  International Smart Digital Interface (ISDI)، وهي شركة تنشط في الاستيراد والتصدير ومقرها عُمان ويديرها معاذ أحمد محمد الحيفي (Muaadh Ahmed Mohammed al-Haifi)، وهو يمني مقيم في مسقط، وقالت إن الشركة سهلت عمليات مرتبطة بشبكات الحوثيين، وتقدم هذه الحالة دليلًا مختلفًا عن الحسابات المصرفية لأنها تتعلق بكيان تجاري يعمل من عُمان وظهر في ملف عقوبات أمريكي مرتبط بالحوثيين، ثم جاءت عقوبات يناير 2026 لتؤكد أن الشبكات الحوثية التي تستهدفها واشنطن أصبحت عابرة للحدود، وتشمل اليمن والإمارات وعُمان وغيرها.

الإمارات وعُمان: تحقيق هدف واحد بأدوار مختلفة

تكشف مقارنة الإمارات وعُمان عن نمط أوسع في طريقة عمل شبكات التمويل الإيرانية، يقوم على توزيع العمليات والمخاطر بين عدة ولايات قضائية وكيانات وسيطة، بدل انتقال الأموال مباشرة من إيران إلى المستفيد النهائي. فقد تمر المعاملة عبر شركات تجارية أو واجهة، وشركات شحن وإعادة تصدير، وحسابات مصرفية ومؤسسات مالية في دول ثالثة، قبل أن تصل إلى النظام المالي الدولي. وهذا التعقيد يجعل تحديد المصدر الإيراني والمستفيد النهائي أكثر صعوبة.

ورغم الإشارات المتكررة للإمارات وعُمان في التقرير الدولية المتعلقة بمتابعة ايران مالياً، إلا أن هذا الاقتران لا يعني أن الإمارات وعُمان تؤديان الدور نفسه رغم أنهما تُستخدمان لتحقيق هدف واحد، حيث تبدو الإمارات، في الأدلة المنشورة حديثًا، الحلقة الأكثر وضوحًا في الجانب المالي والتجاري والنفطي، وتظهر الإمارات كذلك بصورة مباشرة في شبكات تمويل الحوثيين وبيع النفط الإيراني؛ ففي يناير 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية استهداف شركات مقرها الإمارات، من بينها Al Sharafi Oil Companies Services وAdeema Oil FZC وArkan Mars Petroleum DMCC وAlsaa Petroleum and Shipping FZC، وقالت إن بعضها عمل في تسهيل معاملات مالية ونفطية بين الحكومة الإيرانية وشركات مرتبطة بالحوثيين. كما أشارت إلى تحويل أموال إلى شركات صرافة في الإمارات ضمن هذه الشبكات.

أما عُمان، فتظهر في الأدلة الأمريكية الحديثة بصورة أضيق وأكثر ارتباطًا باللوجستيات والنقل والتجارة النفطية، وليس باعتبارها مركزًا مصرفيًا مماثلًا للإمارات في الأدلة التي جرى التحقق منها هنا. ففي مايو 2026 قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن شركة Zeus Logistics Group التي تتخذ من عُمان مقرًا لها عملت مع الحرس الثوري الإيراني خلال 2025 لترتيب سفن لنقل شحنات من النفط الإيراني. كما سبق أن أدرجت الخزانة كيانات وأفرادًا في عُمان ضمن شبكات مرتبطة بتمويل الحوثيين وتهريب النفط والمعدات.

لماذا ركزت واشنطن على البنوك؟

توضح التطورات في أغسطس وسبتمبر 2026 أن واشنطن بدأت تتحرك من استهداف الأفراد والشركات إلى استهداف الوصول إلى النظام المصرفي الدولي نفسه، فالإجراء ضد بنك مصر–الإمارات لم يكن مجرد إدراج شركة إضافية على قائمة العقوبات، بل كان محاولة لتقييد علاقته بالمؤسسات المالية الأمريكية، وهذا يرفع تكلفة التعامل مع الشبكات الإيرانية، لأن المؤسسة الأجنبية لا تواجه فقط احتمال العقوبة المالية، وإنما احتمال فقدان الوصول إلى الدولار والبنوك المراسلة الأمريكية، وهذه هي نقطة الضعف الرئيسية في اقتصاد الظل الإيراني، فإيران تستطيع إنشاء شركة جديدة، وتغيير اسم شركة، ونقل نشاطها إلى دولة أخرى، لكنها تجد صعوبة أكبر في تعويض العلاقات المصرفية المراسلة التي تسمح لها بالوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي.

الدولة الإمارات
سعيد بن همام

سعيد بن همام

كاتب عماني في المهجر

مقالات ذات صلة

التعليقات